محمّد صالح مجيّد وَقَر في عُرْف كثير من سياسييّ أمّة العرب العاطفيّة، أنّ السّجن هو رمز للبطولة والفداء، والمُسْبِغُ الأوحد لِنِعَمِ الشرعيّة النضاليّة على كلّ مَنْ عاش ظلامه. حتّى أنّ النّضال عند عرب الربع الخالي والرّعب عالي الجودة، لا يُقاس إلّا بعدد سنوات السجن وأيّامه المظلمة. وتأبى الذاكرة الشرقية إلا أن ترسم حكايات وأساطير عن هؤلاء الأبطال القادمين من السجون ليملأوا الأرض عدلا بعد فسادها. وكَمْ خـــاب أمل كثير من العاطفيين عندما رأوا سجين الأمـس يتحوّل بسرعة إلى سجان الحاضر والمستقبل. لكن عبر التاريخ لا تستقرّ وشما إلا في ذاكرة أقليّة. ولقد تآلبت على ‘تونس’ قديما وحديثا عوامل تاريخيّة قاسية قضت بأن يتعاورها طغاة وظالمون استعذبوا رحيقها، واستمرؤوا تسامح أهلها، وطيبتهم الساذجة. وحكمت قوانينها الجائرة بأن ينجم في كلّ عصر من تاريخ هذه البلاد المتطاولة تاريخا رغم ضيق جغرافيتها، ‘ديكتاتور’يسرق من عمرها سنينا ويذهب مدحورا ليعقبه آخر. والجامع بين سلسلة الطغاة أنّهم يصلون إلى الكرسيّ مساكين وينتهون عتاة من كبار القتلة والمجرمين. ‘مراد الثالث’ كان أحد هؤلاء. عُرِف بمراد ‘بوبالة’ اعتلى عرش الحكم وهو يحمل على عينيه آثار معاناته من ظلم عمّه الذي أراد أن يقطع عليه طريق الخلافة. انطلق في مسلسل انتقام تحوّل فيه من ضحيّة إلى جلّاد. وحمل سيفه ‘البالة’ وأعمله في رقاب كلّ من اشتمّ منه رائحة الرفض. ومع كلّ قتيل جديد كان يصيح’البالة جاعت’!! في إشارة إلى أعوانه كي يقدّموا له قرابين بشريّة جديدة لقد طاش انتقامه الجميع. وشغله تسلّيه، وتمتّعه بالقصاص من أعدائه عن ممارسة الحكم والاهتمام بشؤون الرعيّة. وانتهى مطعونا مقتولا وذاق الكأس التي أذاقها للآخرين. ومن ثقب التاريخ نفسه قدم ‘بورقيبة’ بعد قرنيْن. وتدرّج في الحكم بدموعه وسجنه ومنفاه. وظلّ ـ طيلة سني حكمه- يردّد حكايات وأساطير عما تعرّض له من ظلم وتعذيب على يد جلاده المستعمر. وما أن استقرّ له الأمر، وأذعنت له الرّقاب، حتى تحوّل إلى جلاد حمل رفاقه في الكفاح إلى الأقبية، وانتقم من كثير منهم، وهجّر ونفى. وهكذا حوّل السجن إلى’حجة’تبرّر جبروته، وحصانة شرعيّة تبيح له أن يبكي، وأن يغضب، وأن يأتي بقوانين على مزاجه. على أنّ ما يسجّل للرجل أنّه لم يكن جاهلا جهولا. وهو ما انعكس إيجابا على التعليم والثقافة والصحة… وفي تونس اليوم الخارجة للتوّ من متاهة حكم ‘بن علي’، قالت الصناديق كلمتها. وفازت حركة ‘النهضة’ بأكبر عدد من المقاعد دون أن تحصل على الأغلبيّة. وهي تستعدّ لتكون حزبا حاكما يمسك بتلابيب حقائب ‘الداخليّة’ والخارجيّة’ و’العدل’ و’التعليم’ المثقلة بالمشاكل والملفّات. ولا شكّ في أنّ ما تعرّض له زعماء هذه الحركة وأنصارها من ظلم ونفي وقتل، قد ساهم في التأثير على اختيارات الناخبين الفارّين بأصواتهم من جحيم الديكتاتوريّة إلى قادم يحملونه كلّ انتظار اتهم، ويأملون أن يملأ البلاد عدلا بعد أن مُلِئت جَوْرا وفسادا. ومن الضروريّ الإشارة، في هذا الظرف الدقيق الذي تمرّ به البلاد، إلى أنّ النوايا الطيبة وحدها لا تصنع اقتصادا قويّا، ولا تبدّد كلّ المخاوف التي تحوّلت إلى خبز يوميّ مرّ عند المواطن. نَعَمْ النهضة تعرّضت إلى تعذيب ممنهج، ومحاولة اجتثاث قادها نظام ‘بن علي’. لكن الشاب الذي خرج ثائرا لا يعرف عن هذه المعاناة إلا النزر القليل. وهي عنده ليست أكثر من قصّة تاريخيّة رأى بعضا من فصولها في الكتب التي درسها. وهو يريد أن يبني حاضره ومستقبله ببرامح واقعيّة بعد أن سئم البكاء على الأطلال والتذكير بسنوات الجمر والمعاناة. ولا يمكن لعاقل أن يقبل بأن يكون عدد سنوات السجن عاملا محدّدا في توزيع ‘الغنائم’ الوزاريّة. لأنّ في هذا ابتعادا عن الطريق الأسلم للخروج بالبلاد من الوضع المأسوي الذي تعيشه. إنّ تاريخ الحركة المليء بالمآسي والسجون لا يجب أن يتحوّل إلى برنامج عمل للحكومة. . تلك مرحلة تاريخية مرّت بأحزانها، وصفحة طويت. وها هو التاريخ يمنح مَنْ عانى فرصة أن يرفع شعار ‘لا ظلم بعد اليوم’، وأن يحوّله إلى حقيقة يكفلها الدستور المُتنازًع على فصوله. ولعلّ تحقيق هذا الشعار يمرّ عبر تجنّب بعض التراكيب العجيبة عند صياغة فصول الدستور. فمن فكّر في عبارة’باقتراح من رئيس الحكومة وموافقته’ عليه أن يعدّل عقاربه الدستوريّة، وألا يتمادى في الاستخفاف بالعقول. وإذا كانت عِبَر التاريخ تؤكّد أنّه ما مِنْ سجين وصل إلى السلطة إلّا وتحوّل إلى سجّان يأتي ما كان ينهى عنه، فإنّ على ‘النهضة’-باعتبارها حزبا حاكما- أن تسفّه هذه القاعدة التاريخيّة حتى تجنّب البلاد والعباد ما نبّه إليه ‘الجواهري’ منذ قرن عندما قال:
وماذا غيّرت نظم وهذيحياتك جلّ ما فيها شقاء جَهِلْنا ما يُراد بنا فقلنانواميس يدبّرها الخفاء’ كاتب تونسي