سرديَّة التاريخ وشعريَّة الثورة

حجم الخط
0

مهدي نصير ربَّما كان من انجازات التحوَّلات الكبرى في الشعرية العربية المعاصرة ومن بينها قصيدة النثر العربية سواء تم ذلك بوعي تنظيري أو بعفويَّة فرضها الواقع التاريخي للشعرية العربية هي أنها أعادت الشعر إلى سياق السرد التاريخي، إلى حاضنته التي ينمو بها ويتنفس منها ويغرف من مائها، ينبتُ في تربتها ثم يتمرَّد عليها ليعودَ وينغرس في تربتها ثانيةً بطفرةٍ جديدة وإيقاعاتٍ ولغةٍ نمَّاها بيديه في تربة السرد والتاريخ الطريَّة والشرسة والطازجة.

الشعر ينمو في التاريخ وفي اللغة اليومية والأحداث اليومية والأجساد الحية اليومية التي تتحرَّك في فضاء وسرد ونثر الحياة والتاريخ، فالسردُ ماءٌ يرَّوي هذه النبتة العاصية والباحثة دائماً عن أفقٍ آخرَ لتدفُّقِ هذا النهر اليومي للتاريخ، يبحث عن شكلٍ آخرَ لماءِ النهرِ وعن مجرى آخر وعن موجاتٍ أُخرى وشلاَّلاتٍ أُخرى، يبحثُ عن موسيقى خَفيَّة وخافتة يُخفيها صخبُ السردِ اليومي للتاريخ.

من هنا يمكن استيعاب ‘العزل’ الذي تمَّ في تاريخ الشعرية العربية بين طقوسية الشعر ونخبويته اللغوية والإيقاعية وبين عفويَّة السرد وعضويته الفاعلة في اللغة الفعلية الحية وإيقاعاتها الطازجة والمتغيرَّة والمتحرِّكة.

وعبر تاريخ هذه الشعريَّة تمَّ إقامة جدران فاصلة وعالية وعازلة بين سرديَّة التاريخ والحياة وبين نخبويَّة الشعر المتعالية، مما أفقد الشِّعر جذوره الحيَّة وأنساغهُ ومادته التي تمنحه الحيويَّة والحياة، فتحجَّر وانعزلَ وكوَّن عالَماً طوباويَّاً جامداً مُتعالي ويتناسل كالأصنام. الشِّعر ثورة على السَّرد وليس قطيعةً معه ومحاولة لقيادته إلى مناخاته العالية والثوريَّة والقاسية وربَّما غير المُمكنة وليس ابتعاداً عن ضجيجه أو تخلي عنه، هو ثورة على الحاضنة المُستسلمة لنزقِ التاريخ اليومي المُكرَّر والقاتل والمُضجر، هذه الحاضنة التي تمنحهُ أدواته الخام الجديدة والطازجة والمغمَّسة بطين اليومي اللزج، هذه الأدوات التي راح يعبث بها ويُفكِّكُها ويحاول أن يُعيدَ تركيبها لصنعِ عالمٍ أجمل وخلْقِ نسقٍ مختلف عن نسقها اليومي السائد.

لذلك فبروز السَّرد في القصيدة الحداثيَّة هو نوع من عودة الابن الضال إلى أمِّه وعودة الشِّعر إلى جذوره الأصيلة وارتباطه العضوي في سرديَّة الحياة والتاريخ وحركتهما. ومن منطق التاريخ أن لا لشيءٍ أن يتطوَّر في الحياة والتاريخ خارج رَحِم التاريخ وخارج سرديَّتهِ اليوميَّة الشعبيَّة حيناً والفنتازيَّة حيناً والمجنونة حيناً والثوريَّة حيناً و(الشعريَّة) المتخفيَّة كخيطِ ماءٍ دقيقٍ، كموسيقى خافتة، كوردٍ، كنصرٍ، كحُبٍ، كحنان، كحزنٍ نبيل، كتضحية، كغناءٍ يملأ الوديان مع رِعيانٍ صغارٍ، كشتاءٍ زاخر وموقد نارٍ دافيءٍ، كموتٍ، كولادة.. هذه السرديَّات اليومية هي مادة الشِّعر وروحه وهي مُنبثَّة في حنايا السَّرد كانبثاث الألوان في خيوط النسيج.

القصيدة الحقيقيَّة إذن هي عودة الشِّعر من لازمنيته المُفترضة إلى تاريخيَّتهِ وسرديَّتهِ وسياقاتهِ وأيتامهِ وآبائه الذين من طينٍ وسَردٍ وتاريخٍ.

كانت تلك المقولة المُضلِّلة عن لازمنية ولاتاريخيَّة الشِّعر جداراً تمَّ تدشينه بتواطؤات أيديولوجية وشخصية وتاريخية وربَّما أيضاً بمشاركة قسوة التاريخ وقسوة السرد اليومي مما دفع هذا الكائن الهَش والرَّقيق والغريب إلى التَّحصُّن بجدرانٍ عالية حجزت عنه نبع التاريخ وحجَّرته بأبَّهةٍ شكلية وأفرغته من حيويَّته ودوره وحياته كمكوِّن من مكوِّنات سرد الحياة والتاريخ وليس كائناً منعزلاً في صوامعه الحجريَّة.

وعلينا أن نلاحظ أن الشُّعراء الكِبار عبر التاريخ استطاعوا أن يخترقوا هذه الجدران وبدرجات متفاوتة ونهلوا من سرديَّة التاريخ والحياة وغذُّوا شعريَّتهم بحليب التاريخ الحقيقي وإن كان مُعكَّرا ويشوبه طين المَرعى والضُّروع.

ولكن المشكلة الحقيقيَّة ليست في الشُّعراء الكبار بل في الزَّخم الكبير من الشُّعراء في كل جيل والذين يمثِّلون الجسم الكبير للشعر المعزول عن حركيَّة السرد والتاريخ والحبيس في قوالب لغوية وإيقاعية عاشت خلف الجدران كلغة ورؤى وإيقاعات وعاشت في السَّرد الفعلي للتاريخ دون محاولة تفكيكه وتغييره أو النهل منه ليُغذِّي لغتها القابعة خلف الجدران.

الشِّعر في جوهرهِ كتلة متحرِّكة من سرديَّةِ التاريخ تلتقط كل الأنساغ الجميلة والإنسانية والعالية في هذا النهر الجارف وتكوِّنُ منها عالَماً متغيِّراً ومُتجدِّداً وقَلِقاً وباحثاً دائماً عن كَسر جمود وفجاجة وشراسة ولامنطقيَّة التاريخ.

ما حدث وما يحدث أن الشُّعراء الحقيقيين التقطوا هذه الأنساغ وجعلوها بئراً متحرِّكاً لشعريَّتهم وأقامَ من تبعهم عالماً معزولاً استند على العناصر التي التقطها هؤلاء الشعراء وراحوا يتغذُّون عليها ولم يذهبوا إلى البئر الحقيقيَّة فكانت أدواتهم تمتح من عناصر جميلة متكلسَّة وغير حيَّة وغير متحرِّكة وتركوا الأشياء الجميلة والأدوات الحيَّة والمياه العَذبة التي تنمو وتتحرك حولهم نَهباً لقسوة التاريخ.

هذا مأزق حقيقي من مآزق الشِّعرية والشِّعر والشُّعراء.

فالسَّردُ تاريخٌ متَّصل والشعر ثورة على هذا الاتصال وعلى قسوته وشراسته وبلاهته وضجره وفجاجته وسلطته الطاغية والشِّعر محاولة لكسر هذا الاتصال القسري عَبْرَ تفكيكه وإعادة تركيبه، السَّرد أيضاً نهرٌ جارف والشعر سدود وأقنية وطواحين وتُرع تعمل على وقف وإعادة توجيه وضبط هذا التيار العاتي. الحصن 25-11-2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية