‘ مدينة المرايا’ لروجيه عساف على مسرح دوار الشمس: الأستاذ يحتفي بصديقه غيراغوسيان ذي الهجرات الثلاث

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘ القدس العربي’ ـ من مازن معروف ‘ مدينة المرايا’ هو العنوان الذي اختاره روجيه عساف لعمله المسرحي الذي أعاد تقديمه في عرض واحد بالفرنسية وعرضين بالعربية على مسرح دوار الشمس. وعلى الرغم من تذبذب العنوان ما بين شكله (السوريالي)، ومضمونه ( الواقعي التصويري) والذي نتعرف إليه من خلال العمل ذاته، إلا أن غموضه شكل جزءا رئيسيا من لعبة عساف مع عين المتفرج وذهنه. أثار العنوان تساؤلات، لكنه أثار كذلك الفضول لمتابعة آخر تجارب المخرج المسرحي الرائد، والذي أسس باختباراته المسرحية، لأكثر من ثلاثة عقود، الأرضية التي نفذ من خلالها مخرجون شبان كثر، إلى قلب المسرح ‘ اللبناني’ المعاصر. فالعمل، لم يكن فقط مضبوطا في حيز الإخراج، والتنويع السينوغرافي، والتشكيل البصري والسمعي مسرحيا، والأداء والفكرة، بل احتكم إلى عاملين أساسيين هما: البحث التاريخي من جهة، ونفض العلاقة الشخصية ما بين المخرج عساف والفنان التشكيلي الراحل بول غيراغوسيان ذلك أنه عمل مسرحي احتفائي بغيراغوسيان، الصديق الشخصي للمخرج، والفنان الذي جمع ثلاث جنسيات وثلاث تجارب تاريخية ( الأرمينية، الفلسطينية، واللبنانية)، أرخت بثقلها على وعيه الفني والثقافي وتوجهاته في التشكيل واللون والكتلة. من هنا، كان لا بد من أن يتنازل المخرج أحد ابرز رواد المسرح اللبناني، لصالح استعادة غيراغوسيان على الخشبة، مع الإبقاء على مسافة كافية، تليق بطرفي المعادلة: الغياب ( الفنان التشكيلي)، والحضور ( المخرج بنفسه). فعساف لم يكتف بكتابة نص العمل المسرحي، وإخراجه، لكنه آثر أن يقدم نفسه على ركح المسرح كروجيه عساف، وليس كشخصية في نص مكتوب لممثل أو لمخرج، ذلك أن لا شيء يعادل صورة الغائب وذاكرته، سوى صورة آنية مقابلة لذاكرة سابقة تقاسمت وإياه مفردات الحرب، وماهية الإنسان وكينونته، وفلسفة الانا والوجود والتأمل والالم والفرح والتحدي والموت. لكن القيم المتوارية خلف كل هذا الكرنفال الاحتفائي التأملي، لا يستنبطها المخرج إلا لدواعي النص نفسه، ولأمانة الوقوف ومساءلة التاريخ وثقب مفاصله الواهنة التي اشتملت على مجازر وإبادات وهجرات لشعوب وسيطرة آخرين على أمكنتها ( قرار طلعت باشا إبادة الارمن في 24 نيسان / ابريل عام 1915، دعوة بن غوريون لطرد العرب من فلسطين في 5 تشرين الأول / اكتوبر عام 1937، الحرب اللبنانية و’ الانتقالات’ الداخلية التي اضطر لها الإنسان كيفما اتفق بين عامي 1975 و1977 وما تلاها). كان مفتاح هذا العمل المسرحي، صون المسافة المفترضة بطبيعة الحال ما بين: صديق وصديق / هوية وهوية / مخرج وفنان تشكيلي، ما مهد لعساف إدخال العوامل التاريخية، واقتسام اللحظات مع الجمهور هذه المرة، وعدم اضطراره للانجرار خلف التيار النوستالجي- الحنين، وبالتالي صون السياق المسرحي من أي ‘ ضرر’ ممكن. ولهذا شهدنا منذ بداية العمل، الدخول عميقا في حوار ما بين رأسين: آدمي ( روجيه عساف) وحجر، تاركا الخطاب المجازي الشعري أو الفني جانبا مسلطا الضوء على حراك الجماد وفراغ المادة. فالارتداد المبكر باتجاه المعنى الفلسفي/ الوجودي/ الفيزيائي ومحاولة وضع الأسئلة الرئيسية ومن ثم النفاذ منها لاحقا إلى التاريخ ( بكل تفرعاته)، شكلت مدخلا رصينا باتجاه صورة غيراغوسيان ونبش مؤثرات وعيه حضاريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا. كان ذلك هو النواة التي حفظت خصائص النص المسرحي وهويته، وفتحته على احتمالات عدة منذ البداية، ليتم صقله بذلك إلى مشهديات مستقلة، صبت جميعها في الغاية الاحتفائية بالفنان التشكيلي، ولم تشذ عن كينونة الأنا المسرحية. أما الانتقال ما بين تلك المشهديات المتعاقبة، فما كان لينجز من دون الابقاء على قطبة واحدة من المشهدية السابقة. جعل عساف لنصه ثراء ثقيلا، بحكم استناده إلى وقائع تاريخية مر بها غيراغوسيان وعائلته. فمن تركيا إلى فلسطين، ومن ثم لبنان، كانت تتوارى خلف صورة الفنان مدن كالقدس وبيروت وقرى مثل دير الزور، أو مخيمات للاجئين الفلسطينيين في لبنان. وفي خضم هذا الاستحضار للأمكنة، كان لا بد من توظيف الفيديو سينوغرافياً في أطر ثلاثة: أولا الاستعراض التصويري للوحات غيراغوسيان ( والتي طالما قال عنها الفنان الراحل بأن حركة يده تسبق لغته المنطوقة، وأن لوحاته هي الباقي الحقيقي منه). وثانيا: استعراض شخصي لصور غيراغوسيان ـ عائلته ـ ملامح هجرة الارمن / الفلسطينيين – أمكنة الفنان. وثالثا: التحريك الصوري لشخوص لوحاته حينا وحياته ( أمه وأبيه) حينا آخر. فالنفاذ إلى بول غيراغوسيان لا يمكن أن يتم إلا من خلال مناورة مزدوجة تخترق لوحته ومؤثرات وعيه، ذات البعد الاجتماعي – السياسي بمعظمها. يقول غيراغوسيان ‘ أنا ذرة بشرية ككل الذرات البشرية الأخرى’. جملته هذه، تتدخل في وعي عساف، فتُبنى عبرها إحدى مساحات اللعب في قلب النص المسرحي، وذلك لما تحمله من هشاشة ومواربة، وقوة على التملص والاستمرارية، وهي كلها ميزات قد يتحلى بها فرد واحد داخل مطحنة سياسية عنصرية. ولتقاطع تجربتي الصديقين خلال الحرب، تتشابك خيوط البيوغرافيا لكل منهما، ويعمل المخرج، في مختبره أمامنا، على تظهير قواسم مشتركة بينه وبين صديقه، لكن في نطاق مايكروسكوبي، لا نكاد نلاحظه. فولاء الزمن الحاضر، يتحول بالكامل باتجاه الزمن السابق، لأن الزمن الآني هو الزمن المُعايِن، المسؤول عن انكشاف الذاكرة الإنسانية جمعاء أمام الفرد. فروجيه عساف، الذي يتموقع في خانة ‘ الحكواتي المتأمل’ خلال العمل، يؤثر البقاء خارج الأداء المسرحي التمثيلي، فهو منعتق بالمجمل داخل دوره الشخصي ‘ الخاص’ كـ ‘ حكواتي متأمل’، إلا ان بنية النص في مشهديات متتالية، تفرض عليه وطء عالم بعض الشخصيات والولوج في صلبها، معتمدا على حركتها في إطار ظرفي – جمالي – موسيقي ( نشهد مقطعا حركيا راقصا يؤديه روجيه برفقة ممثل شاب)، أو جغرافي – سياسي – نتخيله، فنشهد بذلك تحولات حادة في الشخصية الصولو الماثلة أمامنا، تكسِّر حياد عساف، مشكِّلة مستويات بصرية ( الصورة الموثَّقة خلف شاشة الفيديو/ الصورة المؤداة أمام شاشة الفيديو) وزمنية ( مستويات الماضي، التي تشكل طبقات أو مادة مكثفة مهيأة للمكاشفة) تخدم رؤيته المسرحية، وأبعادا للسرد منعطفة في زوايا حادة. فننتقل بذلك من موقع المتماهي مع الفيديو المعروض، إلى مواجهة مع شخصية ‘ طازجة’ تكون قد استقدمت نصب أعيننا. وكأنها جُرَّت رغما عن التاريخ. وكأنها كسرت شاشة الزمن، لتعبر إلينا طالبة أن نتحسسها ونتواطأ معها. لكن هذه الانتقالات التي نشهدها، لا تتم بمعزل عن السينوغرافيا والغرض المباشر منها. فالصندوق الخشبي على المسرح ( يستعمله تارة للجلوس وتارة لتمديد الضحية الوحيدة الشابة التي ترمز لغيراغوسيان الصديق والإبن)، وشاشة الفيديو المقابلة لنا، والشاشة الالكترونية المصممة على شكل تابلوه للرسم في الجانب الأيمن على الخشبة، لا تتدخل في العمل المسرحي إلا عند الضرورة. وهي تهدف إلى إغناء ‘ قصة’ الفنان الراحل ذي الهوية المثلثة، أما الموسيقى والإضاءة، فتأتي طوعا لمناخ العمل بالدرجة الاولى من دون أي توسع أو زخرفة أو تطرف أو فانتازيا. فهي مؤثرات سمعية وبصرية لا يستقل استعمالها، أو يخطو ابعد من غاية النص، أو المشهد المصوَّر. هي وظيفية بحتة، مخففة مقابل إثقال الصورة المستبطنة لغيراغوسيان. هذا الاستعمال المقتضب والمحدد لعناصر السينوغرافيا ( بما في ذلك الثياب، والعصا التي يستعملها عساف أثناء تأدية أحد مشهديات التهجير الارمني والفلسطيني على السواء، والنظارات السوداء خلال تأديتها السريعة لشخصية والد غيراغوسيان الموسيقار الضرير في القدس)، تدلنا في المقام الاول على رؤيا عساف المخضرم مسرحيا، والذي يولي النص في هذا العمل اهتماما أوليا نظرا لحميميته، كما تدلنا أيضا على تحكُّم المخرج بالمواد المسرحية التي فرضت نفسها إزاء البحث في التاريخ وسيرة صديقه، وذاكرته هو. إلا أن تأمل عساف لقيم محددة ( التضحية، الإيمان، الشك، اختبار قوة النفس، العلاقة بين الدين والبشر، الألم، الموت، أفقية العالم..) والاسهاب في إحاطتها بالأسئلة المباشرة وتلك البديهية المفخخة، يتبلور بحسب تفاصيل مر بها الفنان الغائب نفسه كالتهجير، تذبذب أبعاد الهويتين الأرمنية والفلسطينية في عالمه الداخلي، الاعتقال في لبنان، بتر ساقه، تجربته في الانتقال من رسم الكائن المفرد أو الثنائي: الأم ـ الطفل إلى رسم الجماعة ـ الكتلة المتراصة. ووقوف المسرحي أمام كل هذه ‘ الأحداث’ وأسبابها، يؤمن له سبيلا للنفاذ، وبأناقة، من صورة غيراغوسيان إلى صوره هو، المخدوشة بفعل غياب صديقه، ما يرسم الإطار الكامل مسرحيا لهذه العلاقة ما بينهما، ويوازن طرفي النص، بخفة ساحر يتناول الأرانب البيضاء من كومة خرق رمادية هي نسيج التاريخ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية