الميلاد كذنب متجمّد.. وما من غفران

حجم الخط
0

عناية جابر

لعبة القلق على المصير التي تتجاذبنا معاً، أعني الشعب العربي برمّته، تكشف لغة غير مدّونة لا على صفحات الجرائد ولا في الفايسبوكات. إننا جميعاً في زنزانة واحدة، إننا في الزنزانة ذاتها ونرّتب قدر المستطاع الأيام لكي نتجاوزها. إنني أشمل المشهد الأمني العربي قدر ما تتيحه الرؤية في هذا النور الخافت. الأيام الراهنة، ميلادية زمنياً، وكانت لتكون مبهجة، سوى أنني بغصّة أستعرض الوجوه بخرابها الذهني ويُغذّيه القلق والقرف والسهاد الليلي الطويل.

ميزان الإنفعالات ملتهب في المنطقة عندنا، والتوتر باهظ حدّ الجنون. إنفعالنا داخلي بقدر ما هو سياسي، وكما يحتمي الناس ضد غزو الحرب والموت بجدرانهم وأقفالهم ومصاريع نوافذهم، فقد انتهوا الى الإحتماء أيضاً، ضد فكرة خلاصهم المبهظة وضد الحلم. محصنون ضد الحلم وضد أيّ شيء، تاركين أجسادهم وأرواحهم تتعفن على مهل، تعفنها النزاعات العرقية والدينية والطائفية، ويعفنها الفساد والجهل.

إنه الميلاد!! ويحّل كذنب متجمّد وما من غفران. مع ذلك هو الميلاد، كما لو وقت أبيض يبتدأ من الصفر، ومُباركة ترتفع فيه وجوه الأطفال والحزانى والجوعى والثكالى، يرتفع البحر وترتفع السماء والكتب والموسيقى والغناء. نرى الى الميلاد كما لو الى البراءة ثانية وتعاودنا مشاعر عالية لكنها مستدعاة من وقت مضى، ويبدو غابراً.

هؤلاء الذين في الشوارع، ناس المظاهرات أعني، هم أهلي، وانني في فيض الإنتشاء من هتافاتهم ومظاهراتهم، ومن قلقهم. القلقون أهلي وإنني في فيض الإنتشاء من الناس القلقين لأن قلقهم يُغذّيني، وتأتأتهم في العيش الذي يقترب ويبتعد عن الموت، موسيقى سماوية. يسير الإنسان العربي في هذه الأيام، على الخط الفاصل بين الحياة والموت، يعيش اوقاته الصعبة غير أنه لايسقط. العربي الذي يسقط هو من يحمل أصلاً علامة على سقوطه.

صديقتي في كندا كتبت تسألني في أوقاتنا الصعبة هذه، قلت لها أنه الميلاد المُسّكن للألم.

وأن احوالي الشخصية لابأس بها، وقلت ان مما لاشك في صديقتي- أن الحياة تُطيعني، بل تفهمني وتمدّني بنوع الحسّ الداخلي الذي يُمكنّني من معرفة خوض الحياة بأقل ضجة ممكنة، وبسّر اختلاط الحب بالمغامرة. الحياة في البلاد العربية- عزيزتي في كندا- مغامرة، سوى أنها أكثر روحية ودهاء منها في أيّ منطقة أخرى في العالم. إنه الميلاد عزيزتي، والعالم العربي يتدّرب على التنفس ثانية، يجاهد الى الهواء. الربيع العربي يا حبيبتي، لعب كجذر أساسي جامع مع كثرة أعداء الداخل وأعداء الخارج، أحياناً يرتفع منسوب الشعور بالنصر، وأحياناً تنهار الدعة عزيزتي، تنهار الطمأنينة وينهار الأمل الذي نكون ربيّناه برموش العين. إنه الميلاد، مع ذلك تتحرك الأجساد بصمت، بشؤم، والوجوه يصبغها الوجوم بشكل يثير القشعريرة. وجوم على وجه البائع الذي يذوي صباحك تحت تهديد يأسه، الى السائق المذهول والمترّقب مجريات يومه البائس، الى المّارة الذين يعلون نقاشاً عالياً وفاضحاً بينهم وبين أنفسهم، المّارة الدينيين والدنيويين في مقارباتهم الفكرية لقداسات خطرة، زادها الراهن المتألم خطورة. يبدو من المتعذر عزيزتي في كندا، المراوحة طويلاً بين الركون الى فكرة الخلاص وان طال انتظاره، وبين الوقوع تحت ربقة حرب اسرائيلية مباغتة. يتضاعف القلق وتتضاعف التفرقة ويتضاعف الخوف في الأيام. الفكرة المراوحة بين سلم وحرب، وحشية في مراوحتها من دون شفاء. الضغط عال جداً في هواء سوريا ومصر وليبيا وتونس والبحرين ولبنان واليمن، وهو عال في بلدان عربية أخرى ويجري التكتّم على علوّه، حتى أنه يُحدث إنفجارات صغيرة تُذري القوة الباقية في القلوب الضعيفة. علينا الإعتراف بحاجتنا الى الصبر وحاجتنا الى وقت طويل بعد لنعثر على الخلاص، فالملهاة مازالت في حدها الأقصى ولم تستو على نضجها وثمارها. ما يصعقني وقد سألتني عزيزتي عن أحوالي وأحوال المنطقة كما لو تعيشين في المريخ أن البرهان الأصدق على إنكساري إن كان يرضيك هذا هو أن لا أهمية بالنسبة لي لأي شيء يكتبه أو يتحدث عنه المثقفون أو السياسيون. لا شيء يُغريني بتصديقه لامكتوباً ولا منطوقاً واحسب أيضاً أننا كلنا متآمرون بشكل أو بآخر. يستحوذني فحسب الشيء الذي يبدو خارج السياق والشيء النافل أو التافه بنظر الآخرين، ويستحوذني في الحقيقة الإنفصال التام عن مجريات ما يحدث في العالم وعن العالم نفسه.

لم يعد تعلقي بالأفكار الكبيرة فلسفياً، بل هو جوعي العميق واليائس الى نكران الأفكار الكبيرة التي عمّقت تعاستنا، وبأنني في إنحيازي الى الشيء المنبوذ والنافل والتافه الذي يهمله الجميع تقريباً، إختلافي، وشرط خلاصي الشخصي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية