يوسف شيخوبعد ستة عشر عاماً من الحرية، غير المشروعة، في ضواحي مدينة نابولي الإيطالية وأحيائها، ألقي القبض على زعيم شبكة (كامورا) الإيطالية ميكيليه زاغاريا، زعيم عائلة كاساليزي، الذي يعد من أكثر قادة عصابات الجريمة المنظمة المطلوبين في إيطاليا. وهو الأمر الذي عدته روما انجازاً كبيراً ومحطة هامة في محاربة الجريمة المنظمة، ما يعني أن اعتقال زاغاريا ليس إلا بمثابة قطع رأس عصابة ‘كاساليسي’ المعروفة في البلاد.
في الواقع، تورطت عائلة كاساليزي بجرائم القتل، والاتجار بالمخدرات والفساد، إذ وقع عدد ليس بالقليل من الأبرياء ضحايا رأس (كامورا) المعتقل حيالياً، وهو ما دفع برجل يدعى روبرتو سافيانو، إلى فضح أسرار (كامورا) النابوليتانية في كتاب؛ ليصف فيه، بالأسماء والأماكن، طرق عمليات التهريب والتزوير وتوزيع المخدرات، تصفية الخصوم والشركات والجهات المتعاونة والاستثمارات الدولية، من إيطاليا إلى فرنسا والصين وإلى ألمانيا وأوروبا، وحتى أمريكا، والعلاقات مع المافيا الروسية والرومانية والكولومبية.
وفي اعتبار أن كتاب الصحافي الإيطالي سافيانو، لم يخرج من أدبيات الوثيقة، فمن الطبيعي أن يلحقه شريك يدعى ماتيو جاروني؛ في إخراج فيلم يحمل عنوان الكتاب ذاته، ليشغل عدسته بأحداث ووقائع، وقفت على حقيقة ما يجري في نابولي. وهو ما عده بعض النقاد بمثابة انتحار في إيطاليا. فلا وجود للوجوه الحسنة والبريئة في الفيلم، الجميع في هذه الدوامة مجرم، فنقطة التركيز هي سلطة العصابة ونفوذها وممارسة أعمالها بدون حسيب ولا رقيب، حتى ان الدولة لا وجود لها إلا في لقطات نادرة تقوم، خلالها، بآلية محدودة المفعول في المنطقة. في الفيلم، العديد من مكبات النفايات، تسيطر عليها المافيا التي تتجاهل بدورها أنظمة السلامة العامة بهدف تحقيق الربح، وتقوم بنقل النفايات الصناعية وطرحها بصورة غير قانونية بنابولي وحولها. تتحرك (كامورا) بحرية، كما أنها تختفي بحرية، لها أذرع أخطبوطية تمتد إلى كل من أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تتاجر في كل شيء وتتوسع في كل المجالات. أياديها تمسك بالمخدرات، والألبسة، والنفايات، والهجرة غير الشرعية، وتجارة السلاح، وغيرها من الأنشطة المحظورة وغير المحظورة. المراهقون كان لهم نصيب في أحداث الفيلم كونهم من العناصر الأساسية المكونة لكينونة هذا النظام غير الشرعي، إذ يندمج المراهق بسهولة داخل هذا المستنقع.
يرى النقاد في عوامل نجاح العمل السينمائي اعتماده على رواية ناجحة أصلا، منحته دعاية ضخمة حتى قبل التفكير في إنتاجه، يضاف إليها جرأة المخرج وتحديه لإجرام (الكامورا) في نقل صور واقعية للفساد والجريمة المنظمة داخل وسطهم، ذلك إلى جانب اعتماده، أي الفيلم، على ممثلين، كانوا سابقا من أعضاء المافيا النابوليتانية، الأمر الذي زاد من واقعية الصورة، المعتمدة على القدرة الفنية والتقنية المستخدمة بطريقة خلاقة ومبدعة.
سافيانو، الذي تلقى رسائل تهديد، واضطرت وزارة الداخلية الإيطالية لوضع حراسة خاصة له. وصف كتابه من قبل جريدة ‘نيويورك تايمز’ بأفضل كتاب لعام 2007. ومازال الإقبال عليه شديدا، بعد ترجمته من الإيطالية إلى ما يزيد على 30 لغة. أما فيلم جاروني، الذي أدى دورالبطولة فيه الإيطالي سلفاتوري ابروتزيزيه، فقد فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان (كان) السينمائي فى الربيع الماضي.
بعد اعتقال زعيم (الكامورا)، يعتقد روبرتو سافيانو، أن وقوع زاغاريا في قبضة العدالة هو، أيضا، نتيجة للتغير الاجتماعي والسياسي الذي حدث في إيطاليا، بحيث يؤكد أن سقوط حكومة سلفيو برلسكوني وضعف سكرتيره السابق نقولا كيل كوسنتينو، هي عوامل قادت مجموعة كاملة من الوسط بالشعور بعدم الإفلات من العقاب، وبالتالي ضرورة التعاون مع العدالة. لأن مرجعياتهم السياسية بدأت بالتداعي، والكثير من الشركات التابعة للمافيا بدأت تخاف.
ولد سافيانو في بلدة (كازال ديل برينتشيبي) بنابولي، معقل آل كامورا، ما أتاح له التعرف عن قرب على الخيوط الخفية والممارسات اليومية لرجالاتها وتحركاتهم المشبوهة، مما منحه القدرة على كشفهم بدلائل وحجج من الصعب نفيها أو الطعن فيها، فلم يجدوا سبيلا آخر سوى الإعلان عن نيتهم تصفيته، مما اضطره إلى الاختفاء والعيش في مكان ما لم يفصح عنه، وقد قوبل هذا الإعلان بتنديدات شديدة اللهجة، من مختلف الجمعيات والشخصيات الحقوقية، التي تضامنت مع الكاتب وحقه في حرية التعبير.(Camorra) أي الحماية، تصنف من المافيات، عرفت بداياتها بمدينة بنابولي الايطالية في مطلع القرن التاسع عشر، ويعتقد ان جذورها تمتد إلى أقدم من ذلك. عرفها المؤرخ Marcco Monnier سنة 1863 بأنها ‘مؤسسة شعبية سرية هدفها النهائي إحداث الشر’.