الشاعر الكبير أبو القاسم الشابي (1909ـ1934)، هو أديب تونس الأوّل، وأحد كبار شعراء العربية، في العصور الحديثة؛ وأمّا محمود المسعدي (1911ـ2004) فإنه ساردها الأشهر، وبين الأعلى قامة في النثر التونسي، والعربي أيضاً بالطبع. لغة رفيعة متينة ونادرة، لكنها في الآن ذاته طلية رشيقة، طافحة بمجاز ثرّ غير متكلف، وبلاغة مركبة تجمع بين التأمل الفلسفي والشعرية العفـــوية، وفصحى خاصة تدخل مفرداتها في علاقات دلالية مستحدثة، طازجة وغير مألوفة، بل هي تباغت القارىء فعلاً، على نحو أخاذ يشدّه إلى مكامن المعنى وظلاله، قبل سطوحه القاموسية.
في كتابه الأوّل «حدّث أبو هريرة قال»، شاء المسعدي استدعاء شخصية تراثية إشكالية، ليستنطق من خلالها سلسلة إشكالات تخصّ الحياة التونسية في العقود الأولى من القرن العشرين، وكذلك الوجدان العربي عموماً؛ خاصة في مواجهة الماضي على ضوء الحاضر، وإبصار الذات في مرايا الماضي، التي لا يتوجب أن تكون عاكسة نزيهة بالضرورة، كما تقول تأملات أبي هريرة.
ولقد كتب، في المقدّمة: «إذا كان لا بدّ له من جدّة وطرافة لتقبل عليه [الكتاب]، فاعلم أنه ليس في نظري أطرف من جدّة القديم: كنفسك وأحلامك وأساك وحيرتك. ولعلّ أجدّ ما فيه بعد قصتك الباطنة، روح ابي هريرة، لأنها تنتسب إلى اقدم الأقدمين وتودّ أن تنتسب إليك. ولعله ليس شأن الكاتب الجدّة والطرافة، وإنما هو أن يفترق على يده الجوهر عن العَرَض والعارض».
«السدّ»، كتابه الثاني (1940، وطُبع كاملاً سنة 1955) كان مسرحية فلسفية بدورها، تعيد استلهام شخصية سيزيف في مناخات تونسية، وعربية ـ إسلامية استطراداً؛ أصابت طه حسين، عميد الأدب العربي، بالحيرة والشغف في آن معاً، فاعترف أنه لم يفلح في إدراك رسالة النصّ الفلسفية إلا بعد أن قرأه أكثر من مرّة واحدة.
ولقد أصدر المسعدي عدداً من الأعمال الأخرى، الإبداعية والتأملية والأكاديمية، بينها «مولد النسيان»، «من أيام عمران»، «تأصيلاً لكيان»، و»الإيقاع في السجع العربي». وتُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، بينها الفرنسية والهـــولندية والألمانية، ويظلّ مستغرباً أنه لم يُترجم بعد إلى الإنكليزية.