الأحجية البيّاتية!

حجم الخط
0

خيري منصور

هذه ليست محاولة لانصاف شاعر لم يكن يشكو خلال حياته من الاهمال لكنه يتقلب في قبره لفرط النسيان او التناسي احيانا، فالبياتي خلال عقدين على الاقل من عمره الشعري تمتع بشهرة واسعة، وكانت الحرب الباردة في تلك الحقبة تتيح لشاعر عراقي مثله ان ينضوي في حاضنة اليسار حتى لو لم يكن ماركسيا. فالترجمات الاولى لأشعار البياتي كانت بدافع لا يخلو من التباس خصوصا في الفترة التي عاشها في موسكو والقاهرة في الفترة الناصرية، وحين اتذكر عدد الاطروحات الاكاديمية التي قدمت عن البياتي وشعره في العالم العربي اشعر بما يشبه الذهول، فهي بالعشرات ان لم تكن اكثر من ذلك. فأية ثقافة وأي نقد ذلك الذي يجعل شاعرا مثيرا لكل هذا الاهتمام اثناء حياته، ثم يصبح طي النسيان بعد بضعة اعوام من رحيله؟

فهل كان البياتي حارسا لنصوصه حيّا، ويسعى الى الترويج والتسويق حتى على المستوى النقدي، ام ان ما يقال عن كونه عدائيا ازاء ما يكتب ضده قد أفزع النقاد منه، قد تكون الاجابة على السؤال الاول واردة الى حدّ ما، لكن السؤال الثاني يضاعف من حيرتنا، فالرجل لم يعد حاضرا بحيث يفزع من يكتبون عنه ما لا يرضيه.

لقد رحل السياب الذي كان زميلا للبياتي في دار المعلمين ببغداد قبله بعدة عقود، لكنه بقي حاضرا وربما بشكل اكثر سطوعا مما كان عليه حيّا رغم ان بواكير الحداثة الشعرية كان للبياتي اسهام واضح فيها وربما اكثر من السياب في مراحله الاولى، وهذا ما دفع ناقدا مثل د. احسان عباس الى تأليف كتاب مكرس لتجربة البياتي الشعرية، فهو يراه قد اقترب من جماليات ومناخات الحداثة اكثر من سواه خصوصا في ديوانه الثاني ‘اباريق مهشمة’، وقد تكون احدى قصائده عن سوق شعبي، بما رشح من مفرداتها وصورها من المألوف واليومي ما هو اقرب بالفعل الى حساسية الحداثة، لكن البياتي كان مُكثرا وغير ميّال الى تحكيك شعره بلغة نقادنا القدامى، لهذا ما ان اصدر ديوانه الخامس حتى اصبح بحاجة الى اعادة نظر لفرز الشّعر عن شبه الشعر او اللاشعر احيانا. وهناك نقطة تحول في مسار الشاعر اراها من خلال الكتابة على الطين، لكن هذا الزخم الشعري سرعان ما خفّ منسوبه، وتورط البياتي بكتابة نصوص تجتذب نقادا وأكاديميين يحتكمون الى الايديولوجيا وعلى حساب الجماليات.* * * * * * * *قد يبدو العنوان الذي اخترته لهذه المقالة اقرب ما يسميه علي الشوك الاطروحة الفنتازية رغم التباعد بين المجالين، فالأحجية البياتية ليست من طراز احجية ابي الهول، او حتى الاحجيات الصوفية التي اقترب منها البياتي ولامسها وضمّخ بها لغته وقصائده، لكنه لم يضف تجليات لجوهرها، خصوصا الحلاج الذي رأى فيه الشاعر الصوفي الأقرب الى التاريخ والذي خلع الخرقة ونزل الى الناس ثم دفع الثمن عندما احرق ونثر رماده في سماء بغداد، ولم يكن البياتي وحده من نهل من هذا النّبع ولو الى حدّ ما، فعبد الصبور كتب مسرحية ‘مأساة الحلاج’ يعبر فيها عن انحيازه لهذه الصوفية ذات البعد التاريخي، ويشبه هذا التناول للصوفية ومناخاتها ومعجمها بما فعله السياب ازاء الاسطورة، فهو قارىء جيد لميثولوجيا الاغريق، واستفاد كثيرا من الفصل الذي ترجمه جبرا ابراهيم جبرا من كتاب ‘الغصن الذهبي’، وسيبقى استخدام السياب للاساطير مثارا لسجال حول نهجه في التناول وقدرته على اثراء الاسطورة او المراوحة في فضائها القديم.

الاحجية البياتية ليست حكرا على شاعر راحل، فثمة كتّاب وشعراء عرب شغلوا الناس في حياتهم وملأوا دنياهم ولو الى حين، لكن ما ان اسدل ستار الموت حتى بدأت تلك الاسماء تنطفىء، ليس لأن شحمها ورم بعبارة المتنبي، بل لأن هذا النمط النقدي والثقافي في التعامل مع الاحياء والموتى يخضع لمنظومة قيم ومفاهيم اقل ما يقال عنها انها برغماتية خصوصا في عالم كعالمنا تحولت فيه الثقافة في بعدها النقدي الى نمط انتاج، فإن كان البياتي ورما كله وليس شحما فقد غاب، لماذا اذن لا يعيد النقد النظر فيه خصوصا وان عشرات الاطروحات من شعره تبناها اكاديميون؟* * * * * * * *اذكر ان الصديق الراحل جبرا ابراهيم جبرا كتب دراسة مثيرة عن الجواهري بعد عقود من قراءته لشعره واعترف بأنه كان غير مكترث بهذا النمط الكلاسيكي من الشعر، ليتوصل اخيرا بأنه اعاد اكتشاف الجواهري واعرب بلا مواربة عن افتتانه بهذا الشعر.. لكن هذه المحاولة بمعزل عن رأينا فيها نادرة التكرار في النقد العربي، فنحن مثلا لم نقرأ محاولات تعيد النظر بخليل حاوي او عبد الصبور او حتى المتنبي قبل هؤلاء، وحين نقول ان هذا النقد داجن او كما وصفه غراهام هيو اشبه بالنحل الكسول الذي لا يجازف بالتحليق بعيدا بحثا عن رحيق بري، فنحن لا نضيف او نحذف من حقيقة هذا النقد والذي لم يكن خارج سياق ثقافي وسياسي واجتماعي يسود فيه النفاق وتعقد فيه الصفقات، ولا ندري لماذا لا يبادر نقاد جدد بالربط بين بؤس النقد الأدبي في عالمنا العربي وبين بؤس النقد السياسي؟ خصوصا اذا كانت الامتثالية وروح القطعنة تشمل الاثنين معا..* * * * * * * * *عرفت البياتي زمنا طويلا بدءا من القاهرة وبغداد حتى عمان خلال فترة اقامته فيها، وكنت شديد الحذر في ابداء رأي بأي نص يكتبه لأنني جربت ان اكون صادقا مرتين في ابداء رأيي، وكانت الحصيلة ان الصديق كان يمتعض من ذلك ولا يخفي امتعاضه.

كانت المرة الاولى عندما قلت له بأن هناك عشرات العناوين لكتب شهيرة تتردد في نصوصه وحبّذا لو يكون حضورها شعريا بعد ذوبانها في النصّ، والمرة الثانية حين كتب نصّا عن بغداد كما لو انه طقس عزاء، فأنا اعرف ضيقه بها وكم كانت رغبته في مغادرتها، ليس لأنه يكرهها بل لأنها كما كان يردد ليست المدينة التي يُحب.. وحين رحل دُفن الى جوار المكان الذي طالما كتب عنه في دمشق.. رغم انه كتب قبل الرحيل بزمن طويل:

ايتها المدينة التي تعفّنت فيها لحوم الخيل والنساءبعيدة دمشققريبة دمشقمن يوقف النزيف في ذاكرة المحكوم بالاعدام قبل الشنق ان عوامل كثير تدفعني الى تسمية ما اشعر به الان ازاء البياتي احجية، فهو مثلا كان مفرطا في الشكوى من المنافي، لكنه يعشقها، وحين ذكرت له مقطعا من احدى قصائده هو:

تلعنين الموت سرا.. ثم جهرا تعشقينه قاطعني على الفور وهو يقول: عرفت ما تقصد اليه، فهل ألعن المنافي سرا وأعشقها جهرا؟* * * * * * * *قد لا يكون كل ما كتبه البياتي شعرا، لكنه كتب الكثير من الشعر، ومهمة النقد ليست الحكم بالجملة على هذا الشاعر او ذاك. لكن البياتي حسن الحظ في حياته أصبح سيىء الطالع في مماته، فالهجران النقدي هو في النهاية حكم بالجملة، وهذا بحد ذاته اعدام رمزي.

وحين التقيته لآخر مرة في القاهرة وكان قادما من دمشق وعائدا ليموت فيها، طلب مني ان نذهب الى مقهى اكسلسيور في شارع سليمان باشا رغم انه كان يدمن الجلوس اثناء وجوده في القاهرة لاجئا سياسيا في مقهى اسمه ‘لاباس’. على مائدة ظهر لحم خشبها تحت الجلد المتشقق، شرب قليلا من قهوته ثم نسيها تبرد، لآنه كان يغفو بشكل متقطع لأسباب على الارجح صحية، ولا انسى ان احدى قصائد الشاعر كفافي فاضت من عمق الذاكرة الى سطحها قد اصبحت ثالثنا على المائدة، يقول كفافي: ان الانسان في مرحلة ما من العمر ينوء بجسده وينسى قهوته او الجريدة التي بدأ يتصفحها ويغفو تحت سقف الذكريات.* * * * * * * * *اخيرا، ان احجية البياتي قابلة للتكرار في ثقافتنا وثمة ما يوازيها ايضا في السياسة، لأننا عبرنا بوعي او بدون وعي عن أعمق مرجعياتنا الثقافية حين قلنا الحيّ أبقى من الميت، او فأر حيّ خير من اسد ميت!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية