لطيفة اغباريةعروس البقاع والكرمل ثمّة شيء ما يحدث خللا في قنوات البث الإذاعيّة العربيّة، التي نسمعها داخل الخط الأخضر، وتحديدا لهذه البلاد، مصر، الأردن، لبنان، وسورية، يوميّا، في الساعات المبكّرة. فجولتي الصباحية تتنقل بين هذه المحطات التي يصل بثها إلينا، وفي نهاية الشارع ذاته من شوارع ‘الكرمل’ المؤدي إلى جامعة حيفا، والذي تغيّر اسمه بالطبع لاسم عبري، لا تبقى من هذه القنوات التي تبدأ بالتشويش عليها الإذاعات العبريّة، سوى إذاعة لبنانية واحدة، غالبا ما تقوم ببث أغان للسيدة فيروز، وربما قوة ونقاء صوت فيروز أديّا لاختراق جبال ‘الكرمل’، فيزيد هذا ‘الكرمل’ رونقا واخضرارا. وهذه المرّة جاء الصوت الملائكي ‘يا جارة الوادي’ رائعة أحمد شوقي في تغزّله ب’زحلة’ عروس البقاع الخلاّبة، والتي سبقه جبران خليل في الافتتان بسحرها وجمالها، هذه اللوحة الرائعة على سفح جبل صنّين، فأتماهى بسحر صوت فيروز، وبسحر عروس الكرمل حيفا، وزرقة البحر الهادئ الذي يوحي بالسكينة والأمان، على الأقل من الخارج. لكن كعادتها، ودائما، تنجح مرافقتي في قطع حبال أوصالي مع المرتبطة مع فيروز، وتشوش أفكاري، سمعي، نظري، فلا جارة الوادي تطربني، وتبدأ بالظهور اللافتات العريضة المكتوبة باللغة العبرية التي تحوي إعلانات لبيع شقق سكنية فاخرة ما زالت طور وقيد الإنشاء لليهود في هذه المنطقة، عربيّة الأصل… ، فسرعان ما التفت بنظري للبحر، فتقطع عليّ هذا التماهي المُفتتن بجمال البحر، وتقول بغيظ ‘البحر لأصحابه’، ثم تصمت قليلا وتتابع:’باختصار أنا أكره بريطانيا سبب المصائب’. ففضّلت عدم الإجابة لأنني أكره التاريخ كلّه، لما يحمله من انكسارات وهزائم، وعند أول محاضرة جامعية فيه انهزمت بلا عودة! لصالح الأدب، العربيّ لعلّني أجد قليلا من الأنفة، العزّة والكبرياء، في أشعار المتنبي، أبو القاسم الشّابيّ، أحمد شوقي، عمر الفرا، محمد الماغوط، ففيها جرعات شفاء قليلة من النكبات والهزائم، وإن كنّا لا نتمنى على الله كالماغوط، ‘أن يبيد هذه الأمة’، لكن يجب أن نقدّس هذه الأشعار بكل الأحوال، ففيها ملح الحياة، وسر البقاء وسيرورة العالم الذي لا يسير بدون شعر، ‘ولا يمكن تخيّله بدون شِعر’، وهي حقيقة أثبتها الشاعر الأردني أمجد ناصر منذ سنوات.
امرؤ القيسثمّة مسلسل هزائم على ما يبدو أنّه لا ينتهي، يعكّر زرقة البحر، وخضرة الشجر، بل إن هذا المسلسل الذي سلب منك البحر والشجر، يريد أن يقلعك من جذورك. واعتقدت أنّ هذا اليوم أكثر ما يلائمني دراسته من جديد هو قصيدة كلاسيكيّة مطلعها الوقوف على الأطلال، يكون بطلها شاعرا عبقريا يتفوق بقدرته الشعرية على امرئ القيس، وذاق على جلده مرارة ولوعة ما ذاقه القيس، وتمنّى أن ينجلي الليل لحلكته وشدة اليأس الذي آل إليه ‘قيسنا’، كي يبدع لنا قصيدة ‘حديثة’ لها أوزان وقواف خاصّة، لا تُجسّد معاناة عاشق رحلت معشوقته عنه، مع قبيلتها بحثا عن مواطن الكلأ، ومنابع الماء. بل قصيدة انهزامية مطلعها الخيبة والهزيمة والأطلال… ، تثير مشاعرنا كالأطلال التي نسمعها عندما تغنيها كوكب الشرق أم كلثوم، ونسبق بها أول من سبق أبناء عصره في الندب والبكاء، وهو ‘القيس’…!’أم الحيران’ثمّة من قد يقول إنّه لما ذكرته سابقا، قد أصبحنا مستسلمين، وما علينا إلا الخنوع والرضوخ للواقع… ، لكن إذا كان الواقع بليله ونهاره قد ‘كُحلّت’ عيناه بحلكة ليل امرئ القيس، وهذا لم ينف بشهادة الشاعر أنّ نهاره أفضل من ليله، والذي تخلّت قبيلته في النهاية عن نصرته وزالت مملكة والده ‘كندة’ فمات ‘ذو القروح’ قبل أن يحقق حلمه في استعادتها’، وانطوى تاريخ حياته ومملكته قصة عتيقة في دفاتر التاريخ. لكن، هل ستضيع ‘مملكة’ البدو في النقب تدريجيا، ويستوطنها اليهود. إذ أنّ الحاضر الذي يجثم على صدورنا قد يكون أقوى من تاريخ الهزائم، وربما يضيف هزائم أخرى لا نتمناها.. ، فما هو مصير القرى البدوية في النقب المهددة بالهدم بحجة البناء غير المرّخص. ومنها أم الحيران’ التي تتبع لعشيرة أبو القيعان، والتي هدّدتها السلطات الإسرائيلية على مدار سنوات متواصلة بالهدم. لم يتخلّ المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر بالتخلي عن نصرة النقب بمن فيهم ‘أم حيران’ التي يبلغ عدد سكانها خمسة آلاف نسمة من طفل، شيخ، رجل، امرأة، فانطلقت أكثر من عشرة آلاف حنجرة غاضبة أمام مكتب رئيس الحكومة تعبيرا عن احتجاجهم ضد هذه السياسة المبرمجة، والتي ترمي لإقامة مستوطنة يهودية على أنقاضها باسم ‘حِيران’، إضافة لأوامر إخلاء المنازل التي تلّقاها أهالي ‘وادي النّعم’ أيضا، والتي يصل عدد مواطنيها إلى عشرة آلاف نسمة وكلّ من ‘أم الحيران’، و’وادي النّعم’ أصبحتا عرضة للهدم ولترحيل السكان منهما. فلماذا عندما نخرج ليوم ‘نُصرة’ تُكتب وتُفرض علينا نكبات وهزائم جديدة، ولماذا يجب أن ننسلخ في كل مرّة عن جلودنا وعن جذورنا، ولماذا يجب أن نعاني من سياسة التطهير العرقي؟ ففي يوم ‘النُصرة’ هذا تقر المحكمة الإسرائيلية بهدم 33 منزلا في أم الحيران، تمهيدا لإخلاء سكانها، ثم إقامة مستعمرة يهودية على أنقاضها. فهل يحقّ لأول رئيس حكومة إسرائيلي، دافيد بن غوريون، في تحقيق حلمه بالاستيلاء والاستيطان على أراضي النقب، بعد مرور أربعة عقود على رحيله، ولا يحق للبدوي الذي خلق ووُلد على أراضي هذه الرمال أن يبقى على أراضي قريته بحجة أنها قرية غير معترف بها، وهل تعتقدون أنه يكفي مطلع قصيدة كلاسيكية’ تحوي الأطلال، لشفاء الغليل ودمل جراح 500 ‘عاشق’ من طفل وعجوز وشيخ وامرأة، ولدوا على أرض ‘أمّ الحيران’، وهل تكفي معلّقة شعريّة بأكملها لتصف معاناة عشرة آلاف عاشق من مواطني ‘أمّ النّعم’، والذين يعيشون لحظات قاسية، ملؤها المرارة والمعاناة والخوف لما ما قد ستأتي به الأيام من خبايا وخفايا، فهل في الطريق ترحيل ونكبة جديدة، يضع السكان البدو أياديهم على قلوبهم، كلما تلقوا إخطارا وتهديدا جديدا بالهدم، ليس بإرادتهم بحثا عن الكلأ والماء، بل لاقتلاع جذورهم وتوطين مستعمرين جدد.(كاتبة وصحافية من فلسطين)[email protected]