هدية الأيوبيفي عز الربيع العربي وانشغال الشوارع العربية بثوراتها، اندلعت ثورة من نوع آخر، أضفت على المشهد لوناً مختلفاً، حين خرجت علياء المهدي عن السياق ونشرت صورها العارية. وقامت الدنيا ولم تقعد.
في الوقت الذي تتهافت الانتقادات والرفض والهجوم إلى حد المطالبة بإقامة الحد على علياء بسبب (جريمتها) حسب وجهة نظرهم إلا أن الملايين تتسارع لمشاهدة صفحتها لدرجة ان صفحتها حققت الرقم القياسي من حيث عدد المشاهدات. بجهد شخصي قمت بمتابعة زيارات الصفحة خلال 48 ساعة وكانت المفاجئة: أكثر من 860 ألف زيارة خلال 48 ساعة، أي 430 ألف زيارة باليوم الواحد، أي 5 زيارات كل ثانية… في حين لا يبلغ عدد زوار أي موقع ثقافي سوى المئات في الشهر! ألا يعبر هذا عن شيزوفرانية مجتمعية؟
؟ إذا كنتم ترفضون هذه (الجريمة) فلماذا هذا التهافت على مشاهدتها؟
؟ ؟
؟ فعلا مجتمع مريض، شبق جنسيا، محجب بحجاب العفة الزائفة.
المرأة المُتحررة المدافعة الشرسة عن نسويّتها، هل لاحظ المليون زائر لصفحتها مسحة الحزن في عينيها بعد أن افترسوا جسدها بأعينهم وألسنتهم؟
إن المتأمل في عيني علياء جيدا يدرك أن عريها ليس سلعة مجانية بل لديها رسالة تريد أن توصلها للعالم. رسالة مكتوبة بدموع النساء ودمائهن الجارية على مر العصور. من خلال النص الذي نشرته علياء في مدونتها دفاعا عن فكرة العري، ندرك أنها لم تقصد التحدي لمجرد التحدي بل أرادت أن توصل رسالة واضحة من خلال صورها العارية:’لا يرون في الأنثى إلا أداة لمتعتهم المريضة وينشأوها (أو يهدموها) منذ الصغر على هذا الأساس!!’. إذن، صور علياء العارية لم تكن مجرد لعبة في ذهنها أو نزوة في نفسها ولكن نفذتها بهدوء وببراءة الأطفال. ربما لم تكن علياء تدري إلى أين ستصل ولم تتوقع أنها ستصبح حديث العالم. اللافت أن علياء، على الفايسبوك، أضافت إلى اسمها الحقيقي لقب لوليتا تيمنا برواية نابوكوف الشهيرة. إضافة إلى صفحتها الشخصية الأولى، فتحت علياء صفحة ثانية على الفايسبوك بعنوان: ‘مذكرات ثائرة: علياء ماجدة المهدي’. ما لاحظته أن صفحة علياء المهدي على الفايسبوك قد صارت مرآة لتوجهها إلى فضاء للتعبير عن إيمانها بحرية الأنثى. كما أنها تتابع بانتباه إحداثيات الثورة المصرية. كما تحولت إلى قبلة أنظار المستنكرين والمؤيدين لعريها من كافة أنحاء العالم. فالمستهجنون العرب ينهالون بالشتائم والوعيد والتخويف. المؤيدون يباركون خطوتها وخاصة الغربيون. وثمة فئة قد لا توافق علياء ولكنها تعتبر أنها لم ترتكب جريمة ولم تسىء لأحد ويعترفون بحقها وبحريتها. لكن، أليست علياء امرأة صادقة رفضت أن تقلد بعض النساء اللواتي يرتدين قناع الحشمة بينما في الكواليس يمارسن ما يرفضه المجتمع في العلن؟ ألا تعاني الكثيرات من النساء العربيات من الازدواجية في شخصيتهن، بسبب ‘الأنا’ الاجتماعية وسياط التشهير والقتل باسم الشرف، فيظهرن بمظهر العفيفات البريئات، ولكن في خلفية المشهد يمتعن أجسادهن المحترقة في ليالي الحرمان؟ أليس هناك خيانات زوجية في العالم العربي؟ الخيانة جريمة لا تغتفر لأنها دليل أننا لا نستحق الحرية ولا ثقة الآخرين بنا. الخيانة مؤذية بل مدمرة للطرفين بينما ما فعلته علياء لا يؤذي الآخرين.
السلعة الحقيقية هي المرأة الخاضعة، العورة والانحراف الأخلاقي الحقيقي هو العنف المكرس ضد المرأة بنصوص تشريعية، هو جرح كرامة الزوجة وإهانتها لفظا وفعلا واغتصابها وإكراهها على ما لا تحبه واستنفاد طاقاتها الابداعية والجسدية باسم الزواج والأسرة، هو التحرش بالنساء وأذيتهن لفظا وفعلا، هو جرائم الشرف وتزويج الصغيرات وغيرها من انحرافات تزخر بها المجتمعات الشرقية.
ليست علياء أول عربية تعرت دفاعا عن مبدأ. عام 2005 خلعت الفنانة التشكيلية السورية هالة الفيصل ثيابها كلها في ساحة ‘واشنطن سكوير بارك’ ووقفت عارية تماما أمام وسائل الإعلام والسائحين وكتبت على ظهرها باللون الأحمر عبارات تطالب بإيقاف الحرب في العراق وفلسطين. لكن علياء أول من تعرى في العالم العربي. وبعد صور علياء جاء حدث مشابه في أوكرانيا: لم تجد مجموعة من الجميلات من أعضاء منظمة ‘فيمين’ الأوكرانية طريقة للاحتفال باستقالة سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء إيطاليا من منصبه أفضل من الكشف عن صدورهن.
وذكرت صحيفة ‘ليبراسيون’ الفرنسية أن ست فتيات من أعضاء منظمة ‘فيمين’ المدافعة عن حقوق المرأة في أوكرانيا قمن بمحاصرة سفارة إيطاليا بكييف وبدأن في الكشف عن صدورهن للتعبير عن سعادتهن باستقالة سيلفيو برلسكوني المتهم بتحقير المرأة بسبب علاقاته النسائية المتعددة. ورفعت هؤلاء الفتيات عاريات الصدر لافتات كتبن عليها ‘رحل زيرالنساء.. رحل من يتخذ المرأة سلعة يشتريها بنقوده’.’الحب، الحياة، المتعة، والـحـرّيـة’ هو عنوان ألبوم الصور الذي يتضمن لحظاتها الحميمة مع شريكها كريم عامر. أربع كلمات هي حلم كل إنسان في الوجود.
أراهن أن كل أنثى تتمنى أن تصرّح باسم حبيبها وأن تقبّله وأن تضمه أمام العالمين. قليلات هن النساء اللواتي يجرؤن على تنفيذ أحلامهن ورغباتهن تحت الشمس، غير آبهات ببعبع القال والقيل والفضيلة. نادرات النساء اللواتي يتمرّدن على رهاب عود الكبريت الذي لا يولع سوى مرة واحدة، مع أنه علميا يمكن أن يولع مرات ومرات ويولع معه العالم.
بعض المعلقين على صفحة علياء يعتبرها رمزا للحرية والتحرر.
لنختلف معها ولكن لنعترف بحقها وبحريتها! دون هذا لا نستطيع ولوج فضاء الحرية! وهو فضاء رحب ويكون موجعا ومؤلما في بدايته لكنه الطريق الوحيد لإطلاق طاقات الشباب وإبداعاتهم!! لقد فاتنا الكثير.
ولا يجب أن نظن أن الحرية فردوس ناجز! ونحن نؤسس للحرية انطلاقا من عقود من الكبت والقمع والاضطهاد. سنرى الكثير من الهفوات والأخطاء في البداية! وبعد قليل سيعاد ترتيب مسارب الحياة وتوجهاتها وتصل السفينة إلى بر الأمان. المهم أن نثق بأنفسنا وقدراتنا على المشاركة في إضاءة المشهد حتى لو لم نكن راضين تماما عن كل السيرورة. والأهم أن نثق بحق الشباب في التغيير والمساهمة في التأثير والتعبير لأنهم أبناء المستقبل.
علياء المهدي دخلت التاريخ من أضيق وأبسط أبوابه: الجسد العاري.
فهل سيجيء يوم ويعترف المتجردون من حجاب العقل أن علياء المهدي رائدة النسوية العربية المعاصرة؟ الربيع والحرية والبراءة، حتى لو كانت عارية، حتماً ستنتصر لأنها الأصدق والأجمل.*كاتبة ومترجمة لبنانية مقيمة في باريس