حدّث أبو المدائن قال: كان أبو هريرة سرّاق أرواح. وكان من المولعين بالصيد. يخرج فيرمي الرمية فيصيبها فيشرحها ويلقي بها، ولا يأتي بشيء من ذلك إلى بيته. كانت تأتي عليه أيام يقول فيها: لِمَ حُرّم أن يُرمى الناس؟ تقتُ والله أن أشقّ منهم فأنظر ما في أمخاخهم وقلوبهم وأحشائهم. ثم يقول ويشير إلى بعض عابري الطريق: أنظرْ إلى هذا. إني أراه سلبني حقّي، يمرّ ولا أصيب مما في صدره شيئاً. فأقول: وما أحوجك يا أبا هريرة إلى غيرك؟ فيقول: لا أدري، أو لعله ضيق محبس الفرد.
وقد أحسد الصبيان حسداً شديداً. أتذكرُ صبانا؟ كنت أشهد سباق الخيل، فلا ينتهي السابق إلى القصب حتى أكون قد استفرغت في قلبي جهده وتعبه. وكنت ألاعب أترابي في الحيّ، فنكون ملوكاً كملوك الروم وطيوراً وسباعاً ورياحاً عاصفة ونستوفي جميع ما خلق الله.
فكان يبلغ بي الودّ والشوق مبلغه، حتى لقد تشبهتُ يوماً ببعض قطّاع الطرق، فتلبستُ به، فلم أطلق أصحاب القافــــلة إلا بعد أن عقــــلت رواحلهم وشددت عليهم حتى بكوا وعلت أصواتهم صياحاً. ثم أفقتُ فإذا أنا قد مزقت ثياب أصحابي تمزيقاً واوجعت أكثرهم ضرباً وشكوني إلى أمهاتهم.
حديث الجماعة والوحشة
حدّث هشام بن حارثة عن أبي عبيدة قال: افتقدنا أبا هريرة في بعض دهره أمداً طويلاً وانقطعت عنّا أخباره، حتى ساء ظننا بمصيره، وقلنا: إنْ كانت ألمّت به وفاتهُ فيرحمه الله. وكنا نتذاكره وترقّ قلوبنا ونجده في قرارة أنفسنا أُنْساً حاضراً وإنْ ضاع شخصه. وكان كثيراً ما يقول لنا في خير ساعات عشرتنا وحال انبساطه للدنيا: إنما بهذا الأنس وهذه الألفة والمحبة صوّر الله الإنس إنساً ومتعة.
ومرّت أحقاب. ثم إذا هو عائد من غيبته الطويلة وتيهه في أحياء العرب، فطلع علينا أشعث مغباراً قاسي الوجه أليماً، حتى كدنا لا نعرفه. فعطفنا عليه نسأله في أمره وخافية ما ظهر لنا من بؤسه ويأسه، فيقول أحدنا: يا أبا هريرة من أين عليك كلّ هذا؟ لقد امتلأت قلوبنا شفقة عليك ورقّة. فيصيح فينا ويلوي: إليكم عنّي يا أبناء النُكّر يا بني الإنسان. إنّ شفقتكم لعنة. والله لقد عاشرت واستأنست أشباهكم كثيراً. وحسبت أنْ في العشرة سعة النفس واليُمن والنعمة، فما كان منه إلا خلاء الخيبة ووحشة الوحدة. وارتدت إليّ نفسي ضيّقة حسيرة، وضلّ عنّي كياني. وإنّ ذلك هو القنوط الأشقى: أن تغري عشرة الجماعة بظاهر البركة والطهر والكثرة، فتنكشف شرّاً ونجاسة وعقماً وشقاوة وحدّة.
وكان يقول وهو يختلج كأنما أخذته الغصة.
قال أبو عبيدة: ولم يزل أبو هريرة من ذلك العهد كالنافر من الناس، لم نر له قط بعدها عطفة. فكأنه مات في باطنه بعصُ ما يكون به الإنسان إنساناً أو عميت بصيرته. وكان ذلك أول انحداره إلى نحبه.
(٭) بدأ المسعدي نشر فصول «حدّث أبو هرير قال» سنة 1939، ولم يُطبع العمل كاملاً إلا في العام 1973
حديث الحاجة