الخيارات الأمريكية – الإيرانية في العراق

حجم الخط
1

مع الاستمرار في قرع طبول الحرب في العراق وحشد المتطوعين الى بغداد، يمكن القول ان وراء الظل كل من امريكا وايران تستعجلان البحث عن حلول توقف استمرار القتال بانتظار صياغة سياسية ممكنة خلال الفترة المقبلة، تعيد الأوضاع الى قدر من الممكن، بانتظار الوصول الى حل سياسي.
أمريكا تقلقها الحرب في هذه البقعة بالذات بسبب موقع المعركة النفطي، وهو ما يعني ان الامريكان الأمناء على استقرار سوق النفط وتأثيراته على الاقتصاد العالمي، باعتبار التأثيرات الاقتصادية ستصيب عمق الاقتصاد الامريكي، ومن ورائه عودة الازمات الماضية من جديد. فالحرب تعني صورة من التمدد الايراني في الجغرافيا العراقية، وهو تمدد يقلق أمريكا، التي هي بالفعل حريصة على اغراق ايران بالحروب بغية استنزافها، لكن هــذه الحرب لا تخدم امريكا، التي تفهم انها الحرب المجنونة الــــتي يمكن اطــــلاقها، ولكن قرار وقفها غير ممكن، فأمــــريكا تدرك أن اعلان حربها على «القاعدة» هو الخــــطأ القاتل الذي ارتكبــــته ذات يوم، ومثل هذا الاعلان لا يمكن العـــودة عـــنه أمام الرأي العام الامريكي الذي يفهم ان لديه دولة في مواجهة مجموعات شاردة، بينما هنا عمق الازمة، فالأمريكان استهانوا بفكرة اطلاق الطريدة واصطيادها، فأنجبت لهم هذه الفكرة صورة الفوضى، وإذا كانت «القاعدة» وانفلاتها وفق العقل السياسي الامريكي هي احدى الازمات، فالأيام انجـــبت تكرار نسخة «القاعدة»، وتكرار طرائد حقيقية تمارس رغباتها بالاصطياد المعاكس.
لا تريد أمريكا نقل الحرب الى دول الجوار، ولكنه خيار صعب، فالحرب في العراق بوابة لا يمكن اغلاقها في الصراعات الدولية، ولا أعني الروس هنا، لأنهم في السياسة هم جزء من خيار أمريكي صغير، وفي المسألة العراقية هناك تدافع هائل، سيعمل على اعادة تقسيم جغرافي وتأهيل المنطقة لصراعات ليس بالضرورة أن تكون طويلة، لكنها ستعيد انتاج سياسة المنطقة العربية بجيوشها ومثقفيها ضمن معادلات جديدة. هي صراعات ستعيد استحضار التاريخ السياسي لا الديني فحسب، وسيكون الهم الأكبر ايجاد رؤوس قابلة للحوار أو الحديث معــــها للاحتياجات السياسية، واذا كان ذلك متعذرا، فالأمريكان لا يملكون المغامرة بالقبول بحالة من التريث ريثما تشتعل المنطقة ويصبح عندها موقع الامريكان ضمن دائرة فاقد السيطرة.
واذا كانت الحرب الطويلة المفترضة ستتوقف في المستقبل، فالأمريكان لا يعلمون أي مستقبل سيكون، وأي قوى يمكنهم الحديث معها ومدى قبول هذه القوى لفكرة حوار في جغرافيا تكون مقسمة بالفعل، هي ليست جغرافيا صغيرة على شاكلة قواعد «القاعدة» في اليمن، هي بيئة كاملة أصبحت حاضنة طبيعية، وقادرة على اكتساب شرعية في البيئة وأيضا في الجوار بفعل عوامل القلق المعروفة.
ايران من جانبها تخشى هذه الحرب وتعيش هواجسها لحظة بلحظة، والخطاب الديني الايراني هو سياسي محض، ولا يعني بالضرورة دخول الايرانيين علنا تحت بند حماية المراقد، ولكن هو استحضار سياسي للوصول الى حلول ممكنة، فالإيرانيون يعيشون ذاكرة حرب العراق السابقة، وهم بعد ذلك اكتشفوا حروب الوكالة، التي تعفيهم من المواجهة وتشغل العالم عنهم، وهو ما انتج تأخير الضربة الامريكية لإيران، وفتح آفاق النووي الى ما وصل اليه، لذلك تدرك ايران أنها على بوابة استنزاف خطيرة، ومواجهة مصيرية لا تستطيع البدء بها لأنها ايضا تدرك انها ستخوض حربا في جغرافيا شاسعة لا مجال فيها للانتصار، فالحرب الايرانية العراقية السابقة تعتبر محدودة جدا قياسا في جغرافيا طويلة وقاسية، اضف الى ذلك انها ستواجه قوى غير تقليدية لا تهمها الجغرافيا ولا تقاتل للحفاظ على جغرافيا معينة اسوة بالجيوش، فأي انتصار واحتلال أي جغرافيا لا يشكل رقما ولا يعني شيئا، لأن الحرب هذه بالتحديد هي حرب العنصر البشري، وقيمة الجغرافيا فيها قـــــد لا تساوي شيئاً، فاحتلال الايرانيين للموصل مثلا، لا يساوي معادلة قرية صغيرة في الحرب العراقية الإيرانية الماضية.
امريكا وايران تدركان ان ثمة حلولا قادمة في العراق ذات طابع امني، وايران تدرك أنها بكل المعادلات القادمة هي خسرت قسما كبيرا من اللعبة، وتدرك ايران أن التعويض لن يتم عسكريا، أما الحديث عن حرب دينية وغير ذلك فهذا غير ممكن، فالمصالح السياسية أكبر من الجميع، وحرب العراق الكبيرة يمكن اختزالها مستقبلا بسلسلة من الـحـــروب الصغـــيرة، بين الموصل وكركوك مثلا، وبين الموصل والموصل أيضا، فتجربة العرب في داحس والغبراء هي احتمال دائم ومتاح دوما، ما دام العقل السياسي العربي يعيش أزمة التعطيل المعروفة. كم تريد أمريكا ان تغرق ايران في مزيد من وحل العراق، ولكنها لا تريد هذا الان، وكم تريد ايران ان تأخذ المزيد، ولكنها امام استحقاق سيعيد وضع السياسة الايرانية امام حسابات كثيرة.

٭ كاتب فلسطيني

أيمن خالد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية