جائزة أحسن إخراج بمهرجان مراكش السينمائي لفيلم ‘أعمال الرحمة السبعة’ : محمد بنعزيز عندما انتهى الفيلم وخرج المتفرجون كانت غيمة حزن تخيم على الكثيرين… في الفيلم مستوى شديد من العف، عنف مضمر تماما، باستثناء لقطتين قصيرتين، عنف اقتصادي ونفسي يدمر الشخصيات… لا طاقة لها على تحمل الخراب.. كان الفيلم عميقا في كآبته… وقد كان معديا لمشاهديه… كان ذاك فيلم ‘أعمال الرحمة السبعة’ للتوأمين جيانلوكا وماسيميليانو دي سيريو من إيطاليا. وهو الفيلم الأول للمخرجين الشابين، والثاني في المسابقة الرسمية بالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش. هذا فيلم تتلاءم فيه القصة والديكور الذي تصور فيه بشكل كبير. كأن القصة صممت بموهبة للمكان. لذا لم يحتج المخرج إلى حوار كثير ليفهم المتفرجين… كان السرد يجري بالكاميرا. تسعين في المائة من زمن الفيلم بلا حوار… لذا نتفرج بالعين لا بالأذن. فيلم يثبت أن وحدة الحدث والمكان والزمان ضرورية لنجاح الفيلم. لم تتخلص السينما بعد من أسس نظرية الأدب التي وضعها أرسطو.
نحن في مكان ما شمال إيطاليا، نتعرف صورة جديدة لأوروبا، عجزة ومرضى وجياع، أنطونيو عجوز يعمل في ظروف صعبة، يعاني من أزمة تنفس ويحرق إطارات السيارات… يتسمم كل يوم… لومينيطا مهاجرة من أوربا الشرقية تكتري سيارة لتنام فيها. وعليها أن تقوم بأشغال البيت لدى صاحب السيارة… هذه هي إيطاليا التي حكمها برلسكوني، وهو منشغل بالبوغا بوغا. بالماريخوانا والصبايا، بينما البلد يتجه للهاوية. بلد أفلس. في الفيلم أصداء بؤس إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية كما صورها فديريكو فيليني في ‘لاسترادا’ و’ليالي كابيريا’… تحلم لومينيطا بالخلاص، وهي مستعدة لأي شيء لتسوية وضعيتها. يعدها ممرض يعمل في قسم الجثث بالمستشفى بأن يبيعها وثائق الإقامة، يمنحها اسم جثة ‘كلاوديا’، تدخل المستشفى وتسرق أكل المرضى، تسرق كل ما تجده… تجد سروال مريض عجوز وتسرق النقود… كان ذاك هو أنطونيو… لا تقف الشابة العشرينية عند هذا الحد… تنتظر بصبر، عندما يغادر أنطونيو المستشفى تتبعه إلى بيته، هو أفضل منها، لديه سرير وسقف، وقد صار هذا أعز ما يطلب… تحتجزه وتسكن معه بشكل إجباري… قيدته ووضعته في زاوية. هذا ما يحصل لمن يستقبل الغرباء… كانت لومينيطا تتأمل العجوز ويظهر لها أن خصمها صورة أخرى لها… فهو ليس أقل بؤسا منها… وهذا ما قلل العدوانية بين الطرفين… ما أن تحل مشكل السكن حتى يتجلى عطشها للأمومة، تسرق طفلا لتربيه… لتبيعه أو لتقايض به وثائق الإقامة مع الممرض… مع الطفل رق قلبها فحررت العجوز… اقترب هو من الطفل الذي يبكي بخرقة… حنّ عليه فتوقف عن البكاء… فنشأت علاقة غير عدائية بين الشابة والعجوز… صارت ممرضته… في واحدة من أروع لقطات الفيلم، في الظلام يبكي الطفل بحرقة، ثم تدخل كرة الضوء الكادر، تعبر في الظلام أمامه يظهر وجه الطفل فيسكت وتفرح… كان كرة النيون في يد لومينيطا. كان للقطة دور في تبيان تعلم الشابة كيف تمارس أمومتها… الفيلم كله هكذا، صامت تقريبا، فيه أقل من صفحتين حوار، فيه صورة سينمائية شعرية، لكن المهم أنها صور تجمع بين الشاعرية والكفاءة السردية…. وهذا مستوى راقي من الإبداع، لا يتأتى إلى بالتفرغ والخلوة والبحث. مخرج يقضي عشر ساعات يوميا في المقهى يدردش لن يصنع هذه اللقطات الشعرية. ما علينا.
الصور الشعرية في الفيلم لا توقف السرد ولا تخفض التوتر بل تزيده. بخلاف أفلام كثيرة تتشاعر فتفقد خيط السرد والمتفرج معه. لنتابع. وأنا هنا أفصل للذين لن تتاح لهم فرصة مشاهدة الفيلم. أهل الطفل يبحثون عن لومينيطا… تتدحرج نحو الهاوية وتضيق حولها الحلقة… الخطر يقترب، يتهددها الانكشاف… يمنحها العجوز ثياب ابنته… وهكذا بعد كل فاجعة تأتي لمسة حنان تجدد الأمل في الحياة… فترتفع معنويات المتفرجين وهم يرون لقطات ترصد عمق العلاقات الإنسانية في قاع اليأس… بهذا البناء يكون للقطة أثر على الممثل والمتفرج… الأول يتعمق في أداء دوره والثاني يتواصل مع الفيلم بكل أحاسيسه. يتأثر فيفرح ويحزن تبعا لوضع البطل. وبذلك لا يخرج المتفرج من جو الفيلم. بل يخرج المتفرج من القاعة وتصاحبه الحالة النفسية التي ركبته أثناء المشاهدة. لماذا؟
لأن في الفيلم وحدة أسلوبية تخترقه من أوله لآخره. وحدة في السرد المتماسك بالصور. وحدة في ديكور الخراب الذي تتحرك فيه الشخصيات. والأهم وحدة نفسية، ففي كل اللقطات يظهر الفقر والفاجعة والمأزق الذي تعيشه الشخصيات. يظهر على الشاشة الكبيرة للعين بلا كلمات. والعين طريق الألم إلى القلب. قلب المتفرج. ناقد سينمائي من المغرب