أسئلة معاكسة لتيار الانبعاث الثوري العربي

حجم الخط
0

عادل الحامدي

يتحدث الكاتب والمفكر المغربي العربي عبد الله العروي في كتابه ‘ثقافتنا في ضوء التاريخ’، عن حتمية الانبعاث العربي بواقعية المؤرخ المتربص والمتبصر بمآسي التجربة العربية المعاصرة، وبثقة متناهية في الانجاز الحضاري الإسلامي الذي أضاءت لأنواره المسيرة البشرية بعد تحول الريادة إلى أمم أخرى، ويستحضر أربعة قرون من العطاء الإنساني على جميع المستويات دون التستر بالمقدس حتى لو كان علة النور وعدو الظلام.

وقد فرض علي عمق إدراك الأستاذ العروي لدقائق الفضايا العربية وثقته بحتمية الانبعاث العربي ـ الإسلامي انطلاقا، كما يقول، من هذا الواقع التاريخي الذي يعيه كل عربي، بل هذا الإرث المحدد لنظرة العرب إلى الحاضر والمستقبل، ويقودهم في طريق لا محيد لهم عنه، فالعرب أفرادا وجماعات لا يقدمون مطالبهم لأنفسهم ولغيرهم أيام استقلالهم وأيام تبعيتهم وأيام ضعفهم وفقرهم وأيام استعادتهم بعض القوة والرفاهية، باسم حق إنساني مجرد تحت شعار حد أدنى من الأمن والحرية والخير يجب أن يتمتع به الإنسان بصفته إنسانا، كما تفعل شعوب أخرى كانت إلى تاريخ قريب مغلوبة على أمرها. يريد العرب تغيير أحوالهم باسم مشاركتهم السابقة في الحضارة الإنسانية، وهو موقف متميز بحدته وشموليته، يشبه إلى حد كبير موقف اليونانيين والإيطاليين في القرن الماضي، لذا حق أن نتكلم عن انبعاث ونهضة لا عن تقدم وتكثيف.. لا أخالني بهذه المقدمة متسورا إلى أقدس ما يعيشه العرب والمسلمون هذه الأيام، وهل هناك ما هو أقدس من حفظ النفس التي يعتبر قتلها عند الله أكبر من هدم الكعبة، حيث بدأت سحب ثورات الربيع العربي تنقشع شيئا فشيئا، لتشرق شمس أنظمة سياسية جديدة يتربع على عرشها تيار الإسلام السياسي الذي لم يبرح طيلة عقود الاستقلال الوطني مربع المعارضة غير المعترف بها على الدوام، وتبدأ خلايا الإسلاميين النائمة في النهوض والتعبير عن نفسها في تعابير سياسية اختلفت ألوانها باختلاف قياداتها الميدانية. ولست متأكدا من أنه يجوز من الناحية السياسية والفكرية نعت ما جرى في العالم العربي بعد الإطاحة بأنظمة الاستبداد التي ورثت الاستعمار الغربي في حكم بلداننا العربية، بأنه ثورة بأتم معنى الكلمة، لكنني أستطيع أن أجزم بأننا نخط مرحلة سياسية جديدة تفاصيلها مختلفة تماما عما عهدناه في حياتنا السياسية والفكرية العربية.

أعترف أنني واجهت عنتا كبيرا في الاقتناع بمصطلح الثورة في نعت أي من العواصف السياسية التي حلت بوطننا العربي، ولم يفلح البرنوس البني الذي ارتداه الرئيس التونسي المنتخب الدكتور المنصف المرزوقي لحظة حديثه إلى الشعب التونسي في أول كلمة له بعد إعلانه رئيسا للبلاد، في تسليمي بأن ما جرى في تونس هو ثورة شعبية حقيقية أرادها الشعب عن سابق إصرار وترصد فحقق لنفسه ما أراد. طبعا لا شك للحظة واحدة، أن الشهيد محمد البوعزيزي وغيره من شهداء تونس وشباب العالم العربي صادق في رفضه للظلم والاستبداد والفساد ورغبته في التأسيس لنظام سياسي تداولي مبني على الاختيار الحر، ومعبرا عن تطلعات الغالبية العظمى من أبناء العرب والمسلمين الذين لم يعد أحد منهم يقبل الدونية السياسية ولا العلمية، بعدما اكتشفوا أنهم ليسوا أقل مكانة من شعوب العالم، وأنهم يستحقون حياة حرة كريمة تليق بمواطن القرن الحادي والعشرين.

مكمن الشك والريبة عندي، أو قل مبعث الغموض الذي حال دوني والاقتناع في وصف ما جرى ويجري من معارك ضارية بين شعوبنا الطامحة إلى الحياة وأنظمة تسلطية تأبى أن تنزاح، ليس منطلقا من نظرية المؤامرة التي لا تزال تخيم على تفكير كثير من أبناء الأمتين العربية والإسلامية، وإنما لأن الأمر في عالمنا عامة، وفي العالم العربي والإسلامي منه بوجه الخصوص، لا يمكن الحديث فيه عن الإطاحة بأنظمة سياسية مشهود لها بالولاء للقوى الكبرى التي لا تزال حتى هذه اللحظة هي صاحبة القول الفصل في انجاح الثورات من إفشالها، إذا لم يكن لهذه القوى رأي في هذا التغيير.

وربما يشكك بعض من حدثتهم عن أن قراءة التغيرات السياسية الجوهرية، بحجم إسقاط أنظمة وإقامة أنظمة بديلة عنها، لا تخضع فقط لمنطق النضال الثوري، وإلا لفهمنا بوضوح وشفافية تامة أسرار اليوم الأخير مما أصبح يعرف في مخيلتنا السياسية الجمعية التونسية والعربية بـ ‘هروب ابن علي’ إلى المملكة السعودية بعد أن ضاقت به أرض العالم بما رحبت من بلدان اتسعت لمجرمين بحق ملايين العراقيين والأفغان وقبلهم جميعا من الفلسطينيين الذين لازالوا يتجرعون ويلات الاحتلال ومعاناة القتل والتشريد اليومي في غفلة من كاميرات الإعلام الحر، وإنما نحتاج إلى شيء من التحليل الهادئ والرصين، والبحث في ملفات السياسة العربية والإسلامية والدولية، وما يراه الأمنيون منهم من ضوابط للتحكم في استقرار العالم وازدهاره.

هل كان البوعزيزي عندما أقدم على إضرام النار في جسده ذات يوم من أيام شتاء سيدي بوزيد الحزين، ينفذ أجندة غربية لتغيير النظام العربي الرسمي بدءا بتونس؟ طبعا لا يمكن لعاقل يمكن أن يصدق أن أمرا كهذا قد جال في مخيلة البوعزيزي ولا في مخيلة من هبوا لنجدته في سيدي بوزيد أو في باقي المدن التونسية، ولكن سيكون الواحد منا بسيطا إذا اكتفى بتفسير هذا الزلزال السياسي الذي يجتاح المنطقة العربية بأنه تعبير عن ضجر شعبي معزول عن أي رفع يد غربية عن النظام العربي الرسمي، وأن النظام الدولي أدرك أن الاستمرار في الرهان على أنظمة مهترئة ضعيفة معزولة عن شعوبها غير قادرة على صناعة معنى للحياة لأجيالها الصاعدة ليس إلا شكلا من أشكال الانتحار الذاتي، وأن مقولة أن الحاجة أمة الاختراع يمكن أن تكون ذات جدوى في السياسة أيضا، إذ أن استمرار الحياة يتطلب قدرة لدى قيادات العالم على إقناع الرأي العام والاجيال الجديدة بأن الحياة تستحق أن يعيشها الإنسان، وأن الاحباط واليأس لن يولد إلا الدمار.

ربما كانت تقارير ويكيليكس التي كشفت المستور من مظاهر ضعف النظام العربي الرسمي وترهله، الإشارة الأكثر قوة بعد أن فشلت كل الرسائل التي وجهتها النخب الغربية إلى نظيرتها العربية، يوم كانت تكتفي بعقد الندوات الفكرية والسياسية عن ديمقراطية الموافقة بدل ديمقراطية المغالبة، وتدعو إلى ضرورة البحث عن القواسم المشتركة بين مكونات الساحة السياسية العربية والإسلامية، دون أن تبخل الأنظمة الغربية على نفسها في توفير مبررات الضغط وممارسة أبشع صور الابتزاز السياسي تجاه أنظمة لم تعد تملك من مبررات البقاء إلا ما توفره لها صنوف الردع التي تمارسها وفقا لقانون الغلبة.

وما زاد من غموض المشهد السياسي العربي المعاصر، أن من ينفذ هذا الزلزال السياسي الذي أنهى أنظمة بالضربة القاضية، هم شباب جديد لا يوالون أيا من التيارات السياسية التقليدية المعروفة، فلا هم قوميون يريدون الثأر لرئيس العراق السابق الذي تم نحره في يوم عيد الأضحى، ولا هم سلفيون قاعديون يبحثون عن دم قائدهم الأول الذي رميت جثته في البحر، وقد يكون لحمه قد تقاسمته حيتان بحر البلطيق، وإنما اكتفت وسائل الإعلام بتعريفهم بأنهم جيل شبكة التواصل الاجتماعي، الفايسبوك، الراغبين في إنهاء الاستبداد، والمطالبين بعهد الحريات والكرامة.

وهذه مراوغة إعلامية وسياسية بدليل أنه في البلدان التي انقشعت سحب الثورة فيها، وجرت فيها الانتخابات الديمقراطية، آلت فيها الأمور لصالح تيار الإسلام السياسي الذي لم يقل أحد من قياداته ولا من المراقبين المحليين أو الدوليين، أنه قاد الثورات العربية أو حركها، لا بل إن كثيرا من رموزه كانوا على علاقة جيدة مع الأنظمة البائدة.

الدافع الأساسي لسؤال فهم ما جرى ويجري في العالم العربي من زلزال سياسي عنيف، ليس هدفه التشكيك في إرادة الحياة التي ظهرت جلية لدى الأجيال العربية الصاعدة، ولا إشاعة روح الاحباط لدى الطامحين لصياغة عهد سياسي جديد يقوم على احترام الإنسان وعلويته في كل السياسات، وإنما لأن فهم طبيعة الشيء هو المدخل الصحيح لبناء المستقبل، ولو أن الأنظمة كانت تسقط بمظاهرات العارية أجسادهم والحافية أقدامهم لكان الجزائريون في تسعينات القرن الماضي قد حموا صندوقهم وحفظوا دماءهم، ولكان العراقيون وقبلهم الأفغان قد كفوا بلادهم شر الاحتلال وويلاته، أما تونس الخضراء فقصتها مع التغيير السياسي نادرة ومغرية بالبحث والسؤال.’ كاتب وإعلامي تونسي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية