بالتزامن مع قطع العلاقات التركيّة الفرنسيّة: تل أبيب تُعلن رسميًا عن إلغاء صفقة أمنيّة مع أنقرة بقيمة 141 مليون دولار خشية وصول المعلومات الحساسّة لإيران

حجم الخط
0

زهير أندراوس

الناصرة ـ ‘القدس العربي’: بعد مرور عدّة ساعات على الإعلان التركيّ بقطع العلاقات الدبلوماسيّة مع فرنسا لاعتراف البرلمان بالمذبحة ضدّ الأرمن، أعلنت الدولة العبريّة رسميًا، كما قالت وسائل الإعلام العبريّة أمس الجمعة، أنّ وزارة الأمن الإسرائيلية أصدرت تعليمات للصناعات الجوية الإسرائيلية لإلغاء صفقة أسلحة مع تركيا بقيمة 141 مليون دولار كانت قد وقعت بين أنقرة وتل أبيب عام 2008 . وبحسب رالمصادر الأمنيّة في تل أبيب، كما ذكرت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيليّ، فقد تم اتخاذ قرار إلغاء الصفقة التي تتضمن أنظمة رصد جوي، خشية من وصول معلومات تقنية متطورة من تلك المنظومات العسكرية لدول معادية لإسرائيل ومن بينها إيران، وذلك على خلفية التقارب بين أنقرة وطهران في الفترة الأخيرة، على حد زعم المصادر، التي أكدت على أنّ الصفقة تشتمل على منظومات استشعارية تركب على الطائرات المقاتلة وقد خصصت لوضعها على الطائرات التركية، حيث تم تطوير تلك المنظومات في شركتي (البيت) و(التا) الإسرائيليتين. وقالت المصادر أيضًا إنّ الشركتين المذكورتين بصدد التوجه الرسميّ للحكومة الإسرائيليّة للحصول على تعويضات عن الخسائر الفادحة التي لحقت بهما جرّاء إلغاء الصفقة، وفي حال رفض حكومة نتنياهو دفع التعويضات، قالت المصادر المقربة منهما، فإنّ الشركتين ستتقدّمان بدعوى قضائيّة ضدّ الحكومة.

يشار إلى أن العلاقات الإسرائيلية التركية يسودها التوتر، منذ اقتحام إسرائيل لأسطول الحرية وقتل مواطنين أتراك كانوا على متن سفينة مرمرة، وذلك في شهر أيار (مايو) من العام 2010، ورفض إسرائيل للطلب التركي بالاعتذار عن الحادث، ولكن المصادر الإسرائيلية نفت أن يكون لتوتر العلاقات علاقة بالموضوع وعزتها إلى أسباب أمنية. وشهدت العلاقات بين تركيا وإسرائيل مزيداً من التوتر في أعقاب صدور تقرير الأمم المتحدة المتعلق بأحداث أسطول الحرية، والذي أطلق عليه تقرير (بلمار)، وبعدما أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو رفضها المطلق تقديم اعتذار لأنقرة على قيام الجنود الإسرائيليين بقتل تسعة من نشطاء السلام الأتراك الذين كانوا على متن السفينة مرمرة التركية التي شاركت في أسطول الحرية، أواخر ايار (مايو) 2010. لقد توقعت إسرائيل تصعيداً تركياً في أعقاب صدور التقرير الأممي الذي خذل تركيا وفلسطين بإضفائه شرعية على الحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، لكن قليلين في إسرائيل توقعوا أن تصل الأمور إلى حد طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، وتجميد أشكال التعاون الأمني مع إسرائيل، وما زاد تعقيد الأمور بالنسبة لإسرائيل هو تشديد وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو على أن الخطوات العقابية التركية تمثل خطوة أولى في سلسلة من الخطوات العقابية ضد تل أبيب. وعلى الرغم من أن تقرير الأمم المتحدة شرع الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، إلا إنه في المقابل شدد على أن الجيش الإسرائيلي استخدم القوة المفرطة وغير المتكافئة في السيطرة على أسطول الحرية مما أدى إلى وقوع العدد الكبير من الضحايا في الجانب التركي، وهذا ما يساعد تركيا على رفع دعاوى قانونية في المحافل القضائية الدولية ضد القادة والجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في الهجوم على مرمرة، لكن أكثر ما تخشاه إسرائيل هو أن تكون الخطوات العقابية التركية فاتحة لسلسلة من الإجراءات الأكثر شدة، حيث إنه بإمكان تركيا القيام بخطوات تسبب أذىً كبيراً لإسرائيل، سيما في ظل التحولات الهائلة التي تشهدها المنطقة العربية حالياً. لكن ومع ذلك فإن هناك في إسرائيل من يراهن على أن تركيا ستتريث طويلاً قبل الإقدام على خطواتها اللاحقة، ويطرح هؤلاء المتفائلين ثلاثة أسباب تبرر هذا الرهان: تنطلق الإستراتيجية التركية من افتراض مفاده أنه يتوجب مواصلة لعب دور إقليمي نشط وفعال، وتحقيق هذا الهدف يتوقف على قدرة أنقرة على بناء علاقات قوية مع مختلف القوى الإقليمية في المنطقة. وقد نجحت هذه الإستراتيجية عندما تمكنت أنقرة من إقامة علاقات قوية مع كل من سوريّة وإيران ومصر ودول الخليج والعراق. ويرون في إسرائيل أن أنقرة وظفت لهجتها الصارمة ضد إسرائيل لتحقيق اختراقات في الساحات العربية المختلفة. لكن في أعقاب تفجر الثورة السورية، وإخفاق أنقرة التام في التأثير على مسار الأحداث هناك، وما تبعه ذلك من تدهور في العلاقات مع طهران، فإن الدور التركي تراجع إلى حد كبير. ويرون في تل أبيب أن التحسن في العلاقات التركية المصرية مضلل إلى حد كبير، حيث أن كلاً من القاهرة وأنقرة تتنافسان على لعب نفس الدور الإقليمي. من هنا فإن الأوساط الإسرائيلية ترى إن تركيا ستكون مضطرة لتحسين علاقاتها مع إسرائيل من أجل تمكينها من استعادة قدرتها على لعب الدور الإقليمي الذي تراهن عليه في تحقيق مصالحها المختلفة. علاوة على ذلك، ترى المحافل الإسرائيلية أن الولايات المتحدة لا يمكنها التسليم بمواصلة التوتر في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، حيث أن كلاً منهما يعتبر حليفاً استراتيجياً هاماً للولايات المتحدة، وتخشى واشنطن أن تمثل هذه الأزمة مصدراً من مصادر تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة، سيما بعد الانسحاب الأمريكي النهائي من العراق وبدء الانسحاب من أفغانستان.

علاوة على أن تواصل التوتر بين الجانبين يمكن أن يشكل بحد ذاته مصدراً من مصادر التوتر في المنطقة، ويعزز فرص حدوث مزيد من التدهور في الإقليم. من هنا فإن هذه المحافل تأمل أن تمارس الإدارة الأمريكية أكبر قدر من الضغط على أردوغان لتسوية الأزمة مع إسرائيل. أمّا السبب الثالث والأخير، فيقول إنّ هناك في إسرائيل من يرى أن حكومة نتنياهو تمكنت من إيجاد بدائل إستراتيجية لتركيا، حيث أن دول البلقان، وتحديداً اليونان، عدو تركيا اللدود، أصبحت تتنافس على التقرب من إسرائيل في أعقاب التوتر في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب. فعندما توقفت تركيا عن السماح لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي بالتدريب في الأجواء التركية، سارعت اليونان ورومانيا والتشيك على فتح أجوائها أمام سلاح الجو الإسرائيلي.

وبالتالي فإن الكثير من المحافل الإسرائيلية تراهن على إن إدراك أنقرة قدرة تل أبيب على تدبير شؤونها عبر نسج تحالفات بديلة سيجبر حكومة أردوغان على التراجع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية