القاهرة – يو بي اي: لم تكمل الثورة المصرية عامها الأول حتى تبدى قلق عميق لدى ساسة ومفكرين ومواطنين حيال قدرة ‘أرض الكنانة’ على المُضي باتجاه تحقيق ديمقراطية حقيقية في المدى المنظور.
ورأى ساسة مصريون أن قوى عديدة، داخلية وخارجية تحاول تفريغ الثورة من مضمونها وعرقلتها، حتى لا تُكمل مرحلتها الأولى بهدم بقية النظام القديم بعد أن أجبرت رموزه وفي مقدمتهم الرئيس السابق حسني مبارك على ترك الحُكم، معتبرين أن مصر تمر حالياً بمرحلة ‘رخوة’ ما زالت معالمها تتشكل.
وقال طلعت رُميح رئيس تحرير صحيفة ‘الفتح’ إحدى الصحف المعبِّرة عن التيار ‘الإسلامي السلفي’ ليونايتد برس انترناشونال إن قوتين أساسيتين هما التيار الإسلامي والنظام الحالي يقفان في مواجهة قوتين أخريين هما القوى الخارجية والتيارات الليبرالية بالداخل، اللتان يُقلقهما وصول التيار الإسلامي إلى السلطة.
وأشار رُميح إلى أن الفريق الأول يستند إلى الشرعية المبنية على الإعلان الدستوري في 17 آذار/مارس وما أنتجه من فوز الإسلاميين بالمرحلتين الأولى والثانية للانتخابات البرلمانية، فيما الليبراليون والخارج يستندان إلى قوة إعلامية تُحذّر من وصول الإسلاميين إلى الحُكم.
ورأى أن جوهر الصراع بين الجانبين يتمحور حول هوية الجمهورية القادمة، ‘ففي حين يرى الليبراليون والخارج ضرورة أن تكون رئاسية تُقلص من صلاحيات رئيس الحكومة الذي ستأتي به الأغلبية النيابية وهو التيار الإسلامي كما يتضح بالصورة، فإن القوى الإسلامية تطالب بأن يكون النظام الرئاسي برلمانياً’. وشهدت الانتخابات المصرية الأخيرة صعودا لتيار الاخوان المسلمين والتيار السلفي على حساب المستقلين والليبراليين والعلمانيين.
وقال الدكتور فؤاد السعيد مستشار ‘مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية’ ليونايتد برس انترناشونال إن مستقبل مصر على المدى المنظور سيتحدَّد بناءاً على ما ستُفرزه الانتخابات النيابية الجارية حالية والتي أشارت نتائجها إلى أن من سيُحدده هو التيار الإسلامي الذي استند إلى طبيعة البنية الاجتماعية، و’هي بنية متأسلمة إخوانية، سلفية بخاصة في الريف’. وأكد السعيد، الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الإجتماعية والجنائية أن الانتخابات النيابية التي تشهدها مصر حالياً لا تعدو كونها انتقالا شكليا نحو الديمقراطية التي اختُصرت بصندوق الانتخابات.
ورأى أن النخبة المثقفة من الليبراليين وأبناء المجتمع المدني التي مهدت الأرض للثورة المصرية اعتقدت أنها قادرة على الانتقال من مرحلة إسقاط الديكتاتورية إلى مرحلة ليبرالية تبني الديمقراطية بشكل مباشر من دون إدراك طبيعة بنية المجتمع.
وبينما تخشى التيارات العلمانية والاشتراكية والمدنية بشكل عام على مستقبل مصر من وصول الإسلاميين إلى الحُكم وتتخوف بشكل أكبر على هوية الدولة المصرية، فإن جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان قال ليونايتد برس انترناشونال، إن الثورة المصرية كجزء من الربيع العربي تُمثِّل أول خطوة نحو الديمقراطية، غير أنه أكد أن تحقيق الديمقراطية مستقبلاً يرتبط بالقضاء على أعداء الثورة بداخل مصر وخارجها.
ومن جانبه عبَّر محمد عبد القدوس رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحافيين المصريين، ليونايتد برس انترناشونال، عن تشاؤمه إزاء مستقبل مصر وفقاً للمعطيات الحالية على الساحة السياسية، معتبراً ‘أن إجراء الانتخابات النيابية وما سيتبعها من إعداد لدستور جديد في ظل حُكم عسكري هو بحد ذاته ضد الديمقراطية’. وأوضح عبد القدوس أن الديمقراطية التي يتمناها الشعب المصري ويعمل من أجل تحقيقها تصطدم بمحاولات مستمرة وحثيثة من جانب المجلس العسكري من أجل تفريغها من مضمونها، متسائلاً كيف تجري انتخابات نيابية في ظل حُكم عسكري انتقالي؟ وكيف سيتم إعداد دستور جديد لمصر في ظل حُكم العسكر؟ مشيراً إلى أنها ‘المرة الأولى في التاريخ الذي يوضع فيه دستور تحت حُكم عسكري’. وقال منسق ‘اللجنة الشعبية للدستور المصري’ محمود عبد الرحيم ليونايتد برس انترناشونال ‘إن طريق الديمقراطية مليء بالعقبات حيث لا يرغب المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إقامة ديمقراطية حقيقة لأنها ضد مصلحته باعتباره جزءاً من نظام الرئيس السابق حسني مبارك والديمقراطية الحقيقية هي بالضرورة ضد الحُكم الديكتاتوري الذي يمثّله العسكريون دائماً، ‘فلم يعرف التاريخ أن عسكريين مهَّدوا طريقاً نحو الديمقراطية’. لكن النبرة التشاؤمية التي عبرَّت عنها نخبً سياسية ليبرالية وحتى إسلامية غير منضوية تحت كيانات الإسلام السياسي، ربما لن تجد لها صدى في المستقبل القريب، فقد أكدت مجموعة من ‘الأزهريين’ و’الصوفيين’ وآخرون في أحزاب يسارية أهمها المصري الديموقراطي الاجتماعي، والتجمع، وحركة الاشتراكيين الثوريين، ليونايتد برس انترناشونال أن مستقبل مصر ‘لن يكون بالقتامة التي يراها البعض’. وكشف أولئك السياسيون عن أن حزب ‘الحرية والعدالة’ المعبِّر عن جماعة ‘الإخوان المسلمون’ والذي فاز بنحو 40′ من الأصوات بالمرحلتين الأولى والثانية لانتخابات مجلس الشعب المصري لن يتحالفوا مع ‘السلفيين’ لتكوين أغلبية نيابية، مؤكدين أن مؤشرات عديدة تُظهر أن الحزب سيتجه نحو التحالف مع النواب المستقلين ونواب حزب ‘الوفد’ الليبرالي ونواب أحزاب ‘الكتلة المصرية’ وهي ‘التجمع’ و’المصري الديمقراطي الاجتماعي’ الاشتراكيين، و’المصريين الأحرار’ الليبرالي.
ويؤيِّد ذلك الطرح وقائع شهدتها الانتخابات النيابية من اتهامات متبادلة بين ‘الإخوان’ و’السلفيين’ ليس أهمها تحرير مندوبي المرشحين للانتخابات من الجانبين محاضر بأقسام الشرطة، واتهامات بالتأثير على إرادة الناخبين وكسر قاعدة ‘الصمت الانتخابي’ القاضية بعدم الدعاية الانتخابية باليومين السابقين على إجراء الانتخابات.
ومن جهة ثانية يتابع مئات الآلاف من أعضاء الحزب الوطني (المنحل) الذي قاد مصر منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، الأوضاع الراهنة وما ستسفر عنه في قادم الأيام وما إذا كان الساسة الجُدد الذين طالما ناصبوهم العداء سينجحون في التحرك بسلاسة وسلامة نحو مستقبل أفضل أم ستتعثر خطاهم.
ويستعد أعضاء (الوطني المنحل) الذين استفادوا من القانون بعدم حرمانهم من المشاركة بالانتخابات النيابية، واستفادوا بشكل أكبر من تسامح مجتمعي تجاههم على الرغم من استئثارهم بالسلطة لأكثر من 35 عاماً للعودة إلى السلطة إذا ما فشلت الثورة المصرية في التحرك بأهدافها نحو المستقبل.
وبالمقابل فإن الملايين من البسطاء الأميين وأنصاف المتعلمين الذين يحصلون على قوتهم بشكل يومي يبدون غير معنيين بأفكار وتحليلات مختلف النُخَب، يعتبرون أن ما تطرحه هذه النُخَب وإن كانت أفكاراً هامة لمستقبل البلاد إلا أنها لا تُلامس أرض الواقع.
وقال أحد العمال ليونايتد برس انترناشونال ‘إن أولئك المثقفين لا يعملون من أجل المواطنين ولكن لأجل مصالحهم الشخصية ومصالح أحزابهم وأفكارهم من دون النظر إلى معاناة العامل الأجير الذي لا يكاد يجد قوت يومه بسبب حالة الانفلات الأمني التي تعانيها مصر وإغلاق عدد كبير من المصانع أبوابها ما أدى إلى زيادة حجم البطالة’. وكشف عدد من العمال في مناطق عديدة منها ‘فكيهة’، و’ترسا’، و’كُرّاتة’ بالجيزة، و’عزبة الهجَّانة’، و’المرج’ بالقاهرة عن أن تجارة المواد المخدرة والأسلحة تلقى رواجاً كبيراً لعدم توفر الأمن وبفعل البطالة المتزايدة، متسائلين عما إذا كان أولئك المثقفون الليبراليون والاشتراكيون أو حتى السلفيين الذين قدَّموا رِشى إنتخابية للحصول على أصوات الناخبين يشعرون حقيقة بآلام البسطاء أم يعملون لمصالحهم الشخصية؟.
وعلى ما يبدو فإن قراءةً أكثر ارتباطاً بالواقع تكشف أن كتلتين كبيرتين بالمجتمع المصري تقفان على طرفي نقيض، وهما كتلة المثقفين والمفكرين والسياسيين على اختلاف أطيافهم ورؤاهم، وكتلة الصامتين المتابعين لمساجلات وملاسنات وحتى اشتباكات النُخب وتتطلع إلى مستقبل أفضل.. لكن في الحالتين الخوف والترقب يلفان أرض الكنانة.