راجي بطحيش
يصل المرء إلى مكتبه (في حال كان مخلوقا مكتبيا كي لا نؤذي مشاعر أحد) ويشغل حاسوبه ثم يتجاهل كافة الملفات والرسائل والتنويهات المتعلقة بالعمل نفسه الذي يتقاضى عليه راتبا.. فيفتح حسابه (المفتوح على مصراعيه أصلا) في الفيسبوك ليستمتع بالروابط اليومية على الفيسبوك وغيره من مواقع اجتماعية انترنتية، كغيره من ملايين العرب أو حتى عشرات ملايين العرب بالصرعة الأخيرة التي تلخص عام 2011 أكثر الأعوام العربية غرائبية، وأعني هنا معارك الفضائيات ببث مباشر وخاصة في فضائيات مجهولة الأسم والعنوان لا يشاهدها أحدا. ولذلك نتابع المعارك على روابط صباحا ونتفاجأ بها لأننا ببساطة لم نشاهد المعركة حين حدوثها باستثناء تلك المعارك على الفضائيات الكبيرة والتي حدثت فعلا والتي تثبت أن الباب الذي فُتح على فوضى التعبير لن يتم إغلاقه بسهولة… وليس هذا هو الموضوع المقلق بحق ما يقلقني بالموضوع هو ذلك التكرار في سيناريوهات المعارك ‘يعني يا عمي وبالفلسطيني العامي والمشبرح: غيّروا بدلوا’ ليس من المعقول أن تكون المعركة على فضائية مصرية بنفس التسلسل كما على فضائية لبنانية أو أردنية أو قطرية. الشعب تعوّد على التغيير ويريده دائما وبإلحاح شديد… فالملاحظ وبشدة وكما تم تلخيصة في المعركة الأخيرة على الهواء في قناة ‘الفراعين’ المصرية الخاصة التي لا أعرف كيف أصفها فهي تجاوزت وصف ‘ما بعد الحداثة’ بكثير… بمراحل وقرون… ما علينا… الواضح بمعضلة المعارك الفضائية على الهواء مباشرة أنه يتم إخراجها بشكل سيء (نظرية المؤامرة) بحاجة إلى إبداع وابتكار لأفكار مشهدية جديدة فمثلا دائما ما يجلس معارض النظام السوري (على سبيل المثال) على يمين المقدم وبجانبه كرسي شاغر سنكتشف وظيفته لاحقا بينما يجلس مؤيد النظام السوري على يسار المقدم أو المقدمة وبجانبه كرسي شاغر سنكتشف أيضا وظيفته لاحقا… لا كؤوس ماء على الموائد أمام وسنكتشف السبب لذلك أيضا لاحقا… تبدأ الحلقة ويبدأ الصخب وحوار الطرشان الذي لا نميز منه شيئا يذكر.. ثم وفي خضام الزعيق المتبادل الذي لا تنتهكه سوى الفواصل ودعايات الشيبس ومشروبات الرجولة (الخالية من الكحول حاشا الله حيث أننا شعوب طاهرة وملتزمة أخلاقيا ولا تحتاج رجولتنا لفواحش تحركها)، يتسلل صوت أحد المتشارعين.. صوت بنبرة مغايرة يطلق العنان لبداية المعركة:
احترم نفسك، عميل مأجور مدسوس احترم إنت نفسك يا قاتل الأطفال.. إسا بقوملك يا إبن ال… انا ابن….. يا….. ثم نكتشف وظيفة الكرسي، إذ يتناولها أحد المتعاركين من قربه ويرفعها (عادة ما تكون خفيفة لتفي بالغرض) ويطلقها في فضاء الاستديو وعادة ما تقع في فجوة ما في الوسط، فينطلق المتعارك الآخر ويمسك في ‘خناق’ غريمه ويتراجع المقدم نحو أخشاب الديكور الخلفية الآخذة بالتساقط على رؤوس الجميع.. في حال كان المقدم إمرأة فهي تتراجع وتمسك خدودها ليتحقق حلم حياتها الرطب الذي طالما شكل وجدانها وخاصة وهي التي ترعرعت على أفلام العصر الذهبي للسينما المصرية حيث تجلس نجلاء فتحي أو ميرفت أمين في النادي تقرأ رواية حالمة لإحسان عبد القدوس يتقدم نحوها بعض بلطجية نظام توت عنخ آمون ويبدأون بمعاكستها فيأتي فارس الأحلام الذي يحمل معطيات جسدية معقولة وملامح رجولية غير واضحة المعالم ليتعارك مع بلطجية النادي وينتصر عليهم دفعا بقوة السيناريو… عودة إلى عصرنا الإنفجاري.. تقف المذيعة وقد تحققت أحلامها حيث يتعارك بلطجية النادي كي يحظوا بقلبها وهي تغرد من قلب المعركة: يا جماعة أرجوكم، أرجوكم… وذلك قبل أن تكتشف أن هؤلاء يتعاركون عبثا على امرأة اخرى تدعى ‘سوريا’ هكذا هو حظها مع الرجال هي التي ‘تتبهدل’ بينما تقطف الثمار نساء أخريات… أما لماذا لا يضعون كؤوسا من الماء أمام المتحدثين، ذلك واضح وضوح الشمس.. صاحب الفضائية لا يريد أن يندلق الماء على تجهيزاته التي لم يؤمنها لتتلف ويخرب بيته… يتوافد فجأة وبعد احتدام المعركة ودخولها مرحلة المعط ونتف الشوارب، الشباب من جميع الجهات لفض العراك ولكنني مجبر أن أعترف أن شكل وهندام الذكور المتربصين في الفضائيات من أجل العراك ليسوا بالمستوى اللائق وهم أشبه بقطاع الطرق والباعة المتجولين من كونهم موظفين في قناة فضائية ‘يا عمي ارفعوا المستوى شوي’ والغريب أن بعض هؤلاء الشبان يباشرون التحرك في أنحاء الاستديو وليس باتجاه المعركة بل بشكل يوحي بنيتهم نهب الاستديو وسرقة متعلقات المذيعة والضيوف.. وكل ذلك وكل ما سردت.. بينما أغفل المخرج أو عامل الكونترول وقف البث والخروج في فاصل.. أو أنه لم يغفل ذلك… يتوقف البث عادة بعد أن يمتلئ الاستوديو بالجيران وسكان البناية والفضوليين وباعة الفول والترمس واليانصيب ثم نخرج في فاصل.. وبعد العودة من الفاصل يعود كل شيء إلى سابق عهده وكأن معركة لم تحدث ومولد لم يتفاعل ببث مباشر.. بل يعود الذات الضيوف للجلوس بنفس الطريقة وهذه المرة مع كؤوس تمتلئ عن نصفها بسوائل توحي بالليمون… بالطبع فمن يريد خسارة فرصة ظهور على الإعلام والمزيد والمزيد من دقائق الإنكشاف الإعلامي، من أجل عيون ‘سوريا’؟ ولكن الابتكار الحقيقي بالفعل والذي سيشبع الخيالات المريبة لعشرات ملايين الرجال العرب هو عندما تتعارك إمرأتان على الهواء… ساعتها لن يباع الترمس فحسب بل ستشتعل الأراجيل.
البرنامج؟
شاهدت هذا الأسبوع أو بالأحرى في نهاية الأسبوع حلقة من برنامج ‘البرنامج؟’ الساخر لباسم يوسف والذي أنشأ باليوتيوب أثناء وفي أعقاب ثورة 25 يناير وبعدها قناة فضائية ‘أندرجراوند’ اشتهرت كثيرا وسرعان ما تمأسست وتحولت لبرنامج ‘البرنامج؟’ على قناة أون تي في.. لم أضحك منذ أشهر كما ضحكت خلال الحلقة الأخيرة من ‘البرنامج؟’ ونبع ذلك من عبقرية كتابة الحلقات وعدم الإستسهال والإرتجال اعتمادا على خفة دم المقدم فقط بل التجهيز والإعداد لكل كلمة وكل نكتة وكل موقف ضاحك والأهم من ذلك… وأقولها مرة أخرى.. الأهم من أي شيء وعنصر هو الفكر النقدي الأصيل الذي يوجه هذا العمل، حيث أنه ومع التزامه بالخط السياسي لقناته فهو يضرب عرض الحائط بكافة المحاذير أو توجيه الأسهم على فئة عن فئة أخرى.. يفعّل البرنامج وبشكل مركز وأنيق جدا نقدا كثيفا على الخطاب الإعلامي المكتوب والتلفزيوني- والذي يشكل بدوره جزءا كبيرا من خطاب الشارع دون استثناء جهات أو شخصيات أو مناطق محرمة سواء في المجلس العسكري أو الحكومة السابقة والحكومة الحالية إضافة إلى إعلام الدولة والإعلام الخاص وحتى جزء مما يقدم في القناة نفسها على أساس اعتبار الأمر بمثابة ‘نيران صديقة’ … يسخر ‘البرنامج؟’ من كل شيء ومن كل كلمة أو عبارة تعيسة لا يهم من يتفوه بها وذلك دون محاذير تذكر وبدون حسابات سوى ذلك الالتزام الفطري والطبيعي بدماء من سقطوا في الميدان.. أي ميدان.. ولكنني وبطبيعتي التشكيكية أخاف دائما على تجارب ‘الأندر جراوند’ من تمأسسها وتكاتبها مع الهيئات الربحية والتيارات المركزية.. أخاف عليها ان تفقد بعضا من براءة الاندفاع.. أو ربما اندفاع البراءة.
كاتب وقاص من فلسطين