في معنى الفقر

حجم الخط
0

‘ يولد الإنسان فقيرا ويموت فقيرا يتيقّن النهاية وأن الموت حق فلِم التفاخر بالمال والجاه والعنصر؟ إن ذلك يورث العداوة والمشاحنة ويؤدي إلى اللجاجة والشجار حيث يزعم قائله أنه أفضل من غيره وأرفع منزلة ممن دونه إنه الغيّ المخالف للأصول والقواعد والتكبّر الذي أخرج إبليس من جنة الرحمان وجُعل مصيره نارا تلظّى إنه الطغيان والتجبّر الذي لا يسلم منه لا الصغير ولا البريء فيسكن حضيض الهاوية.

الإنسان فقير لافتقاره إلى مولاه الذي أمدّه بالطعام والشراب والعلوم والمعارف ورزقه من فضله فنسي عطاءه وأن له خالقا ممجّدا وروبّا يحميه ويؤويه فكسر حاجز الأصول وتمرّد كاللئيم فكان منزله نار الجحيم يتقلب فيها غدوّا وآصالا بل زاده من عذاب الحريق لإنكاره الوجود وجحود النعمة فلا غرو أن يمسي ضعيفا مسكينا رغم عزته وبهرجه زاعما أن الدنيا ملك له فتطاول على أمر الإلوهية ونسي في بضع ثوان أن له ربّا مفتقر إليه فهل هو فرعون كل عصر وقارون كل قرن!! قم أيها الإنسان وارفس بقدميك وساوس الشيطان الرجيم المحروم من رحمة الرحمان الرحيم فهو قرين السوء والقائد إلى عذاب القوي العزيز قال تعالى: ‘وأُملي لهم إن كيدي متين’ (الأعراف/183( فيا لسخف ذلك الأعمى الضرير الذي يرى الباطل فيقول إنه هو الحق ويرى الأمل فيرفضه كمن يرفض ماء الفرات فيبدله بالمهل والزقزم هو أعمى الضمير والأعمى يسقط أول ما يمشي لذا كان لا هادي ولا مرشد له قال تعالى’ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا’ (الإسراء/72). الشيطان أضعف من الإنسان لأن الإنسان وازعه وحي ثابت في الضمير وسلاحه تعلّق بمولاه الذي لا يخيّب رجاه أمّا الشيطان فمَكْرُه في بعد العبد عن ملازمة ربه وخالقه وواهبه النعم جميعا سلاحه الغريزة التي تبرد بالذِكْر وتشتعل بالنظر والفكر فتؤدي إلى النكر والبعد وسلاحه الأوهام ووعوده الأحلام والأماني الضالة الدالة على الطامة الكبرى إنه الخناس الذي يخنس عند ذكر الله قال تعالى: ‘من شر الوسواس الخناس’ (سورة الناس). فهو في حضور دائم يستمر في فعله المشين ومحاولات الإضلال المذلة حتى يوقعه في المعصية إن استطاع لكن البار التقي عند الاغترار يتذكر فيعود إلى سبيل الحق وازعه كلام الله وقدوته خاتم الأنبياء قال تعالى: ‘إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا’ (الأعراف/201) فالمؤمن قوي بالإيمان وهذا هو خطوة كبيرة نحو الديان والضال يخبط خبط عشواء فيستوي في ظنه الحق والباطل والنور والهدى ومن وصل في لبه التسوية أو الاستواء فهو بعيد الرجاء لئيمالوفاء ومن تخطّى حدود الأصول ينتهي نحو الأفول ومن فوق الذُرى نحو النزول.

فاهرع إلى الكرع من مناهل الغفران فهي سبيل القصّاد وهي المنجاة من عمى البصر والبصيرة واعلم أن لك ربّا غفورا وأن النيران لا تطفئها إلا ينابيع الندم والدموع السواكب. إنك ولو بلغت الثريا تمرّدا فإن ساعة تذكر تزيل الحجب المتراكمة فيطفو الأمل على سطح الحياة ويفك لغز العبث الطائش والموبوء والتهارج المتعفّن إلى روائح العشق الجليّ والسرور الأبدي الحقيقي.

أخيرا العمر وإن طال فهو قصر والدرهم وإن كثر فهو في تضاؤل وإفلاس فلا تغفلنّ أنك أضعف المخلوقات وإن استجدّ بك نازع الافتخار بعقلك أو فكرك لأن الفقير محتاج إلى الله وكلنا مفتقرون إليه.

مالك بوديّة- المرسى – تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية