لندن ـ «القدس العربي»: لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن إرسال 300 من المستشارين العسكريين ليتعاونوا مع الجيش العراقي حالة اتخاذ قرار ضربات جوية «محدودة» ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مفاجئا فهو متساوقا مع استراتيجيته في ملاحقة ناشطي تنظيم القاعدة في الصومال ومالي واليمن والباكستان وأفغانستان، وهي الإستراتيجية التي جعلت تنظيم القاعدة يفقد قدرته على التخطيط على المستوى المركزي وشتت قادته، لكن الإستراتيجية لن تكون ناجعة في حالة داعش الذي يسيطر على مناطق واسعة في العراق والشام، ويتمتع بتحالفات محلية في العراق.
ولن يؤدي إلى اقتلاع تأثير التنظيم الذي ستحاول الإستخبارات الأمريكية جمع معلومات عنه وصيد قادته حالة تحركهم في عربات.
وسيظل قائد التنظيم بعيدا في الظل، خاصة أنه بارع في إخفاء حركته، وعدد كبير من سجناء داعش اعترفوا أنهم شاهدوا أبو بكر البغدادي شخصيا، كما وسيحاول قادة التنظيم الذين تلقوا تدريبا على يد قادة الجيش العراقي السابق التصرف بحذر وعدم تعريض عناصرهم لمخاطر الهجمات الجوية.
وبحسب باتريك كوكبيرن في صحيفة «إندبندنت» فالعملية التي يقودها داعش تحولت لثورة سنية حيث انضم إليها الشبان الذين يلوحون ببنادقهم في سيارات البيكب، مما يعني أن استهداف أعداد منهم سيؤدي لإغضاب السنة أكثر.
ويضيف أن الحكومة الأمريكية لا تريد أن تظهر بمظهر من يقوم بإنقاذ رئيس الوزراء العراقي المالكي الذي تمقته. ومن الضروري تذكر أن قوة جوية أكبر من التي يقترحها أوباما اليوم لم تكن كافية في عام 2003 لتحقيق النصر.
وكل ما يمكن للعملية المحدودة هذه تحقيقه هو رفع معنويات الجيش العراقي ودفعه مع الميليشيات الشيعية للدفاع عن بغداد. ويشير كوكبيرن لعامل آخر ولم يذكر في العادة وهو أن داعش تنظيم فعال ومجرب وقادر على رد الضربة بضربات أخرى ويرسل انتحارييه للولايات المتحدة للإنتقام. ومن هنا يرى جنرال أمريكي متقاعد أهمية دعم العراق بضرب تنظيم داعش.
لا بد من ضربه
وفي مقابلة أجرتها صحيفة «دايلي تلغراف» مع قائد القوات الأمريكية السابق في العراق الجنرال ديفيد بترايوس، طلب فيها الجنرال المتقاعد بالتدخل العسكري وتوجيه ضربات لـ «الجيش الإسلامي» البارز في العراق في حالة تعرض أمن الغرب للخطر. ونقلت عنه أثناء زيارته للندن قوله إنه سيدعم عملا عسكريا محدودا ضد قيادة داعش.
وقال الجنرال بترايوس الذي استقال من الإستخبارات الأمريكية (سي أي إيه) بعد فضيحة مع كاتبة سيرته الذاتية «إذا توصل الرئيس أوباما وبقية القادة إلى أن خطر داعش عال فعندها أدعم عملا عسكريا يستهدف القيادات الرئيسية، وإذا ظهر أن داعش تمثل تهديدا خارج الشرق الأوسط فهذا يستدعي عملا عسكريا ضد قادتها».
ويقترح في دعوته هذه استهداف زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، الرجل الذي رصدت الولايات المتحدة مكافأة مالية قيمتها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه. ودعا بترايوس الولايات المتحدة الحذر من عدم دعم طرف على آخر «يجب أن نكون حذرين في عدم اتخاذ مواقف، ولكن التهديد البارز من داعش يعني أن العمل العسكري بات ضروريا، ويجب أن نعرف أن داعش لا يمثل تهديدا على العراق ولكن بريطانيا والدول الأخرى كذلك، ويمثل داعش تهديدين على العراق وكذلك على استقرار سوريا». وقال إن «ملجأ آمنا لداعش في العراق وسوريا سيكون مصدر خطر للغرب».
ووصف بترايوس داعش بأنه أكبر من جماعة إرهابية بل « جيشا إرهابيا لديه مصادر هائلة اكتسبها من نهب البنوك ونشاطات إجرامية إخرى».
وانضم بترايوس للجهود التي دعت الحكومة العراقية مد يدها للسنة العرب والأكراد والمساعدة في حل الإنقسام الذي يمزق البلاد لأجزاء. وشك بترايوس بترحيب العراقيين بعودة الأمريكيين على الرغم من الوضع الصعب.
لا ندعم داعش
وفي سياق الحديث عن الضربات الجوية والتحذير من تداعياتها كتب السفير السعودي في لندن محمد بن نواف آل سعود.
وعلق على طلب حكومة المالكي من الولايات المتحدة القيام بغارات جوية ضد المتمردين حيث قال إنها إشارة عن لا مبالاة الحكومة بمصير شعبها. وأكد السفير على تطلعات حكومته بلاده التي تطمح لتحقيق الإستقرار والسلام والأمن للمجتمع الدولي وللمنطقة وللسعودية أيا كان المواطنين سنة أم شيعة «فهذه تشكل حجر الأساس في تفكير حكومتنا». وتساءل الأمير محمد بن نواف «ما هو موقفنا؟ فالسعودية تدعم الحفاظ على سيادة ووحدة وسلامة حدوده رغم الإتهامات الكاذبة الصادرة عن حكومة العراق التي فاقمت سياستها الإقصائية من الأزمة الحالية».
وأكد أن حكومة بلاده تعارض التدخل الأجنبي «وعليه فدعوة وزير الخارجية العراقي للرئيس باراك اوباما والحكومة الأمريكية شن غارات جوية ضد داعش لا يمكننا فهمها، فالغارات الجوية لن تقوم بسحق المتطرفين، الذين لا ندعمهم، ولكنها تقوم بتوقيع حكم الإعدام على الكثير من المواطنين العراقيين، والعائلات العراقية البريئة التي وجدت نفسها عالقة في هذه الأزمة المخيفة، وهذه الدعوة للرئيس أوباما ما هي إلا ضرب من الجنون، وتكشف عن حكومة لم تعد ترى بوضوح ولم تعد تهتم بسلامة المواطنين الذين انتخبت من أجل تقديم الرعاية لهم».
وعبر السفير عن معارضة بلاده للتدخل الأجنبي والتدخل في الشؤون الداخلية العراقية «منا او من الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو أي بلد آخر» لأن «ما يجري هو مشكلة عراقية وعلى العراقيين حلها بأنفسهم، وأي حكومة تخاطر وتتدخل في الشؤون العراقية لن تزيد إلا من تصعيد الوضع، وستؤدي لخلق حالة من عدم الثقة بين الشعب العراقي- السنة والشيعة».
سياسات طائفية
وتساءل السفير عن الخطوات العملية الواجب اتخاذها مشيرا إلى أن الازمة لم تحدث بين ليلة وضحاها ولكنها تطورت عبر السنوات الماضية في ظل السياسات الطائفية والإقصائية لحكومة نوري المالكي والتي أغضبت قطاعا واسعا من الشعب العراقي المتعدد عرقيا وطائفيا.
ودعا القيادة العراقية الحالية الى «وقف سياساتها القاسية والتي غذت بوضوح العنف والفوضى الحالية، فهذه السياسة الطائفية الفاضحة والتي اشتملت على عنف وأفعال قاتلة ضد جماعات الإحتجاج السنية، وهمشت السكان السنة العراقيين الذين اختفى الكثير منهم في ظل النظام الحالي».
ويعتقد أن الحل هو تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل قطاعات الشعب العراقي- السنة والشيعة.
وعبر عن قلق بلاده من اقتراحات رئيس الوزراء المالكي وبعض المعلقين الغربيين «أننا قمنا وبطريقة ما بدعم داعش، فالمملكة العربية السعودية تتمنى رؤية هزيمة شبكة القاعدة وكذا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ولا تقدم السعودية دعما معنويا أو ماليا لداعش أو اي شبكات إرهابية، وأي اقتراح غير هذا خطأ خبيث، ولا نريد دعم او سندعم العنف أو التطرف بأي شكل لأي شخص وفي أي مكان، وفي كل الوقت كنا نسعى نحو التعايش السلمي لكل الناس سواء في داخل بلدنا، في المنطقة وفي عموم العالم».
ووصف القاعدة وداعش والجهاديين بأنهما«آفة القرن الحادي والعشرين».
موقف إيران
والوضع في العراق متعلق بموقف إيران ومصير المالكي الذي رفض حتى الآن الإستجابة القيام بجهود إصلاحية أو مد يده للسنة والأكراد. وبل ورد على التقارير التي تطالب بخروجه من السلطة بأنه لا يعتزم التنحي. ويرى تقرير في صحيفة «التايمز» أن المالكي استخدم الأزمة لصالحه.
ونقلت كاثرين فيليب عن توبي دودوج المتخصص بالعراق تقليله من أهمية التقارير التي تتحدث عن خروج المالكي من السلطة.
وقال الباحث في مدرسة لندن للإقتصاد إن «المالكي سيظل في السلطة»، مشيرا لضعف النفوذ الأمريكي في العراق. وقال إن أي استبدال له يجب أن يأتي من «قائمة دولة القانون» التي فازت في انتخابات نيسان/ إبريل وهذا يقتضي موافقة من القيادات الشيعية البارزة.
يريدون رحيله
وقرأ مارتن شولوف معضلة الولايات المتحدة مع المالكي وتراجع نفوذها في العراق في أثناء المفاوضات حول انسحاب القوات الأمريكية من العراق.
في تقرير له في صحيفة «الغارديان» جاء فيه أن جذور توتر العلاقة بين الولايات المتحدة التي لعبت دورا في وصول المالكي للحكم قائلا إنها بدأت بالتوتر في تشرين/ اكتوبر 2011 عندما عقد باراك أوباما وفريقه من مجلس الأمن القومي مؤتمرا عبر الفيديو مع المالكي في بغداد.
وفي الوقت الذي حضر الجانب الأمريكي نفسه للمؤتمر، ملفات ودفاتر لكتابة الملاحظات جلس المالكي مع مترجم، ولم يكن راغبا في فتح نقاش حول بقاء الأمريكيين في العراق، ولا حتى كي يشاركوا في التدريب والإشراف.
ويقول شولوف أن عددا ممن كانوا في الغرفة رحبوا بموقف المالكي ورأوا في غزو العراق مغامرة فاشلة» وعبروا في الوقت نفسه عن دهشتهم من موقف الزعيم العراقي المتحدي.
فبعد ثمانية أعوام من العمل المشترك وصلت الأمور لهذه النقطة: «لا وقت للتفاوض، وعراق الماضي سيمضي في طريقه، ويمكن للولايات المتحدة إطفاء النور عندما تغادر».
وتساءل البعض في واشنطن عن الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة تريليون دولار، و4500 جندي قتيل إن كان العراقيون في الحقيقة يريدون شريكا استراتيجيا، ولكن الجواب عن هذا السؤال أجل بسبب ما أحدثه الربيع العربي من اضطرابات فيما اندفع المالكي لتعميق العلاقة مع إيران.
ويحلل الكاتب سياسات المالكي التي قال إنها قدمت مصلحة الشيعة على الغير وابتعد عن السنة، واعتقل قادتهم، وحاصر مخيمات الإعتصام في الرمادي وأصدر أمرا باعتقال نائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي بعد خروج الأمريكيين من العراق.
وبدأ عملية للسيطرة على المؤسسات خاصة المخابرات الوطنية التي ازدحمت بمسؤولين من حزب الدعوة الذي يقوده، بالإضافة إلى قوات النخبة العراقية التي تحولت لحراسته. ونقل الكاتب عن دبلوماسي أمريكي تعليقه على سياسات المالكي الطائفية بأنها «كانت محاولة للتأكد من عدم خروجه من السلطة أبدا»، وقال مسؤول أخر عمل مستشارا للحكومة العراقية ما بين 2004-2011 « الشيء الوحيد الذي شاهدته بأم عيني واعتبرته طائفيا هو تعييناته خاصة في الجيش»، وأن لم تكن كلها مدفوعة بالطابع الطائفي إلا ان معظمها لم يبن على معيار الكفاءة والقدرة.
ويشير الكاتب إلى محاولات التأثير لكن الغازي السابق لم يكن لديه النفوذ الكافي لدفع المالكي على تغيير عاداته. ولهذا السبب ينهار المعمار الطائفي الذي بناه المالكي وزوده بجرعة من الخوف والإرهاب، حيث استسلم جيشه بسرعة.
فقدوا الثقة به
وتظهر واشنطن انها فقدت الثقة بالمالكي الذي سارع يوم الأربعاء الماضي وقال إنه لن يستقيل كشرط للغارات الأمريكية على مواقع المتمردين.
ويرى الكاتب أن الإبتعاد عن المالكي كان واضحا في شهادة قائد هيئة الأركان الجنرال مارتن ديمبسي امام الكونغرس يوم الأربعاء الذي كرر على فشل الحكومة العراقية في مواجهة الطائفية.
وتحدث ديمبسي ووزير الدفاع تشاك هيغل لنواب الكونغرس أن أي تدخل عسكري سيكون عبثيا في حالة فشل المالكي مد يده للسنة. وقال زلماي خليل زاد، السفير الأمريكي في العراق سابقا للصحافيين والذي ساعد في تنصيب المالكي إن إيران يمكنها المساعدة في «استبدال المالكي».
والعامل الحاسم في خروج المالكي من السلطة سيكون إيران التي لم تعلن رأيها فيمن سيحكم العراق، لكن الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس وصانع الملوك في بغداد لديه موقف من المالكي «يقول عنه إنه أحمق» حسب مسؤول عراقي بارز التقى سليماني الإسبوع الماضي لكنه لم يجب عندما عندما سئل عمن سيحكم العراق.
ويذكر الكاتب بما كتبه المعلق ديفيد إغناطيوس الكاتب في «واشنطن بوست» الذي وصف تعيين المالكي بانتصار خليل زاد الذي توقع أن يعطي المالكي «العراقي الأصيل توحيد البلاد». في وقت كان المالكي يمارس سلطته الطائفية حيث نقلت «فورين بوليسي» عن طارق الهاشمي، أحد ضحايا طائفية المالكي أن دعم الولايات المالكي يعتبر مفارقة ساخرة وتعبير عن تداخل مصالحها مع طهران «فقد دعمت إيران المالكي بقوة، واكتشفنا في الوقت نفسه دعم الولايات المتحدة له.
وفي هذا السياق يجري تسويق أحمد الجلبي كخليفة محتمل للمالكي، هذا المنفي العراقي الذي أقنع إدارة بوش بشن حرب على بلاده ولكنه أصبح منبوذا بعد الإحتلال، وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» التقى الجلبي مع السفير الأمريكي في بغداد، وتؤكد «الغارديان» أنه التقى مع قاسم سليماني.
سباق
وتحدثت الصحيفة عن سباق لخلافة المالكي عبر سلسلة من اللقاءات تمت في بغداد. ونقلت عن شخصين شاركا في الإجتماعات مع مسؤولين أمريكيين، مشيرة إلى ظهور ثلاثة أسماء محتملة لخلافة المالكي. مشيرة إلى أن اي مرشح محتمل يجب أن يقنع السنة والأكراد بقدرته على حماية العراق والحفاظ عليه متماسكا، وعليه تطمين الأكراد والسنة انه سيستجيب لطلباتهم وتحقيق معاملة متساوية لهم. فالأكراد يرغبون في اعتراف بغداد بسيطرتهم على مدينة كركوك النفطية ويريدون بيع نفطهم المستخرج من مناطقهم في الأسواق العالمية. أما السنة فيريدون إدارة وزارة أمنية واحدة على الأقل. وترى الصحيفة أن هناك إجماعا على ضرورة رحيل المالكي حسب نبيل الخشاب، المستشار لأسامة النجيفي، رئيس البرلمان السابق «لن نسمح له بتولي ولاية ثالثة، يجب عليهم تغييره إن أرادوا تهدئة الأوضاع». وحتى بعض حلفاء المالكي السابقين تحولوا ضده، فحسب ضياء الأسدي من التيار الصدري «لا يستحق ولاية ثالثة»، «نحن واثقون بقدرتنا على تنحيته عبر الوسائل الدستورية».
ويدعم الاكراد التغيير حسب فلاح مصطفى، الذي يعمل وزير خارجية حكومة إقليم كردستان. وأشارت الصحيفة أن الاسماء المطروحة لخلافته بالإضافة للجلبي، عادل عبدالمهدي، نائب الرئيس السابق وبيان جبر صولاغ.
وكان مهدي مرشحا للحكومة لولا التيار الصدري الذي أفشله وفتح المجال أمام المالكي. اما الجلبي فهو شخصية معقدة ومشكلته أنه كان وراء عملية اجتثاث البعث- أي السنة، فيما سيواجه بيان جبر مشاكل لاتهامه باستخدام وزارة الداخلية للتعذيب عندما كان وزيرا لها قبل تعيينه وزيرا للمالية. وتدعو الولايات المتحدة للتحرك بسرعة واختيار بديل عن المالكي.
وبدأت التحركات قبل عقد أوباما مؤتمرا صحافيا أعلن فيه عن ارسال مستشارين عسكريين للعراق.
وتقول الصحيفة إن مسؤولين بارزين في بغداد بمن فيهم السفير روبرت بيكروفت ونائب وزير الخارجية لشؤون إيران والعراق بريت ماكراك حثوا العراقيين للعمل كفريق واحد والإتفاق على اختيار بديل للمالكي، وبحسب مسؤول عراقي «يريدون رؤية ظهره» اي مغادرته.
وقال الخشاب إن السفير وماكراك كانوا واضحين في حديثهم مع النجيفي يوم الأربعاء الماضي «كان بريت والسفير واضحان حول الموضوع، لا يريدان بقاء المالكي « في الحكم.
إبراهيم درويش