الموارنة والأقباط وبقية مسيحيي العالم العربي في عهود الإستبداد العربي

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل مقارنة بالطوائف والإثنيات الأخرى عاملت الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي الطوائف المسيحية بالذات معاملة حسنة كالأقباط المصريين في عهود (عبد الناصر والسادات ومبارك) والمسيحيين الأرذوذكس والكاثوليكس والبروتستانتس والآشوريين والسومريين والكلدانيين وغيرهم في العراق خاصة في فترة حكم (صدام حسين) ويلاقى نظراؤهم في سوريا المعاملة ذاتها. رأينا قمعا للشيعة والسنة على حد سواء في العراق وللسنة في سوريا ومصر وفلسطين وغيرها، غير أن المسيحيين أو النصارى لم يمسسهم أي سوء يُذكر، وإنْ حدث كان في أضيق الحدود. وثمة نظرية تذهب إلى أن تلك العهود كانت ترمي من وراء ذلك إلى إحداث نوع من التوازن في نظرة العالم المسيحي الغربي بالتحديد لهم في الحد الأدنى أو في تأييد الغرب لطريقتهم الأحادية القمعية في الحكم في الحد الأعلى بصرف النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا حول تفاوت القمع السلطوي عند هذا الحاكم أو ذاك. وكذلك كَيْما لا يتم إستفزاز النصارى العرب أو الشرقيين (كما يوصفون أحياناً) بأي شكل من الأشكال شراء لخواطرهم للحؤول مثلاً دون طلبهم حماية الغرب المسيحي أو النصراني.

لا أحد من المختصين أو المتابعين يمكن أن ينسى دور الفرنسيين على سبيل المثال – في الأربعينات في لبنان في دعم المسيحيين الموارنة بالتحديد وعائلات تاريخية مرموقة مثل (الجميِّل وإدَّه وشمعون) وغيرها وتفصيل الدستور اللبناني على مقاسهم – حسب مفكرين لبنانيين ومن بينهم مسيحيين موارنة – متجاهلين وجود الطوائف والإثنيات الأخرى المكملة للفسيفساء اللبنانية والنسيج الإجتماعي اللبناني. ولعل توزيع مسؤوليات الحكم والحقائب الوزارية في لبنان إلى هذا اليوم نتيجة للدور الفرنسي في أربعينات القرن المنصرم وديمومته واستمراريته إلى حد ما أو إلى درجة ما حتى أيامنا هذه، يُنظر إليه أنه يشكل أحد أهم الأسباب وراء الخلافات اللبنانية، إذ تعتبر فرنسا نفسها بشكل أو بآخر وصية على لبنان (أو على الأقل الشق المسيحي منه). ما من شك في أن النصارى العرب عموماً كانت لهم ادوارٌ تارخية إيجابية في السياسة والإقتصاد والإجتماع وأدوار عسكرية وثقافية وغيرها لصالح أوطانهم العربية بَيْدَ أن ثمة نصارى عرباً آخرين كانت لهم أدوار غير إيجابية نكاية كما يُحتمل في الطوائف العربية الأخرى من جانب وحرصا منهم ربما على أن تكون لهم الصدارة عوضا عن التهميش والإقصاء وسط غالبية عربية مسلمة. في الشعر والأدب العربيين، نجد أن أسماء مسيحية كبيرة عالمية (إحدى النظريات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية تدعي أن معظم مسيحيي لبنان جاؤوا أصلا من العراق) مثل (جبران خليل حبران وإيليا أبي ماضي وميخائيل نعيمة والأخطل الصغير وخليل حاوي) خدموا الأدب العربي أكثر مما فعله العرب المسلمون. الموارنة في لبنان – وإن كنا لا ننكر وجود شخصيات وطنية من بينهم – مثلا يختلفون عن الأرذوذكس (مثل عائلة فرنجية) من حيث ميلهم للغرب المسيحي يمكن نتيجة لإحساسهم بكونهم أقلية وفي فترات متباينة من التاريخ اللبناني طلبوا أشكالا مختلفة أو متنوعة من المساعدة من دول الغرب ولا سيما فرنسا لحمايتهم من بعض الطوائف والإثنيات الأخرى كلما أحسوا بخطر يداهمهم نتيجة لعوامل إقليمية معينة من بينها مثلا اختلاط الأوراق السياسية والجِيو بوليتِكْسْ وتغير التحالفات في المنطقة العربية، مع الوضع في الإعتبار أن أحياءَ سكنية مسيحية في الجنوب اللبناني مثلاً تعيش في وئام ملحوظ مع أحياءٍ شيعية حيث تجد أذان المساجد يختلط بأصوات أجراس الكنائس في هارموني فريدة من نوعها كما يلاحظ الآخرون. وكان لمسيحيي الجنوب اللبناني وغيرهم بدرجة تقل أو تزيد في المقاومة اللبنانية بأشكالها المختلفة العسكرية والسياسية والفنية ضد العدو الصهيوني في عام 2006 و2000 وهو عام التحرير، ومواقفهم الوطنية الملفتة ضد جيش (أنطوان لحد) المسيحي الأصولي القريب من العقيدة الصهيونية، كما وصفه البعض في لبنان وخاصة من المسيحيين.

أقباط مصر المسيحيون قد لا يختلفون بصورة أو بأخرى عن وصفنا لمسيحيي لبنان.

فهم كذلك كانت وما تزال لهم بصمات وضَّاءة في الثقافة المصرية والعربية في مفهومها العام غير أن الكثير من قادتهم – كما يدعم رأينا مفكرون قبطيون من أمثال بولس رمزي داهنوا جمال عبد الناصر والسادات ومبارك على حساب المصلحة الوطنية وسكتوا عن الأخطاء السياسية والإقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها مع فداحة تلك الأخطاء بل وأن بعضهم أثنوا عليها في حقب الحكم الثلاث ونأوا بأنفسهم تماما عن الشأن الداخلي مثل فترة إعتقال الإخوان المسلمين وإعدام الكثيرين منهم في منتصف الستينات (من أمثال سيد قطب) إيثاراً للسلامة والأمان وأثرةً من أنفسهم للإستحواذ على حظوة الحكم وطمعا في حصد المزيد من الإمتيازات التي لم تبخل تلك العهود بإغداقها عليهم وربما أيضا كما يذهب البعض تشفيا إلى حد ما من المسلمين والحركات الإسلامية التي ما يفتأون يرون فيها خطرا على وجودهم مقارنة بالحركات العلمانية، لأنها تذكرهم بالفتح الإسلامي لمصر والذي أنهى الحكم المسيحي مع أنهم عاشوا في أمان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وهو ما ذكره بعض المفكرين الأقباط الموضوعيين. وقد أدى هذا الشعور ببعض زعمائهم في داخل مصر أو أولئك الذين في دول الغرب إلى التواطؤ مع (إسرائيل) ومنظمة (الإيباك) الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة واللوبيات التابعة لها في أوروبا الغربية بشكل خاص. وقد بدا ذلك واضحا جليا في (أحداث ماسبيرو) في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مع أن المؤسسة العسكرية المصرية الوصية على الفترة الإنتقالية الحالية برئاسة (المشير طنطاوي) لم تتخلى عن دعمهم يوما بل وهي تشترك في الأهداف والغايات نفسها مع الأقباط العنصريين، في المحافظة مثلاً على (إتفاقية كامب ديفد) ومحاربة أي حركة إسلامية تأتي عن طريق صناديق الإقتراع، حتى وإن أجمع العالم كله على نزاهة الإنتخابات المصرية على غرار ما حدث لوصول (حماس) الديمقراطي للسلطة في فلسطين عام 2006. وإضافة إلى ذلك كله، يذهب بعض المفكرين القباط الوطنيين إلى أن بعض زعماء الأقباط تواطؤوا مثلا مع الإستعمار الإنجليزي لمصر عام 1881 نكاية في المسلمين وأنهم ضغطوا على بريطانيا سنواتئذٍ لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، فقد بدأ اليهود الهجرة إلى فلسطين بدءاً من تلك السنة.’ أكاديمي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية