بلد في مهب الريح…

حجم الخط
0

يشهد العراق هذه الايام مخاضا عسيرا قد يؤدي الى قلب التوازنات الجيوبوليتكية في المنطقة ككل، فسيطرة قوات دولة العراق الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتشكيلات للثوار من ابناء العشائر في المناطق الغربية والشمالية الغربية على محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين وجزء مهم من ديالى ليس بالحادث العابر ولا العملية العشوائية. فبعد اندلاع المواجهات في الانبار وتثبيت جزء مهم من قوات الحكومة العراقية في جبهات الفلوجة والرمادي (عاصمة الأنبار) لمدة ستة أشهر، أخذ الثوار زمام المبادرة فتحركوا نحو جبهات رخوة وبعيدة نوعا ما عن مراكز القيادة والسيطرة والامداد للقوات الحكومية، فتمت السيطرة بشكل سلس على محافظة نينوى ومدينة الموصل، واتخاذها قاعدة للانطلاق في اتجاه عدة محاور رئيسية: محور ديالى لتأمين الجناح الايسر للثوار من اي تدخل ايراني والاطباق على مدينة الثورة (الصدر) ببغداد. محور كركوك لتأمين ظهر القوات المتجهة الى ديالى. محور صلاح الدين ،وهوالمحور الرئيسي للتقدم نحو بغداد من جهة التاجي. محور الانبار للتقدم نحو ابو غريب ومطار بغداد. وبهذا تكون أطراف الكماشة قد اطبقت على العاصمة العراقية.
خلقت هذه الاحداث بلبلة شديدة في دوائر صنع القرار الغربي، فتصريحات القادة الاطلسيين وعلى رأسهم أوباما توضح بجلاء أن ما قام به ثوار العراق خلط اوراق خطط برنارد لويس والمحافظين الجدد، التي تم اعتمادها من طرف الكونغرس الامريكي في بداية ثمانينيات القرن الماضي، الداعية الى بلقنة العالم العربي تمهيدا لإنشاء اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل. كما لخبطت المشروع الايراني في المنطقة العربية، والمتمركز حول نظرية «ام القرى» للبرفسور في جامعة طهران محمد جواد لاريجاني، ومفادها نشر التشيع الصفوي، بين العرب تمهيدا للسيطرة الايرانية على المنطقة وتحويل مراكز الثقل الروحي من مكة والمدينة الى قم وكربلاء أو النجف.
ولعل تصريحات الرئيس الايراني روحاني أبلغ دليل على الضربة المؤلمة التي اصابت هذا المشروع، فقد دعا الرجل الى التحالف العسكري مع الشيطان الاكبر «الولايات المتحدة» ومن أجل وقف تقدم الثوار العرب نحو عاصمة الرشيد. وهو ما يؤكد بالملموس أن للمشروعين نقاط تلاق عديدة تنفي العداء التام المستشف من التصريحات الشعبوية للمسؤولين الايرانيين وحلفائهم في المنطقة.
إن السياسات الحكومية غير المتوازنة، بل المتسمة بالتحيز في أغلب الأحيان لمكون إثني واحد في العراق. وكانت دعوات المصالحة الوطنية بين فئات المجتمع التي كانت ترددها الأجهزة الحكومية والمسؤولون الرسميون العراقيون لم تجد تطبيقا جادا وواقعيا لها خلق إمكانية التمرد الذي نشهده اليوم بعد أكثر من عشر سنوات من الانتظار والمشاركة النسبية في إدارة الدولة. لقد تبددت صيحات المصالحة الوطنية في وديان التحيز والتخندق الطائفي ما يضع العراق حاليا في مهب الريح.
العراق مهد الحضارة وجمجمة العرب فهل يكون تململه نقطة انعطاف نحو استرجاع كرامة الامة والانعتاق من اغلال الذل والهوان التي قيدت الامة طيلة قرن من الانتكاسات والهزائم؟
العربي السعدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية