لندن ـ ‘القدس العربي’: عبرت عدة صور كاريكاتير عن ازمة العراق الحالية، ففي صورة بدا فيها المالكي حاملا علم العراق وهو يقول (العراق مزدهر) ‘ديلي تلغراف’ وفي اخرى بدا فيها الرئيس الامريكي باراك اوباما على خلفية خارطة العراق المدماة وفي يده يافطة (للبيع شحنة متفجرة: مؤسسة العراق الحر) ‘اندبندنت’. فالازمة السياسية التي وصلت ذروتها بمذكرة لالقاء القبض على طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الذي هرب لمنطقة كردستان وسلسلة التفجيرات المنسقة التي ضربت نواحي متعددة من العاصمة بغداد تعطي صورة عن صراع السلطة، حسب صحيفة ‘اندبندنت’ البريطانية.
فالنزاع انفجر بعد خروج جنود امريكا من العراق، تاركين وراءهم بلدا هشا من ناحية التحالفات السياسية القابلة في اي لحظة للتشرذم، مع ان اوباما اكد ان الامريكيين تركوا وراءهم عراقا ذا سيادة ومستقلا، مما يجعل كلماته بعد الاحداث الماضية تبدو الان فارغة.
وتضيف انه ايا كانت الجهة التي تقف وراء التفجيرات فان ما هو واضح ان هناك قوى قوية كانت تنتظر خروج الامريكيين للتحرك وتحقيق تفوقها.
وتتساءل عما سيحدث الان؟ فواحد من الاجوبة ان يقوم نوري المالكي بالتحول الى رجل العراق القوي على شاكلة صدام، وهذا واضح الان من خلال نشره قوات الامن ضد من ينتقده من السنة، متهما اياهم بانهم متعاطفون مع صدام حسين. وتقول ان نظرية المؤامرة التي تنتشر بين السنة تقول ان هناك صفقة بين المالكي وواشنطن تقضي بان يتحول هو الى ‘ديكتاتور’ العراق الجديد.
وتقول انه بعد هروب طارق الهاشمي نائب الجمهورية، لكردستان فان قادة الاقليم الذين يتمتعون باستقلالية عن بغداد وان كانت لا ترقى للفيدرالية تحولوا الان للاعب مقبول بين الشيعة والسنة.
كما ان السنة الذين رفضوا الفيدرالية باتوا يطالبون بها مما اثار غضب الشيعة، وعليه فان صفقة التشارك في الحكم التي رعتها امريكا قبل تسعة اشهر تتداعى الان.
وفي سياق الصراع على السلطة فان الطرف الرابح فيها هو ايران، التي تلعب من خلف الاضواء لتقوية الميليشيات التابعة للمالكي، التي تعتبر قوة يحسب لها الان في العراق، خاصة انها الطرف الوحيد الرابح فيها. فالانتخابات اعطت الشيعة صوتا يشعرون من خلاله بتقارب طبيعي من ايران.
وتعتقد الصحيفة انه في الوقت الذي يتحدث فيه الغرب عن العقوبات ضد ايران واعطاء ضوء اخضر لاسرائيل لضرب منشآتها النووية فان طهران ستشعر بالفرح للتطورات الاخيرة. كما ان التطورات والانتفاضة في سورية التي ان سقط النظام ستؤدي الى تحول في قوى السلطة من الطائفة العلوية للسنة الذين هم غالبية سكان البلاد، مما سيزيد من تعقيد الامور، ويعطي ما تبقى من عناصر البعث العراقي والسلفيين قوة.
وهاتان القوتان السنيتان ساهمتا في الحرب الطائفية ولا زالتا موجودتين. وفي هذا الكوكتيل من المشاكل فان ما حدث في يوغسلافيا السابقة بعد وفاة تيتو مرشح للتكرار في العراق، وبلقنته. وفي تعليق لصحيفة ‘ديلي تلغراف’ كتب ديفيد بلير قائلا، ان المالكي يلعب بالنار.
وقارن بين الوضع الحالي وما حدث في عام 2003 بعد سقوط صدام حسين، حيث دخلت البلاد في مرحلة من الصراع على السلطة. ويقول ان التطورات الاخيرة المفاجئة للجميع وحتى للمالكي نفسه، نشأت من تحوله الى رجل ديكتاتوري، حيث يتهمه نقاده بانه يعمل على اشعال الحرب الطائفية. ويضيف ان الكثير من الشيعة سيتوصلون لاعتقاد ان هجمات الخميس ما هي الا انتقام الهاشمي من المالكي، لكن هذا الحديث لا اساس له من المصداقية. فالتفجيرات بهذه القوة والمساحة الجغرافية لا بد وان خطط لها قبل الازمة بين الرجلين، كما ان شخصية الهاشمي المتحدث الهادئ والتصالحي لا تجعل منه شخصا صالحا لان يكون ‘ابا’ للارهاب.
ويرى ان السبب الحقيقي للتوتر راجع الى انهيار التحالف السياسي الذي تم برعاية امريكية وضمنته حتى خروجها، ووجد المالكي الفرصة الان كي يقوم بهدمه. ومحاولات كهذه ستجعل من السنة الذين قبلوا بالعملية السياسية بعد مقاطعتها وشاركوا في الانتخابات بقوة يتوصلون الان الى ان السياسة السلمية ما هي الا مضيعة للوقت والعودة الى العنف هو الخيار الوحيد، وختم بالقول ان تعطش المالكي للسلطة وطموحاته ما هي الا لعب بالنار. ويتفق تحليل في صحيفة ‘الغارديان’ من ناحية انه لا بد للهاشمي في هذه الهجمات لانها تحتاج الى تخطيط ورسائل تنسق العمليات بين الخلايا التي تظل في الظل تنتظر الاوامر لتوجيه الضربات.
ويرى التحليل ان هناك ملمحا اخر للهجمات بعيدا عن الازمة السياسية وهي مطالبة المحافظات السنية بالاستقلالية عن بغداد لفقدانها الامل بالمالكي، ومن غير المتوقع ان يستمع الاخير لمطالبهم بل سيتشدد ضدهم ويلاحقهم وسيقنع الشيعة بان ما يقوم به مبرر.
ويشير الى ان العراق يعيش حالة مثيرة للقلق، فالمواقف الطائفية تظهر بشكل واضح، وعدم الثقة في ادنى حالاتها كما كانت من قبل. ومع ان احدا لم يكن يتوقع ان يتحول العراق الى نموذج يحتذى، لكن احدا لم يكن يفكر ان يتدهور الوضع فيه بشكل سريع بعد ايام من رحيل الامريكيين.