تواصل فعاليات مهرجان وهران للفيلم العربي: عروض سينمائية متنوعة الأساليب والمضامين وجمهور كبير

حجم الخط
0

رحاب أبو هوشروهراني ـ “القدس العربي” من رحاب أبو هوشر: بافتتاح الدورة الخامسة لمهرجان وهران للفيلم العربي، انطلقت فعالياته وتواصلت على مدى أيامه الثلاثة الأولى، بعروض للأفلام المشاركة في المنافسة على جوائزه، وبحضور لجان التحكيم العاملة، إلى جانب الفعاليات التدريبية الموازية، وشهدت العروض التي توزعت على قاعات السينما الوهرانية إقبالا جماهيريا كبيرا، ونشاطا إعلاميا محليا وعربيا لافتا. وقد ضم البرنامج اليومي للمهرجان عرض فيلمين طويلين من الأفلام المتنافسة على جائزة المهرجان الكبرى ‘الوهر الذهبي’، إلى جانب مجموعة من الأفلام القصيرة والوثائقية ضمن مسابقة كل فئة منهما. وهنا عرض وقراءة موجزة:

الأفلام الطويلة: تفاوت مستواها الفني بشكل واضح ما بين أفلام قدمت معالجات فنية وفكرية رفيعة، وأخرى سقطت في المباشرة والمعالجة السطحية وأخفقت في تحقيق جماليات الفيلم السينمائية:’الأندلس يا حبيبتي’، للمخرج المغربي محمد نظيف: في عرض ثان بعد مشاركته في مهرجان مراكش السينمائي الفائت، يعالج المخرج في قالب فانتازي اجتماعي، وبحس ساخر، أزمة الهجرة السرية في المغرب، فيمن يطلق عليهم هناك ‘الحراقة’، حيث تصبح أوروبا وإسبانيا على وجه الخصوص، حلما وأملا لشابين، يحاول معلم مساعدتهما على الهرب، لكن المحاولة تلقي بهم جميعا إلى مصائر مختلفة، ويرصد المخرج من خلال فيلمه المخاطر المهددة لهوية المجتمع مع استمرارية النزيف البشري، لكن حلوله السينمائية جاءت سهلة نمطية، لم تقارب أزمة بذلك الحجم والتأثير.’قداش تحبني’، للمخرجة الجزائرية فاطمة الزهراء زعموم: غلب على هذا الفيلم الأسلوب التلفزيوني، إضافة إلى ضعف عناصره الأخرى كالتمثيل والتصوير علاوة على ضعف السيناريو والحوار، ويدور حول معاناة طفل، يترك ليعيش مع جديه، من مآزق وأزمات ومفاهيم عالم الكبار، الأداء الميكانيكي للممثلين، وافتقار الفيلم لرؤية إخراجية تمتلك أبجديات العمل السينمائي، جعلت الجمهور يخرج تباعا في النصف الساعة الأولى من العرض.’مدن ترانزيت’، للمخرج الأردني محمد الحشكي: الفيلم شارك في عدة مهرجانات سينمائية كان آخرها مهرجان دبي السينمائي قبل أيام، ويتخذ من حكاية ‘ليلى’ التي تقوم بدورها الفنانة صبا مبارك، والعائدة بعد غياب طويل في المهجر إلى عمان، منطلقا لكشف التحولات التي أصابت المجتمع الأردني في العقدين الأخيرين، ومثلت ارتدادا اجتماعيا وثقافيا وإنسانيا. لم يوفق السيناريو في بناء رؤية درامية عميقة لطرح شائك ومتعدد المستويات، وبقيت الشخصيات تراوح مكانها في حوار أقل من حجمها، ورؤية إخراجية لم تسيطر على مفردات عملها البصرية كما ينسجم مع الطرح.’المغني’، للمخرج العراقي قاسم حول: وهو فيلم من إنتاج أوروبي مشترك، ويعرض بأسلوب كابوسي عبثي، معاناة الشعب العراقي من دكتاتورية نظام صدام السابق من خلال قصة تدور أحداثها في عيد ميلاد الرئيس، وعلى الرغم من جماليات التصوير، والماكياج المتقن لمقاربة شخصيات صدام وابنه عدي، إلا أن الأسلوب المسرحي طغى على بنية الفيلم في الأحداث التي تدور في مكان واحد، وفي حركة الممثلين وأدائهم والجو العام للفيلم، مع تميز واقتدار الممثل عامر علوان في أدائه لدور المغني، الذي يصل حفل عيد الميلاد متأخرا، فينال نصيبه من الإذلال، لكنه يبقى البشارة على انتصار الحياة والحرية. ‘دمشق مع حبي’، للمخرج السوري محمد عبد العزيز: لم يحط الفيلم بنقاش عقب عرضه، لتغيب المخرج وعدد من الممثلين المدعويين، وقد شاع أن فريق الفيلم التزم بمقاطعة الدول التي انحازت إلى قرارات الجامعة العربية ضد النظام السوري. الفيلم نال إعجابا كبيرا، لتكامل عناصره السينمائية ومتانة صنع تدل على حرفية المخرج وثقافته السينمائية الواسعة، بدءا من الحوار الذي يسبر خلجات ومشاعر الشخصيات، وصولا إلى براعة المخرج في رسم تلك الشخصيات وتحريكها في فضاء فيلمه، اضافة إلى مجموعة ممثليه من النجوم، مثل خالد تاجا وفرح جبر، الذين برعوا في أداء أدوارهم. والفيلم من الأفلام المرشحة بقوة للفوز بجائزة ‘الوهر الذهبي’، لقوة طرحه وفرادة المعالجة لفكرة التعايش بين الأديان والطوائف المختلفة في سورية، على أرضية الارتباط بالأرض، والمشاهد المؤثرة في قصة الحب الكبيرة التي بني عليها الفيلم، وغيرها من المشاهد التي تصور التواصل الإنساني بين الأفراد، وانتماءهم لذاكرة تاريخية واحدة.’ديما براندو’، للمخرج التونسي المعروف رضا الباهي: لم يتمكن المخرج من إتمام مشروع سينمائي روائي، كان بدأ العمل عليه مع الممثل العالمي مارلون براندو، بسبب وفاته، فحوله إلى روائي وثائقي، ما بين لقطات من أفلام براندو الشهيرة، تتداخل وتتقابل مع لقطات روائية لحكاية ‘أنيس’ شبيه براندو التونسي. يقابل الباهي بين بطله الأثير براندو بإبداعه السينمائي ومواقفه الإنسانية والسياسية المناصرة للشعوب، وبين بطل فيلمه الروائي، بأسلوب بسيط أخاذ، اقترح به بنية فيلمه الدرامية وفق صياغة جمالية للصورة، ورؤية إخراجية فريدة واستثنائية، مستعينة بقوة حضور شخصية براندو وثرائها، وسيناريو متين كتب بعناية.

الأفلام القصيرةيمكن ملاحظة عناية إدارة المهرجان بتوسيع هامش المشاركة لتشمل عددا أكبر من الأفلام القصيرة، وهو اهتمام يتسق مع اهتمام القائمين على السينما في العالم العربي، بتشجيع التجارب الجديدة، استشرافا لمستقبل سينمائي أفضل، على الرغم من سيطرة لغة ‘كاميرا الفيديو’ على معظمها، ومعاناتها في معظمها من ضعف السيناريو، حيث بلغت المشاركات اثنين وعشرين فيلما قصيرا، وهو حجم لم يتحقق في أي من المهرجانات السينمائية العربية السابقة:’حواس’ للمخرج المصري محمد رمضان: أثار جدلا واسعا لمساسه بتابوهات اجتماعية ودينية، في عرضه لعلاقة شائكة بين ممرضة ومريضها الغارق في غيبوبة. الفيلم امتلك حساسية فنية، استطاعت ترجمة الأحاسيس الداخلية، ليقدم شخصيته بنضج وإقناع، وليثير من خلالها تساؤلات عن المسافات النفسية والعاطفية في علاقات البشر، والتباسها في مواطن تصطدم مع ثوابت المجتمع وتصوراته الجاهزة.’وغدا الجزائر’، للمخرج الجزائري أمين سيدي بومدين: ويذهب المخرج إلى سبر ذاكرة الجزائريين الدامية والموقعة بتاريخ 15 تشرين الاول (أكتوبر) 1988، المحملة بذكريات الحرب الأهلية بين السلطة والأصوليين، والتي أصبحت مفصلا إضافيا إلى مفاصل تاريخ الشعب الجزائري ودرسا يشدهم بالأمل إلى الغد والمستقبل.’قاع البئر’، للمخرج التونسي حسن محمد معز: فيلم قصير مهم ويعد بمخرج روائي قادم، لحرفيته وأسلوبه المحكم في بناء الشخصيات ولــغــته البصرية الشاعرية في تناول أحاسيسها بـعـمـق وكـثـافـة، حول أم فقدت ولدها، ويصور المخرج خلجات الأم وهي تكـــفن ولدها على وقع المقرئين والمــودعين، وتعيـــش ســنوات عمرها، غير متقبلة لرحيله. ونال الفيلم إعجابا جماهيريا كبيرا.’دار العجزة’، للمخرج الجزائري يحيى مزاحم: وهو ينتمي إلى خط سينمائي مغاربي جديد، يتبع أسلوب الفانتازيا الاجتماعية في مقاربة أزمات المجتمع وأبرزها هجرة الشباب، ويعتبر من التجارب المعاصرة، التي تقطع مع تاريخ السينما الجزائرية التي انشغلت زمنا طويلا بالاستعمار والثورة. ‘بيب’، للمخرج المصري المقيم في دبي هيثم صقر: فيلم شديد التكثيف والاختزال، يتناول تشيوء الإنسان واغترابه في ظل واقع يومي رقمي، يحيل حياة الإنسان إلى رنات صماء، تدير حياته، وتمحو ملامحه الانسانية. الفيلم مكتوب بلغة بصرية لاهثة الإيقاع، عبرت بتفوق عن الفكرة المطروحة، وجاء التصوير والإيقاع العام ليصبا في نفس الاتجاه.’وينك’، للمخرج السعودي عبد العزيز النجيم: استلزم حبكة درامية أكثر إقناعا وتأثيرا، لخدمة فكرته حول هواجس العزلة والصداقة.’الجن’، للمخرجة الجزائرية ياسمين الشيخ: ويمكن عده من الأفلام التراثية، إذ يستلهم مفرداته الفنية وصوره البصرية من إرث الصحراء الجزائرية ومعتقداتها الشعبية الأسطورية.’كليك ودكليك’، للمخرج المغربي عبد الإله الجوهري: يصور بلغة ساخرة، مفاهيم التطرف الديني وانقطاعها عن الحياة المعاصرة، من خلال قصة متطرف يحرم التصوير، لكنه يضطر للحصول على صورة لجواز سفره من أجل الحج، إلا أن الكاميرا تفاجئه برفضها تصويره.

الأفلام الوثائقية: اقتصرت المشاركة والعروض على أفلام وثائقية من الجزائر، تهتم بمجملها بتوثيق وأرشفة ملامح ومراحل من الذاكرة الثقافية والتاريخية للجزائر وشخصياتها المؤثرة.

وخلال الثلاثة أيام الأولى للمهرجان تم عرض الأفلام التالية:’حلم النسور’، للمخرج الجزائري محمد حازورلي: وهو فيلم تم إنتاجه بمناسبة تظاهرة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية 2011. الفيلم وثائقي درامي، يحتفي بمدينة تلمسان، ويصور معالمها الجغرافية والتاريخية، مقترنة بسيرة المناضل عبد القادر الجزائري، ابن تلمسان، في تقاطع يؤكد على دورها النضالي التاريخي ضد الاستعمار الفرنسي.’هنا نغرق الجزائريين’، للمخرجة الجزائرية ياسمينة عدي: ويكشف عبر الكم الكبير من مواد الأرشيف والصور التي يعرضها، تاريخ الاستعمار الفرنسي ومدى شراسته تجاه الجزائريين، ليعري زيف ادعاءات الخطاب الرسمي والاعلامي الفرنسي.’الحاجة لالة مغنية’، للمخرج مصطفى حسين: يقدم قراء مدهشة لسيرة تلك المرأة المتصوفة الشهيرة، التي تحتل مكانة رفيعة في الثقافة والوجدان الشعبي الجزائري، حتى سميت مدينة ‘مغنية’ باسمها، الفيلم أيضا وثائقي درامي، يؤرخ لشخصية لالة مغنية والمدينة معا. وعلى صعيد الفعاليات الموازية، تواصلت في المسرح الجهوي لوهران، أعمال ورشة فيلم الدقيقة الواحدة للشباب، بإشراف المخرج الجزائري المقيم في هولندا كريم طريدية، إضافة إلى ورشة الشريط المصور للأطفال، بإشراف الإعلامي الجزائري المختص بالسينما جمال حزولي.

ويذكر أن لجنة تحكيم الأفلام الطويلة، ضمت إليها المنتج الفني باسم مغنية، عوضا عن المخرجة نجوى نجار، التي تعذر حضورها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية