لا تُشركوا أمريكا في مواجهة «داعش»

حجم الخط
3

■ يبدو تنظيم «داعش» مشكلة تواجه الجميع، العراق وسوريا ولبنان والاردن بالدرجة الاولى، كما سائر العرب، ولا سيما السعودية ودول الخليج. حتى الولايات المتحدة تقول انها مهدّدة من «داعش» لكونه تنظيما ارهابيا، وتدعو ايران الى التعاون لمواجهته.
ايران متضررة ايضا من توسّع «داعش» ومن تداعيات سيطرته على شطر من بلاد الرافدين. ذلك ان سيطرة «داعش» واحتمال توسعه شرقا يهدد مصالح حلفائها في بغداد وفي المحافظات الجنوبية. اعداء ايران يحيطون بها من جهات ثلاث، فهي بغنى عن عدو اضافي يهددها من جهة الغرب.
السعودية وحلفاؤها الخليجيون مهددون ايضا، ذلك ان خطر تمدد «الجهاديين» اليها ممكن ولا يجوز استبعاده. صحيح ان الدول العربية المحافظة ستكون سعيدة اذا ما قام «داعش» بفك ما تسمّيه الحلقة العراقية في سلسلة «الهلال الشيعي» الممتد من ايران الى البحر المتوسط عبر بلاد الرافدين وبلاد الشام بما فيها لبنان. لكنها تتحسب كثيرا لمرحلة ما بعد سيطرة «داعش». ذلك ان لا احد يستطيع ان يضمن لدول جزيرة العرب الا يتمدد «الجهاديون»، بشكل او باخر، الى عمق الديار للسيطرة على مصادر الثروة وسلطة القرار.
في الظاهر، يبدو «داعش» عدوا مشتركا لدول العرب المجاورة للعراق وسوريا، كما لايران، وحتى لتركيا ناهيك عن امريكا وحلفائها الاطلسيين.
حكومات سوريا والعراق وايران ترفض هذا التحليل.. تعتبره تبسيطا لمشكلة قائمة ومتفاقمة مصدرها الولايات المتحدة. أليست هي وحلفاؤها العرب المحافظون من سمح لتنظيم «القاعدة» بالنشوء والارتقاء واستأجر خدماته في مقاتلة قوات الاتحاد السوفييتي (انذاك) في افغانستان؟ ألم تُقدم على الاستعانة ببعض التنظيمات «الجهادية» في الصراعات الدائرة في سوريا والعراق ولبنان؟ ألم يتسلل مقاتلو هذه التنظيمات الى سوريا والعراق عبر حدود تركيا الاطلسية مع جيرانها؟ وقبل ذلك كله، أليست امريكا من احتل العراق عام 2003 وحلّ الجيش العراقي، مفسحا المجال امام قوى الاسلام «الجهادي» للنمو والتوسع، ظنا منها انها تشكّل سدا منيعا في وجه القوى الوطنية والقومية المعادية لها؟
ايران تبدو مشككة بموقف امريكا. مساعد وزير خارجيتها حسين امير عبد اللهيان رأى ان الرئيس الامريكي اوباما (الذي دعا طهران للتعاون من اجل دعم العراق) يفتقر الى «ارادة جدية لمحاربة الارهاب».
طهران تأخذ على واشنطن ارتكابها «الخطأ الاستراتيجي في سوريا بعدم التمييز بين الارهابيين والمجموعات السياسية المعارضة، مما زاد الارهاب ونشوء جماعات مثل «داعش» تفاقما». فوق ذلك، يرى عبد اللهيان ان امريكا تقوم بتعزيز الطائفية في العراق، معتبرا ان «تأخير مكافحة «داعش» ووضع شروط لمكافحته يعززان الشكوك في اهداف الولايات المتحدة في المنطقة».
لعل لتشكيك طهران في اهداف واشنطن في العراق والمنطقة سببا اضافيا. ذلك ان «خبطة» «داعش» في العراق تزامنت مع الجولة الخامسة من مفاوضات فيينا النووية بين ايران والدول الست الكبرى، وربما تكون السبب في فشلها، اذْ من الممكن ان تكون الولايات المتحدة قد وجدت في حملة «داعش» الاخيرة وسيلةَ ضغطٍ ناجحة على ايران من خلال الضغط على جارها وحليفها العراق.
حتى لو امكن الفصل بين المفاوضات النووية والحال العراقية، فان ثمة مسائل ثلاثا تقف في طريق «التعاون» المحتمل بين الولايات المتحدة وايران في مكافحة الارهاب المتمثل في «داعش»:
المسألة الاولى هي مصير نوري المالكي. ذلك ان ايران تعارض تنحية حليفها في عز الحرب التي تشنها «داعش» على العراق. ان اختيار بديل للمالكي مسألة يكتنفها الكثير من الصعوبات في زمن السلم، فما بالك في ايجاد بديل في زمن الحرب؟ قد توافق ايران، من حيث المبدأ، على تغيير المالكي بعد القضاء على «داعش» ولكن ليس قبل ذلك.
المسألة الثانية هي موقف السعودية من التعاون المقترح بين امريكا وايران. فللسعودية ثلاثة شروط محتملة في هذا المجال. اولها تنحية المالكي وابداله بآخر يرضي التكتلات السنّية في البرلمان العراقي. ثانيها التفاهم على شكل التدخل الامريكي في الحرب، فالسعودية تفضل عدم التدخل المباشر لانه يشكّل تبريرا لايران بالتدخل المباشر ايضا. ثالثها، ان يسبق التعاون بين واشنطن وايران اتفاق بشأن البرنامج النووي الايراني وتفاهم على مستقبل الوضع في سوريا.
المسألة الثالثة مشروعيةُ التدخل الامريكي وجدواه، ذلك ان تدخل واشنطن يستولد معارضةً واسعة لدى القوى الوطنية والقومية العربية دائمة التشكيك والتخوف من الولايات المتحدة ومخططاتها التي لا تخدم في نهاية المطاف الا مصالحها وما تسميه أمن «اسرائيل». والمرجح ان تتجاوب حكومات سوريا وايران وروسيا مع موقف القوى الوطنية العربية، ولا سيما قوى المقاومة، فتدعو الولايات المتحدة الى عدم التدخل في العراق بالمطلق، وفي حال الضرورة فليكن ذلك بالتفاهم مع الحكومة العراقية ووفق شروطها واهمها عدم الافتئات على سيادة العراق.
من الواضح ان العراق يعاني معضلة وجودية منذ الاحتلال الامريكي وتداعياته المحلية والاقليمية. ولا شك ان حرب «داعش» الاخيرة عليه تعرّضه للتفكيك والتقسيم. تفادي تدمير العراق وتقسيمه وتشريد شعبه يقتضي ان تتحمل القوى الحية في الامة، سواء في الحكم او في المعارضة ولاسيما قوى المقاومة، مسؤوليتها القومية التاريخية، فتجترح مشروعا للانقاذ الوطني، نقترح له الاسس الاتية:
اولا: مواجهة حملة «داعش» الارهابية بكل الوسائل المتاحة، واعطاؤها اولوية مطلقة في العمل الوطني والحراك السياسي والقتال الميداني.
ثانيا: رفض تدخل الولايات المتحدة في الصراع الدائر في العراق وسوريا وعليهما، فالقوى السياسية الوطنية في الحكم والمعارضة، كما قوى المقاومة، قادرة بقواها الذاتية على صد «داعش» ودحره، واذا ما احتاجت الى السلاح والعتاد فهي قادرة على شرائه باموال عربية من كل المصادر المتاحة، بما فيها روسيا، وقادرة بالتالي على حسم المواجهة وفق شروطها.
ثالثا، تداعي القوى الوطنية العراقية بكل تلاوينها الى عقد مؤتمر وطني جامع وعاجل لتدارس الازمة بجميع وجوهها، ووضع برنامج سياسي لمواجهة تحدياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، والتوافق على تأليف حكومة وطنية جامعة تأخذ على عاتقها تنفيذ برنامج الانقاذ الوطني، ومحاسبتها امام البرلمان وفي المؤتمر الوطني الدائم الحضور والانعقاد طالما الحرب قائمة.
التحديات التي تواجه الامة كثيرة ومتشعبة، وهي على درجة من التعقيد والخطورة تستوجب توليد تعبئة وطنية عامة لمواجهتها، ووعيا بضرورة مجانبة التورط في تحالفات مع قوى خارجية لا تخدم الا مصالحها المتعارضة في الغالب مع مصالح الامة، وان الخلاص الوطني باستقلالٍ وحرية وكرامة لا يتأمن الا بالاعتماد على النفس، وتوظيف قوانا الذاتية، وهي كثيرة وغنية، في خدمة اهدافنا واولوياتنا في شتى ميادين الصراع.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية