الارتباط لم يصبح الجنة المفقودة: عوانس يتبرعن بـ”العفش” بعد تبدد حلم الزواج

حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: حملت سناء “الكرتونة” التي يعلوها التراب وغبار أمنيات تبددت في انتظار فتى الأحلام الذي كثيراً ما تسلل لها طيفه في الخيال، وقررت بإصرار مقاتل فر من “كتيبته” قبيل اندلاع الحرب، ان تذهب حيث منزل الشيخ عبد ربه، الذي افتتح جمعية لمساعدة المتعسرين في الزواج بالقرب من منطقة البساتين التي تجاور مقابر تضم مسلمين وبعض اليهود. لم تأت بغرض البحث عن دعم تكمل به مشروع العمر، بل من أجل التبرع بالأجهزة الكهربائية البسيطة التي ادخرتها لمشروع الزواج الذي طال انتظاره. بنصف ابتسامة ووجه مشرف على “الآخرة” أخرجت سناء خلاطا كهربائيا دفعت قيمته أمها قبل عقدين كعادة نساء مصر من أبناء الفقراء والطبقة المتوسطة اللواتي يقمن بتجهيز بناتهن للزواج منذ الصغر. كما أخرجت مجموعة من القدور والأطباق وبدون ان تنظر لوجه “سيدنا” قالت: “أنا متبرعة بها لأي واحدة ظروفها صعبة”. حرصت على ألا تعطي الفرصة لأي من المتواجدين في المكان لفتح مجال للحديث، فلديها ما يكفي من إحباط بعد ان تلقت أشد صدمة من خطيبها الذي انتظرته طويلاً والذي أنهى العلاقة عبر رسالة على الماسنجر “المصنع قفل وكل الموظفين تركوا الشغل، سامحيني حرام تضيعي من عمرك خمس سنين أخرى في الانتظار”.

سناء ليست الوحيدة التي قررت ان تقدم على هذه الخطوة، فقد سبقتها للفكرة نفسها جارة لها تدعى لطيفة، التي اكتشفت ان بعض الأواني التي جهزتها بها أمها منذ ان كانت طفلة علاها الصدأ، حيث ماتت الأم وظلت الأواني فوق الدولاب ولم يطرق الباب أي “مرسال”. بالصدفة اكتشفت ان معظم المفروشات التي اقتنتها أصبحت على وشك التلف، فقد مضى على شرائها ثلاثة عقود.

يحكي سيدنا عبد ربه، حكايات مذهلة عن بعض المتبرعات اللواتي أصبحن أكثر شجاعة في المبادرة بالتبرع لجاراتهن من المقبلات على الزواج، وشدد على ان التبرع لتجهيز المقبلين على الزواج يعد أحد أهم أبواب فعل الخير. أما المحامي طارق لطفي، الذي يعمل كذلك مأذوناً شرعياً فأكد لـ”القدس العربي” ان الغلاء والكساد وندرة الوظائف أصبحت الثالوث الذي يحول بين الشباب وبين الإقدام على الزواج، فضلاً عن ارتفاع نسبة الطلاق بشكل يهدد بفوضى مجتمعية. يذكر ان مصر احتلت المركز الأول على التوالي على مدار خمسة أعوام في نسب الطلاق. وفي محاولة الغرض منها مقاومة الطلاق، أعلنت جهات رسمية تتبع وزارة التضامن الاجتماعي، مبادرات توعية للمواطنين من خطورة الطلاق. وأشار المستشار نادر سعد، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، إلى مبادرة “مودة” التي تعزم الحكومة إطلاقها قريبا لحماية كيان الأسرة، إلا ان نسبة الطلاق في مصر أصبحت تمثل خطراً كبيراً ينبغي التصدي له. وكشف عن أنه بينما يتم عقد قران 980 ألف شخص في العام، ينتهي الأمر بـ 198 ألف حالة منها بالطلاق، أي ان هناك 20 في المئة من الزيجات الفاشلة ينتهي الحال بها للطلاق. وأشار إلى أن المبادرة تشمل تقديم دورات تدريبية مكثفة للمقبلين على الزواج، كما سينضوي تحتها المجندون في القوات المسلحة وطلبة الجامعات والمقبلون على الزواج. وتابع: “أن المبادرة تضم عدة وزارات في مقدمتها التضامن الاجتماعي والأوقاف”. ومن الإحصائيات ذات الدلالة والتي تشير لاستفحال خطورة ظاهرة الانفصال، أن نسبة الطلاق في السنوات الثلاث الأولى من عمر الزواج تقترب من 40 في المئة، وترتفع بين الأزواج صغار السن من 25 إلى 35 عامًا. وشدد على ان المبادرة تستهدف علاج أسباب الظاهرة وبث الوعي لدى الطرفين للحفاظ على كيان الأسرة المصرية. وبات قرار التبرع بمشتملات الزواج التي تعد من عادات الأسر المصرية، حيث يتم تجهيز الفتيات منذ الصغر لتوزيع الأعباء، بات ذلك القرار يمثل وصمة لكثير من العائلات وأصدقاء المتبرعات، إذ يعد اعترافاً صريحاً بأن العمر ولى والحلم مات قبل ان يدفن.

بأسى تجسده ابتسامة ذابلة تشير منال محمود، خريجة بكالوريوس خدمة اجتماعية، إلى حجم الشعور بالخيبة عندما تنظر للصناديق الملقاة فوق دولابها والتي كانت تمثل في الماضي عامل بهجة وأملا كلما أحصت محتوياتها “خلاص معدش فيه أمل”. قررت منال ان تقسم مقتنياتها على فتاتين فقيرتين إحداهما يتيمة في الحي الذي تعيش فيه حيث تعاني الفتاتان ضيقاً في العيش يحول بينهما وبين خروج مشروع الزواج للنور.  تتابع منال “ضاعت دنيتي وراء وهم لم يتحقق لذا قررت ان أعمل حاجة تنفعني في القبر”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية