رام الله- «القدس العربي»: بالغة التعقيد، هي قضية اختفاء آثار المستوطنين الاسرائيليين الثلاثة، التي تمت ليل الخميس قبل الماضي، على مفترق مستوطنة «غوش عتصيون» ما بين بيت لحم والخليل، وما بين الاعتقاد بأنها عملية «أسر» معقدة ومنظمة، من قبل تنظيم فلسطيني، أو أنها حيلة إسرائيلية مُحكمة لتنفيذ مخطط أُعد مسبقاً، تبقى الأبواب مفتوحة على مصراعيها لكل الإحتمالات والتأويلات.
وبلا شك، فإن حالة الإرتباك البادية بوضوح على الجانب الإسرائيلي، انعكست بشكل مباشر على الجانب الفلسطيني قيادة وشعباً، فبعد خطاب الرئيس محمود عباس، خلال افتتاح الدورة الحادية والأربعين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في جدة، الذي طالب فيه بإعادة المستوطنين الثلاثة «المختفية» آثارهم، واعتبرهم «بشراً»، تباينت ردود أفعال الشارع الفلسطيني حيال الخطاب، وحتى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، فيما انتقدته حركة حماس بشكل مباشر.
ومنذ انطلاق الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد محافظة الخليل بشكل خاص، وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية بشكل عام، ورغم أن التركيز في الحملة كان ضد حركة حماس قيادة وأنصارا، إلا أن الإعتقالات شملت مختلف ألوان الطيف الفلسطيني، حتى حركة فتح، وضباطا وعناصر في الأمن الفلسطيني، كما حدث في مدينة نابلس ومخيم بلاطة، رغم التنسيق الأمني بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، لكن الشعور العام في الشارع الفلسطيني، بأن أرضه مستباحة، ولا وجود لرادع ضد ما يجري، حتى في مناطق السيطرة الفلسطينية، حُكماً وأمناً.
«القدس العربي» تحدثت إلى الدكتور نشأت الأقطش، أستاذ الإعلام والعلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، الذي يرى أن الوضع بالغ التعقيد، لدرجة اختلطت فيها علينا الأمور، فإسرائيل تزعم أن حركة حماس هي من تقف وراء عملية الأسر «المفترضة» لمستوطنيها، من خلال خطاب لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس الشهر الماضي، الذي خاطب فيه أحد أسرى حماس بالقول «وصلت رسالتكم، والرد سيكون قريباً من خلال كتائب القسام»، رغم النفي الرسمي من حركة حماس للربط ما بين خطاب مشعل، وقضية المستوطنين.
في المقابل يقول الأقطش، هناك الكثير من الدلائل التي تشير الى أن الأمر غير مرتبط بأي تنظيم فلسطيني، أولها لم يحدث رسميا أن اعلن أي تنظيم تبني العملية حتى الآن، وثانيها، بأنه ومنذ العام 1994، كانت هناك ست عمليات أسر لإسرائيليين، لكن كان يتم الإعلان والتبني خلال ساعات قليلة فقط، وهذا لم يحدث حتى الآن، وثالثاً يكمن في عدم إعلان الجهة المسؤولة عن اختفاء المستوطنين هو أمر جديد لنا كفلسطينيين.
ويضيف الأقطش، كما أن من الدلائل الغريبة هي بأن أحد المستوطنين نجح في الإتصال بالشرطة وبالإبلاغ عن «الإختطاف» المفترض، فكيف لمنفذين عملية معقدة من هذا النوع، في شارع لا يخلو ليل نهار من الجيش والشرطة والمستوطنين، أن يسمح بمثل هذا الاتصال؟ فيما ردة فعل الإسرائيليين الذين بدأوا منذ اللحظة الأولى بحملة اعتقالات ضد حركة حماس، تبدو وكأنها خطة مُعدة مسبقاً في إسرائيل. كما أن ردة فعل إسرائيل أخذت عدة محاور، منها أن نتنياهو كان واضحاً في الرد على خطاب الرئيس عباس، عندما أعلن أن ما قاله لا يكفي، وأن على الفلسطينيين إلغاء حكومة الوفاق الوطني، التي لا دخل لها في السياسة أصلاً وإنما هي تدير شؤون الحياة اليومية للفلسطينيين بدون برنامج سياسي، والأهم هو ضرب البنية التحتية لحركة حماس في الضفة الغربية.
الأقطش أشار أيضاً إلى الأسرى الإداريين ورفاقهم من بقية الأسرى المضربين عن الطعام منذ شهرين، وكيف لم يعد أحد يتحدث عن قضيتهم ومعاناتهم، وهو أمر تريده إسرائيل فعلاً، وبحاجة إليه بكل تأكيد للتغطية على جرائمها بحق الأسرى الفلسطينيين.
الأمر الأكثر أهمية كما يصفه الأقطش، هو أن إسرائيل تحتجز الشعب الفلسطيني منذ عشرات السنين، وبالتالي فهي «ملك الإختطاف» فلماذا لا نشك بأن إسرائيل هي من اختلقت كل القصة كي تنفذ مخططها المعد مسبقاً للقضاء على الفلسطينيين بطريقة مختلفة هذه المرة؟
كما أن هناك أدلة على أن عملية إختفاء المستوطنين الثلاثة إن صحت، قد تكون عملية جنائية، وليست سياسية، وهناك مؤشرات عدة على ذلك، وهو الأمر الذي أكده قائد شرطة إسرائيل، بالحديث عن إمكانية قيام «عصابة» ما بتنفيذ عملية «أسر» الجنود لسبب ما زال مجهولاً حتى الآن.
أما لو كانت جهة فلسطينية هي من نفذت العملية فعلاً، فإنها ستكون المرة الأولى التي يتفوق فيها الفلسطينيون ليس فقط على الإستخبارات الإسرائيلية، وكافة أجهزة الأمن التابعة للإحتلال، وإنما أيضاً على استخبارات كافة الدول الحليفة لها، التي لم تستطع حتى الآن ان تعلن، الوصول لطرف خيط ولو بسيط، لكشف تفاصيل هذه العملية، بالغة التعقيد.
الكاتب الفلسطيني راسم عبيدات، قال لـ «القدس العربي» «لا شك أن عملية «الأسر» المفترضة لثلاثة مستوطنين اسرائيليين، قد ألقت بظلال سلبية على العلاقات الفلسطينية الداخلية، وعلى الشارع الفلسطيني، خاصة بعد خطاب الرئيس عباس في جدة، الذي طالب فيه بضرورة إطلاق سراحهم، وتركيزه على أن الانتفاضة والمقاومة هي أمور تضر بالفلسطينيين، وكأن المسألة هي المستوطنين الاسرائيليين، وليس قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه، وأسراه، وأرضه».
وتساءل: في ظل إضراب الأسرى الإداريين، وفي ظل وجود أكثر من خمسة آلاف أسير فلسطيني في شجون الإحتلال، كيف يعتقد الرئيس محمود عباس بأن عائلات الأسرى الفلسطينيين سيستردون أبنائهم؟ خاصة بعد إغلاق كافة منافذ الحل السياسي مع إسرائيل.
ويعتقد عبيدات أنه وفي ظل عملية الإعتقالات المتواصلة، التي تنفذها قوات الإحتلال الإسرائيلي، والتي طالت قيادات وكوادر في حركة حماس، وبرلمانيين من المجلس التشريعي الفلسطيني، وعدد آخر من باقي الفصائل الفلسطينية، فإن إسرائيل تهدف إلى ضرب البنية التحتية الفلسطينية بأكملها، كما هو الحال بخصوص تعطيل الحياة اليومية للفلسطينيين، وهو الأمر الذي أثر سلباً على العلاقة ما بين السلطة الفلسطينية، وحماس، وباقي الفصائل الفلسطينية.
«كنت أتمنى أن تكون مصالحة حقيقية» يقول عبيدات، «وتقوم على أساس ما يحتاجه الشعب والقضية، وليس على أساس المحاصصة كما حصل، وأرى أن المصالحة قد تتعطل فعلاً، على ضوء ما يجري على الأرض، وعلى ضوء تصريحات الرئيس محمود عباس حول المستوطنين، والانتفاضة والمقاومة، بدلاً من التركيز على مصالح الشعب الفلسطيني، وكل ما ترتكبه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.
والشارع الفلسطيني أبدى امتعاضه من تصريحات الرئيس، ومن الخط الذي تنتهجه السلطة الفلسطينية، وإن كان بسبب الضغوط الدولية عليها، لكن الشارع انزعج أكثر بعد أن علمت «القدس العربي» أن الدكتور صائب عريقات سيشارك في»مؤتمر إسرائيل للسلام» والذي سيعقد في الثامن من الشهر المقبل في مدينة تل أبيب، كما علمت أن من ضمن المشاركين رئيس مجلس المستوطنات السابق، ونفتالي بنت رئيس حزب البيت اليهودي، ورئيس جهاز الشاباك السابق يوفال ديسكن، والدكتور أحمد الطيبي وإيهود براك، إلى جانب عدد آخر من السياسيين الإسرائيليين، وسفير الاتحاد الأوروبي، وكان السؤال عن ماهية هذه المشاركة في هذا الوقت بالذات، وإسرائيل هي التي تتهرب من السلام.
على الجانب الإسرائيلي، بدا واضحاً وبدون أدنى شك، وبعيداً عن احتمالات اختفاء المستوطنين، سواء إن كانت إسرائيل وراء الأمر، أو جهة فلسطينية مجهولة حتى الآن، إلا أن إسرائيل كانت مستعدة أتم استعداد لمثل هذا الحدث، للإنقضاض على كل ما هو فلسطيني، بدءا من البنية التحتية لحركة حماس، وباقي الفصائل الفلسطينية، ووصولاً إلى باقي الفصائل الفلسطينية، وتعطيل المصالحة، وعمل حكومة الوفاق،
ومحاولة إجبار العالم على تناسي قضية إضراب الأسرى الإداريين، بذريعة أمنها وأمن مستوطنيها.
وكُثر هم الكُتاب والمحللون في إسرائيل الذين تناولوا ما يجري في الضفة الغربية من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي، وأن ما يجري على الأرض، يفوق بكثير قضية البحث عن المستوطنين فيما لو كانت حقيقية، ذلك أن إسرائيل لا تعمل فقط في الخليل «قرب منطقة اختفاء المستوطنين»، وإنما في كافة أنحاء مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، كما أنها لم تكتف بحركة حماس، وإنما كافة الفصائل، والبرلمانيين، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فيما يتعلق بالمحررين في صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط وأعادت اعتقالهم.
حركة حماس من طرفها، وفي آخر تصريحات صدرت عنها، قالت بكل وضوح أنها قادرة على إنتفاضة ثالثة، وإن كانت المقاومة وراء اختفاء المستوطنين الثلاثة فـ»نِعم المقاومة»، الأمر الذي زاد من حيرة الشارع الفلسطيني، وترقبه لمجريات الأمور منذ اللحظة الأولى لإختفاء المستوطنين، فيما ستزداد حالة الترقب هذه مع استمرار عمليات قوات الاحتلال الإسرائيلي العسكرية في مدن الضفة الغربية، ومع مرور
الوقت بدون معلومات أو تبن واضح لجهة ما لهذه العملية، الأمر الذي قد يسمح بمزيد من التوتر والإحتقان الداخلي على الصعيد الفلسطيني، وهو أمر لا يريده أو يطمح له الفلسطينيون، خاصة بعد سبعة أعوام من الإنقسام والقطيعة بين شطري الوطن، وبين فصيلين فلسطينيين كبيرين.
فادي أبو سعدى