الطريق إلى الثورة الثالثة: تعليقٌ على الجولة الأولى من الانتخابات المصرية

حجم الخط
0

د يحيى مصطفى كامل بينما كنت أطالع صحف اليوم استعداداً لكتابة هذا المقال استوقفني خبرٌ قد يبدو بسيطاً بل ومنطقياً للكثيرين، ألا وهو قيام شركةٍ وللبيئة بتنظيف ميدان التحرير وتجميع المخلفات المتراكمة نتيجة للإعتصام ومن ثم رش شوارعه بالمياه تحت إشراف الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة… وكما أن التراث يجزم بأن صدفةً قد تكون خيراً من آلاف المواعيد وفإن هذا الخبر من الواقع اليومي، على تفاهته واعتياديته (أو ربما بسببيهما) ربط وساق أفكاراً وانطباعاتٍ متناثرة تتجاذبني بعنف في مسارٍ أحسبه واضحاً متسقاً… ليس هناك أدنى شك في استحواذ الجولة الأولى من الانتخابات في مصر على كل تركيز الشعب وطغيانها على ما عداها من مناحي الحياة العامة، وهو أمرٌ مفهومٌ إلى حدٍ بعيد، فهي ليست مجرد وأول انتخاباتٍ تُجرى بعد الثورتين وسوف ترسم ملامح المرحلة المقبلة إلى حدٍ ما، وإنما سبقتها وتتزامن معها عدة عوامل وملابساتٍ واستعصاءاتٍ فارقة غاية في الخطورة والأهمية، فهي أعقبت أحداث الثورة الثانية مباشرةٍ بحيث تعارضت ومعها بل وأسهمت في مساعي إجهاضها بدرجةٍ ما كما سنوضح، كما أن حالاً جارفةً ومن الترقب والتكهن والرغبة في المشاركة لجماهير لم يستعد أغلبها وشكلت خلفيتها، وهي التي استحالت شيئاً فشياً إلى الخوف والإشفاق من الفوز المفاجئ ولفصائل بعينها وعقب التسريبات والإعلانات الأولية لا سيما أن جو الغموض الذي أشاعته اللجنة العليا للانتخابات وبتأجيلها المتكرر لإعلان النتائج والمحاولة اليائسة لإظهار الحرفية لم يبدد أو حتى يخفف من حدة تلك المشاعر المركبة التي ذكرنا، وثم تكتمل الصورة إذا أضفنا إلى كل ذلك المحاولات المتعثرة لتشكيل وزارةٍ جديدة يبدو من مساعي رئيسها جهده في والتفوق على نفسه في مزج المسخ بالهزل… لا يسعني هنا إلا أن أقر بأن لهذه الجولة من الانتخابات إيجابياتها العديدة على الرغم مما شابها من تجاوزاتٍ واختراقات، كما يفرض علي الالتزام الأخلاقي والأمانة بألا أكتم هواجساً ومخاوفاً جساماً تلح علي.. بدايةً، ولئلا أُتهم بالتشاؤم والسلبية، لا بد من التأكيد على كون وأعداد الناخبين وما أبدوه ومن الحماس والحرص على والمشاركة يبعث على الفخر ويؤكد على ما ذهبنا إليه من قبل من بعث ثقافة العمل الجماعي والمشاركة، بالإضافة إلى إعادة تمرس الجمهور في خبايا ودقائق وحيل واللعبة الانتخابية وتوازنات القوى وأساليب الدعاية ووما إلى غير ذلك من الملكات التي ضمرت وذوت على مدى عقودٍ وطوالٍ عجافٍ ومن القمع والتهميش، ومن ناحيةٍ أخرى عملية وملحة فإن الانتخابات توفر لنا صورةً واقعيةً عن اتجاهات ومزاجات مجتمعنا وخريطةً وانتخابيةً مبدئية ونحن أحوج ما نكون إليها للخروج من تيه التكهنات والرهانات إلى وقائع وأرقامٍ ملموسة نقوم على أساسها العلمي وبتحليل العوامل التي ودفعت والناس للإدلاء باصواتهم لفصيلٍ دون آخر… مكاسب دون أدنى شك، ناضلنا من أجلها ونقدر قيمتها قبل غيرنا، ولكن… إن التوقيت الذي أجريت فيه الانتخابات تحيط بأسبابه تلالٌ من الشبهات ووالنتيجة التي أسفرت وعنها، مع احترامي التام لإرادة الشعب ونزولي عليها، تثير قلقي العميق… أرجو ألا أكون بحاجة إلى تذكير أحد بأن ثورةً ثانيةً انفجرت في تشرين الثاني/نوفمبر راح ضحيتها شهداء عديدون وفقد الكثيرون أعينهم فيها ونتيجةً لإجرام وفظاعات النظام، ناهيك عن آلاف المعتقلين… لذا، ففي حين قد يرى والبعض في التصميم على إجراء والانتخابات في ميعادها وفاءً من النظام بتعهداته والتزاماً ومن قبله بمشروع التحول الديمقراطي وتسليم السلطة لمدنيين، يترسخ لدي الاعتقاد بأنه كان يبحث عن وسيلةٍ للهروب من المأزق الذي وضع نفسه نفسه برعونته وغلظته، وللأسف، يبدو أنه نجح… فقد التهى الكل تقريباً بالانتخابات تصويتاً ومراقبةً و ترقباً وتحليلاً وعراكاً، واللهم إلا قلة من المتشبثين بمواقعهم في ميدان التحرير والمعتصمين أمام مجلس الوزراء رفضاً لتكليف د. الجنزوري… قلةٌ هم الذين يرفعون صوتهم مطالبين بالقصاص لشهداء الثورة الثانية وها هي الكثرة الغالبة تختلف فيما بينها على تشكيلة الحكومة عوضاً عن رفضها من حيث المبدأ، حتى ليبدو كأن المجلس قد ألقى إلى الجمهور بلعبةٍ فرح بها ناسياً حقوقه بما صب في مصلحة النظام واليمين الإسلامي الذي لم تعد صفقته معه محل شكٍ فهو يتحرق شوقاً للانتخابات خوفاً من تضييع فرصته التاريخية خاصةً أمام واحتمال تآكل شعبيته في الشارع نظراً لانتهازيته المتكررة التي تسببت في بوادر تصدعٍ أفقي بين قياداته وشبابه… ليس ذلك فحسب، بل إن النظام وإذ يتحالف مع هذه الفصائل يجتبيها إلى صفه ومفتتاً الالتحام الشعبي الذي أنجز الخطوة الأولى من الثورة بإسقاط مبارك، وبذا يغدو الصراع في المرحلة المقبلة على المستوى الشعبي بين فصيلٍ مستقوٍ بالنظام والبقية المطالبة بإنجاز ثورةٍ حقيقية في ضوء إشكالياتٍ اجتماعية واقتصادية ونكاد نجزم سلفاً بأنها لن تحل، وفي هذا المقام علينا أن نتذكر دائماً بأن فصائل الإسلام السياسي لم تكن أبداً بالبعيدة تماماً عن العنف واللجوء إليه وفق مسوغاتٍ تختلف حسب المرحلة والحاجة… أما ما أدهشني وأزعجني في النتيجة المبدئية فليست فقط النسب وحضور السلفيين المبالغ فيه وإنما ما كشفت عنه من خللٍ عميق في تصور الناس لأولوياتهم وخلطهم بين السياسي- الاجتماعي والأخلاقي… يقيناً أن الشعب حين التف حول الشباب المعتصم لم ينهض ويثر انتصاراً للحية والجلباب القصير وإنما لأنه ضج وفاض به من القمع والفقرو الإهانة والتهميش ومستقبل الأبناء الضائع… فكيف إذن ينتخب أغلبيةً من وفصائل الإسلام السياسي سوف تبقي الوضع على ما هو عليه نظراً لافتقارها لرؤيةٍ اقتصادية واجتماعية مغايرة ولنظام مبارك وبعدائه لكل ما من شأنه حماية محدودي الدخل وأو أي إجراءاتٍ تحد من جشع رأس المال ووحشية السوق؟ قد أتفهم أن يتماهى البعض أو الكثيرون مع فصائل الإسلام السياسي من الناحية الأخلاقية أما الانتخابات والتمثيل السياسي فشيءٌ آخر… بصراحة شديدة، إن ذلك يشي بحالةٍ مقلقة ومن الانفصام بين أهداف ودوافع الثورة وبين تفعيل التغيير حين سنحت الفرصة… لن أنفي أن هذه الفصائل قد قدمت بعض الخدمات الشكلية قصيرة العمر لاسترضاء واستمالة الجمهور، إلا أنها على المدى البعيد محكومةٌ بانغلاق أفقها السياسي وافتقارها للرؤية وضيقها بالنقد ورفضها للتجديد.

على كلٍ، مازالت هناك مرحلتان متبقيتين، والإرادة في نهاية المطاف للشعب… قد أختلف مع اختيار الأغلبية (وذلك من حقي)، إلا أنني ما زالت عند إيماني بأن الشعوب تتعلم بالتجربة وأننا على أعتاب مرحلةٍ جديدة من الصراع سوف تتبدل فيها التحالفات.

الثورة لم تكتمل بعد… قد يحلو للنظام أن يتصور أنه يستطيع إجهاضها وتبديد مخزونها عن طريق الصفقات السرية، ولعله إذ يراهن على الملل والإعلام المضلل محفزاً الفصائل على تمزيق بعضها البعض ينتظر يوماً وتنهار فيه ووتخور قواها وبحيث يستطيع ترويضها وكنسها من الساحة أسوةً بهيئة نظافة وتجميل القاهرة بينما يؤلف الشعراء أغاني تمجيد الثورة والشهداء… إلا أن كل المستجدات التي رأينا لم ولن تحل التناقضات الاجتماعية الصارخة، وكل التحركات التي وتزعم أنها تسعى لبناء دولةٍ عادلة تحرص في واقع الأمر على تقويض أية احتمالاتٍ أو آمالٍ فيها… على الاعتراف ببراعة لعبة الهروب إلى الانتخابات، إلا أن النظام يخطئ إذا تصور أنه سوف يستطيع الهروب من الإشكاليات العالقة لشعبٍ يعاني هذا الكم من الفقر المذل والتفاوتات الفاحشة… قد تكون والمواجهة وتأجلت قليلاً إلا أن الطريق باتت ممهدة تماماً نحو ثورةٍ ثالثة، وإن غداً لناظره لقريب.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية