على هامش الاشراقات الخلابة للربيع العربي .. هل بإمكاننا هندسة حضارة كونية تصحح مسار التاريخ؟

حجم الخط
0

محمد المحسن بعد سقوط جدار برلين، وإنهيار الكتلة الإشتراكية بزعامة الإتحاد السوفياتي غدت الولايات المتحدة القوة التي لا يلوى لها ذراع على المستوى الكوني، ووعد الرئيس السابق جورج بوش (الأب) الإنسانية بنظام عالمي جديد تشرق فيه الشمس على الجميع، إلا أنّ العالم شهد الحروب الإقليمية والإضطراب والفوضى في أكثر من مكان.. عدا عن الأزمات الإقتصادية والمظاهرات المعادية للعولمة، وتصرّفت أمريكا تبعا لهذه التداعيات على أنّ العصر الأمريكي قد بدأ، فتجاهلت الأمم المتحدة وقلّصت دور مجلس الأمن الدولي، وأضعفت مركز الأمين العام، واستهانت بالمجموعات الدولية، وتحللت من إتفاقيات سبق الإلتزام بها، ولم تعط أي إهتمام حتى بحلفائها وأصدقائها.. هذا التعالي لم يكن فقط في شؤون الشرق الأوسط، بل في أهم الشؤون العالمية.. فقد أثارت أمريكا الروس بموقفها من جدار الصواريخ، وأغضبت حلفاءها من أوروبا واليابان وآسيا برفضها لإتفاقية كيوتو حول البيئة.. وأذهلت العالم بموقفها في مؤتمر دربان وانسحابها وحيدة مع إسرائيل.. أمريكا التي تباهت كثيرا بحق تقرير المصير، الديمقراطية والدّفاع عن حقوق الإنسان ولجت عصر الغطرسة متكئة على عكاز التهديد والوعيد ورافعة إصبع الإتهام في وجه كل من لا ينصاع لأوامرها، وهذا يعني في مجمله أنها تخلت عن مسؤوليتها وأصبحت طرفا ‘مشجعا’على رفض الشرعية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة ومبادئ التعاون الدولي.

ما أريد أن أقول؟

أردت القول أن أمريكا ما فتئت تعتمد إستراتيجية عدائية تجاه الأمة العربية ومشروع إنهاضها يرتكز بالأساس على عرقلة هذا المشروع والحيلولة دون نجاحه. وذلك كي تتمكّن من مواصلة السيطرة على ثروات المنطقة النفطية منها بخاصة، والتحكّم في موقعها الإستراتيجي وتوظيفه لصالحها، وقد إتخذت من الكيان الصهيوني ركيزة أساسية في هذه الإستراتيجية التي ورثتها عن بريطانيا وطوّرتها الأمر الذي حدا بها-وكما أوضح نعوم تشومسكي-إلى عرقلة كل محاولات التّسوية الخاصة بقضية فلسطين منذ عام 1967 حتى عام1993، تمكينا ‘لإسرائيل’ من إغتصاب الأراضي الفلسطينية المحتلة عام1967، وشجّعت بالتالي إقامة المستعمرات الصهيونية فيها وموّلتها، هذا في الوقت الذي تابعت فيه بريطانيا القيام بدورها المساند للسياسة الأمريكية المتكامل مع الدور الأمريكي الذي حدده تحالف الحليفين، سواء في مجلس الأمن، أو في الإتحاد الأوروبي بما يناسب أمريكا في مواجهة العراق.. ناهيك وأن حرب الخليج كانت الفرصة الذهبية أمام بريطانيا كي تعيد فيها إلى الأذهان خيارها المبدئي الأساسي الذي قامت به عام1945 وهي أن تتصرّف كحليف مخلص غير مشروط للولايات المتحدة، في كل الظروف والأحوال لا سيما وأنها تزعمت أمر إقامة الكيان الصهيوني الإستيطاني العنصري في فلسطين منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام1897مرورا بتصريح بلفورعام وطيلة إستعمارها لفلسطين تحت إسم الإنتداب حتى عام 1948.. نستنتج مما سبق أن الولايات المتحدة وصديقتها الحميمة – بريطانيا تستهدفان الأمة العربية بالعداء، وتعملان على مواجهة مشروع إنهاضها، وهما في هذه المرحلة من الصراع العربي- الصهيوني تحاربان بقوة سعيها لتحقيق هدف التحرير والإستقلال، وتتبنيان سياسة دعم الكيان الإسرائيلي قاعدة إستعمار إستيطاني عنصري لهما في المنطقة. وهما تحاربان بقوة نضالها لتحقيق هدف التوحيد في مستوياته المختلفة بين الدول العربية، كما أنهما تعملان على عرقلة النموّ في هذه الدول وفرض التبعية الإقتصادية عليها بأساليب مختلفة منها إغراقها في الديون. ومازالتا تتمسكان بمحاولة فرض نظام الشرق الأوسط على هذه الدول.

وإذن؟

عندما تكون الصّورة إذا على الشاكلة التي عليها الوضع العربي الراهن فلا يجوز لك أن تطلب من دولة عظمى أن تأخذ جانبك في صراع إستراتيجي مثل الصراع العربي الإسرائيلي. وفي السياق ذاته لا يجوز لك أن تنتظر من هذه الدولة أن تتخذ موقفا يتسم بالحياد والعدل. الدول ليست بطبيعتها محايدة، ولا يمكنها أن تكون إلا منحازة لمصالحها. وحيث أن الدّول العربية لم تتمكّن بعد من أن تخدم مصالحها هي حتى الآن، فإنها بطبائع الأمور ليست في وضع يسمح للآخرين بالإعتماد عليها في أمور وصراعات تمس مصالحهم بشكل مباشر.. ما العمل؟

لقد بات واضحا أن الولايات المتحدة تمارس هيمنة صارخة على المجتمع الدولي، وكثيرا ما يشكو شركاؤها الأوروبيون من ذلك دون أن يكون بإمكانهم تغيير هذا الواقع. ومن هنا فإنّ محاولات أمريكا فرض سياستها على العالم أدّت إلى توطيد أركان هيمنتها الدولية، ولكنها استثارت من ناحية ثانية ريب الدول الأخرى وتحفظات حتى حلفائها المعروفين وبخاصة أوروبا واليابان. وعليه فإن الدول العربية والإسلامية ومعها سائر الدول النامية مطالبة بأن تقف موقفا شجاعا في مواجهة الراهن والعودة إلى حكم الشرعية الدولية متمثلة في الأمم المتحدة. وهذا لا يكون إلا بإستمالة أوروبا وتحفيزها لإتخاذ موقف ضاغط في هذا الإتجاه، وكذلك الصين واليابان. وهنا أضيف: إن الأمّة العربية أمة غنية لشعوب فقيرة، وتصحيح هذه المعادلة يمكن أن يصبح النموذج لما يجب ان يكون العالم عليه لا سيما في ظل بعض الإشراقات الخلابة للمشهد العربي.. الأمة العربية والعالم الإسلامي هما في موقع مؤهّل للقيام بعملية التجيير بين عالمي الشمال والجنوب مما يؤدي بالضرورة إلى عالمية جديدة بدلا من العولمة العقيمة، بحيــــث يتمكّن الإنسان من إسترجاع محوريته وبالتالي حريته ومساواته وسعادته. هذا الدّور الحضاري للأمة العربية من شانه أن يتعدّى ما سمي بصراع الحضارات أو حوار الحضارات إلى تمكينه من هندسة الحضارة الكونية التي تتبلور فيها القيم الأساسية التي تميز الحضارة العربية الإسلامية..’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية