«ليس الشعر تحريرا للعاطفة، وإنما وسيلة تخلص من العاطفة، وهو ليس تعبيرا عن الشخصية، وإنما وسيلة فرار من الشخصية، وطبيعي أن أولئك الذين يمتلكون شخصية وعواطف، هم وحدهم الذين يعرفون ما تعني إرادة التخلص من هذه الأشياء» ت س. إليوت.
تتفق جل معاجم العربية على أن الهواجس تدل على: مَا يَخْطُرُ مِنْ أَفْكَارٍ أَوْ صُوَرٍ بِبَالِ الْإِنْسَانِ نَتِيجَةَ قَلَقٍ أَوْ حَيْرَةٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ شَيْءٍ مَّا. والهاجس: الْخَاطِرُ الَّذِي يَجُولُ بِبالِ الْمَرْءِ قَبْلَ النَّوْمِ وَبِالأَخَصِّ عِنْدَمَا يَكُونُ بِهِ قَلَقٌ أَوْ حَيْرَةٌ. وهاجس: ما خطر في البال ووقع في القلب من هم أو غيره. والهواجس: أفكار أو تصورات تسيطر على فكر المرء يصعب التخلص منها. وفي الحديث: وما يَهْجِسُ في الضمائر أَي وما يخطر بها ويدور فيها من الأَحاديث والأَفكار.
أما المكون الثاني في العنوان: «قرصان» فهو يحيل على عالم البحار، وبالضبط ، على ذلك البحار الخارج عن القانون، يسطو على السفن ويسلب ما فيها. وبقدر ما هو مطارَد، مطارِد، والقرصان دال ينصرف إلى مدلول التمرد، والمباغتة والمهارة وشدة التحمل، مثلما ينصرف إلى الرغبة الخفية في عدم الانصياع لأي دائرة تسحق الذات. والقرصان بهذا الفهم يتقاطع مع كثير من أخلاقيات المروءة ونبذ الظلم، والوعي به، وإدراك أن سر الحياة في هوامشها المتعددة وليس في دوائرها المألوفة، وهو أيضا يتقاطع مع الشاعر بوصفه ذاك المتصيد لكل منفلت، وتلك العين الحادة التي ترى ما وراء الأفق باحثة عن المعنى المتستر في خضم حياة مشتركة، وذلك الحر، المتمرد على القوالب الجاهزة، بل إنه الإنسان وهو يمخر عباب الحياة، يتصيد لحظاتها، يصيب ما يصيب؛ ويصيبه ما يصيبه، هي (الحياة) التي لا تفرق عن البحر، كلاهما يرمز إلى المطلق واللانهائي.
الشاعر لا ينظر إلى المرأة كونها مجرد أنثى، بل تتعدى هذا التناول التقليدي إلى اعتبارها المعادل الموضوعي لاستعادة التوازن، وأنه بالحب يمكن للمرء أن يجد للأشياء معناها وقيمتها.
هاجس الذات:
إذا كان مشروع كل «أتوبيوغرافي» هو: «أن يقدم صورة عن نفسه من خلال التركيز على ما يجعله فريدا ومميزا»، فإنه يمكن لنا، أن نطالع سمات هذا المشروع في ديوان: «هواجس قرصان» حيث «الأنا المتكلمة»، تريد دائما أن تعطي للقارئ صورة عن نفسها، وتقربه من همومها الخاصة والشخصية، وتحيطه علما بأهم محطات حياتها، خاصة تلك التي تميزها وتفردها كذات: «أيتها الصديقات الخضراء/ سأخرج من قبعتي نهرا يشبهني/عميق المعنى غائر القرار» (في مديح الأروكاديا)، ويظهر هذا الهاجس من خلال الإصرار على أن الكتابة/الإبحار، عليها أن تجعل من الذات مجراها ومرساها: «سمكتي الصغيرة/ تضبط برنامجها اليومي/ على عقارب أحوال طقسي/ وتوقعات أرصاد شعري/ ترهف السمع للقمر/ لمعرفة مواقيت المد والجزر/في تنظيم حركة الملاحة/ مني إليّ». ويظهر (هذا الهاجس) أيضا من خلال توصيف هذه الذات، ومحاولة ضبطها وضبط ما يجعلها متفردة، بل إن هاجس التعريف بالذات، ومعرفتها هو من كان وراء اختيار «حمود» الشعر، وهو اختيار اقتضاه مقام التعبير، وسينزع عنه جبة الشاعر حالما يحقق هذا الامتلاء: «فلا تقلقوا إن طال الغياب رجاء/ لن أعلن عليكم هذا الحرف بعد اليوم ولن أكتبه أنا هو أنا هو / أنا هو أنا هو».
وعلى الرغم من هذا الحضور القوي للذات، فإننا لا نلفي أنفسنا في مواجهة ذات غنائية منكفئة على نفسها، كما نجد في قصائد الرومانسيين، بل تحضر (الذات) كموضوع للتفكير والسؤال والمعرفة، وهو موقف يستند إلى خلفية فلسفية تذهب إلى أن: «أبلغ ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يعرف ذاته بذاته» وينسجم أيضا مع نظرة حداثية ترى أن: «الأدب، ببساطة، هو تحديق الإنسان لنفسه في نفسه، وفي أثناء قيامه بذلك يبدأ خيط الوعي في النمو، ويلقي الضوء على هذه النفس»: «بالنظر إلى مستوى ارتفاعي عن سطح القطيع/ اخترت الطريق الذي لا يؤدي إلا إلى نفسه/ حتى لا يشغلنا هدف عن المسير/ فنحن لا نريد الوصول إلا إلينا».
ونحن نطالع سمات هذا الحضور القوي للذات لا يمكن للقارئ أن يخطئ ما تميل إليه (هذه الذات) من نزعة وجودية، تلك النزعة التي تمجد الحرية، وتنادي إلى الانطلاق والتحرر من كل التزام أو قيد، وتجعل الذات المنطلق والمنتهى لكل فعل: «لا شيء يبعث على التوجس كما ترين/ الإطاحة بالنظام من صلب اهتمامي/ كي نحكم ذاتنا بذاتنا/ ونعيش لنا لا لغيرنا// ونعجن بأيدينا/ قدرنا الأرضي كما نشتهيه نحن/ لا كما تخطط له على مقاسها/ ملائكة محلقة حالمة/ في ردهات المحكمة العليا».
وكأي ذات وجودية، تحب الحياة، فهي تتميز بالمكابرة والصمود؛ تتحدى، وتعاند أنواءها، وترفض أن تنصاع إلى الاستسلام، ففي الوقت الذي يقر فيه الشاعر بخيبة أمل التوقعات «لم تزهر الريح التي زرعت/ غير الأعاصير والأنواء/ والرهائن الذين ملأت بهم العنابر/ لم تكن فديتهم مغرية كما توقعت/ والسماء المقطبة الحاجبين/ ما استطاعت ملحي أن تضحكها / والحوريات هجرن أعالي بحاري /غيرن مسالك العبور»( قصيدة هواجس قرصان عنيد) ما يفتأ أن يستدرك ويعلن عن إصراره على المقاومة، وعدم الانسحاب: «غير أني وإن خسرت معاركي /سأعيد ترتيب الكون بما يليق بهزائمي/فقبعة القرصان على المشجب/ وإن بات كالح لونها /ما زالت تليق بي/ وأنا وإن كنت كسرت الصواري/وألقيت ما غنمته في البحر/ وأحرقت مركبي وسقطت/ فليس كل سقوظ نهاية». هذا الإصرار، وهذه المكابرة، جعلا الشاعر يتماهى مع «الدونكيشوت» محارب طواحين الرياح «بل إنه يصرح بهذا التماهي والتقاطع لفظا في قصيدة: القرصان الهرم»: «وبأني أقضي سحابة نهاري/ ألوي أعناق الرياح / أتدرب على الحروب/ والضربات الخاطفة».
وهي أيضا ذات عاشقة تعبر عن تجارب عشق حسية، يستخدم فيها الشاعر لغة الجسد المعبرة؛ فالمرأة تشكل في القصيدة محورا، بل إنها السؤال الذي تأتم القراءة به، وتحضر المرأة عند الشاعر تلك المشتهاة في السر: «فكل شيء يهون/ للإيقاع بك في شباكي/ للهروب بك بعيدا عن العيون/ إلى أغوار خلجاني/ وشعاب مرجاني». وهي السبيل الوحيد لانبلاج الفرح، والغبطة في النفس، لهذا، يأتيها وفي نفسه وفاء لا حدود له، متغلباً على ما يقيد النفس من الانطلاق، وهنا تتجسد النزعة الروحية التي نجدها في قصائد تمجد الحب والمرأة، وتسعى إلى صفاء الروح والجسد: «فأنا أخشى أن تهب عليّ في الهزيع الأخير من الحب، تيارات هواء المعرفة، أو عواصف السياسة والانتخابات، أو وصلات إعلانات المطهرات، ونداءات باعة الأوهام في سفوح المدن السياحية السفلى… فما عادت تهمني أحوال الطقس أمس، ولا مصائر هيكل سليمان بالقدس، ولا أخبار الأخوات أو أثمان الخرفان، ولا مرتبة وطننا بين الأوطان، ولا أنظمة المال والأعمال، تلك أشياء لا تستحق مني أي حماس» (بريد القبعات).
تصبح الذاكرة نوعا من الجهاد ضد الغياب، فإن تتذكر يعني أنك موجود، وأنك مازلت تملك القوة اللازمة لصياغة الحياة، وليس مهما أن تخسر الواقع مادمت تحتفظ بالرغبة في استعادته.
والشاعر لا ينظر إلى المرأة كونها مجرد أنثى، بل تتعدى هذا التناول التقليدي إلى اعتبارها المعادل الموضوعي لاستعادة التوازن، وأنه بالحب يمكن للمرء أن يجد للأشياء معناها وقيمتها، ويمكن له أن يشعر بالأمل وبتسامي الروح، لذلك تحضر المرأة عند الشاعر مرادفا للميلاد: «أشتهيك في الخط الخلفي للجبهة/ كما يشتهي قناص قلب طريدة برية/…/كي أشعر بنار الشوق تذيب جسدينا/ وتنفخ في الطين صورة خلق جديد». ينطلق الشاعر من قناعة أنه بدون الحب لا يمكن أن نتغلب على المأساة، وأن ضياع الآخر(المرأة) كأصل منبع الخلاص، هو أيضا ضياع للهوية، وأن افتقاد الحب هو في حد ذاته افتقاد لطاقة الفعل والإبداع: «ها قد أعلنت عليك هذا الحب جهارا/ فامرحي أميرة قلبي/ اغسلي وجهك بعذب حناني/ وغردي عصفورتي/ كي تمد أعناقها قصائدي» (قصيدة المزارع القديم).
تحضر الذات أيضا وهي تنوء بثقل الزمن، بدءا من الأوصاف التي يستخدمها الشاعر، من قبيل: القرصان الهرم «المزارع القديم» حلم الموريسكي الأخير «حارس الحقل العريق» وصولا إلى تقديم الزمن سارقا للأحلام، ومغيبا للأحبة، والعدو الذي لا يهزم. وقارئ الديوان يقف مليا على مركزية الإحساس بالانكسار أمام سطوة هذا الزمن وفعله التدميري: «هل تذكرون يا أصدقاء/ كنا صغارا/ منتصف القرن الماضي بقليل/ وها أنتم ترون اليوم يا أصدقاء/ بعيونكم المضببة الكليلة/ كف عن وجوهنا حب الشباب/ ونجحنا في الامتحانات/ لكننا رسبنا في الحياة». أمام هذا الانكسار، لم تجد الذات بدا من الانجذاب إلى الماضي، ذلك الماضي البعيد الذي مهما أوغل في بعده يعود قريبا، بل يتحول إلى ديمومة صاعقة الحضور، يصوغها الشاعر بأسلوبية غنائية حزينة شفافة تتدفق من خلالها الطفولة: طفولة الأشياء، طفولة الأحلام، طفولة المشاعر، طفولة اللغة، طفولة الأعمار، طفولة الطبيعة، طفولة الأزمنة والأمكنة، وطفولة الذكريات؛ فالشاعر لا يزال مشغوفا باستنباط البراءة الطفولية : «أيها الماضي البعيد/ عذرا ما زلت أذكر/ كنت ذاك الطفل الذي بكى». «أيها الماضي البعيد/ تركناك مع الأهل هناك/ بمسقط الرأس العتيق/ تركناك بالبيت صغيرا تحبو/ واليوم تطل علينا عملاقا/ من وراء جبال السنين» (لا شيء يمضي..كل شيء يعود) بتصرف
إن قوة وثقل هذا الحنين إلى زمن البدايات، هو ما جعل الشاعر يحتمي بفعل التذكر، ويكون تذكره أقرب إلى الاعتراف العمومي الحميم، ذلك الاعتراف الذي يسمح بالتوغل في أعماق الذات لاستجلاء حالات الإحباط،، والتوتر والاغتراب: «ها أنذا مثلك تقريبا/ باللهفة نفسها/ أعود إلى ذات المكان/ أسفل الجدار/ لأنبش في بقايا الكلام/ حيث تناولنا آخر قصيد/ بطعم الوئام/ وكان الواحد منا ربما/ يطمع في أكثر من سلام». وإذا كان الرجوع إلى الماضي (مخزون الذاكرة)، قاسما مشتركا بين كل الأعمال، فإن الجديد في الديوان لدى الشاعر، هو هذا الإعلان عن فعل التذكر في لغة الخطاب (أذكر- أتذكر) بدل الاكتفاء فقط، بصيغ الفعل الماضي: «هل تذكرين أصيص القرنفل/الأبيض المرتعش بين يديك/ ذاك الصباح البهيج؟/ للأسف لم تقم شجيرة الدفلى/ في حديقتي لجواره اعتبارا/ رغم حذب البستاني/ وقلبه الكبير» (رذاذ صور). إن هذا الإعلان لفعل التذكر، الذي يتكرر في كل مرة داخل اللغة، تأكيد على أن فعل التذكر لم يحدث سوى لوجود ما يستدعي ذلك في حاضر الذات: وهو أيضا تأكيد لضغط الذاكرة وسلطتها، حيث لا مناص من الرضوخ والانسياق لها، ومن تم، فحضور الذاكرة في الديوان لم يقتصر على استعادة الماضي من خلاله فحسب، وإنما في مناقشة وجودها كفعل، وقوة، وسلطة في الواقع: «هل نسيت باب الحلم مواربا/ قبل الرحيل/أم أن الطريق إليك/ بات مرسوما على جثة السحر والخيال؟ / ينثال عليّ رذاذ صور/ وأسمع لموجك ارتطاما/على رصيف الكلامَ» (التشديد من عندي).
هكذا تصبح الذاكرة نوعا من الجهاد ضد الغياب، فإن تتذكر يعني أنك موجود، وأنك مازلت تملك القوة اللازمة لصياغة الحياة، وليس مهما أن تخسر الواقع مادمت تحتفظ بالرغبة في استعادته، أو أن تخسر المكان ما دمت تعمل على استرجاعه ولو عبر قصائد مثقلة بالحنين: هل تذكرين أصيص القرنفل/الأبيض المرتعش بين يديك/ ذاك الصباح البهيج؟/ للأسف لم تقم شجيرة الدفلى/ في حديقتي لجواره اعتبارا/ رغم حذب البستاني/ وقلبه الكبير» (رذاذ صور). بالإضافة إلى كل ما سبق، تجدر الإشارة إلى أن لعبة التذكر، تساهم أيضا في تأكيد طابع التشظي، ذلك أن عملية التذكر ليست أمينة، بل هي عملية انتقائية تقوم بالقفز على لحظات زمنية، ولا تقف إلا عند اللحظات المميزة، الحاسمة والضرورية، فالذاكرة كما يقول «امبرتو إيكو»: «إوالية تسمح لا بالحفظ فقط بل بالاختيار أيضا»: «حين افترقنا/على باب المشفى/ لاشيء يجمعنا/ أنا والموت».
على سبيل التركيب:
إن ديوان «هواجس قرصان» هو ديوان الأسئلة الحارقة، والهواجس المؤرقة، وهو كشف شعري يضيء أبعاد التجربة الشعرية، والذاتية، والحياتية، ويفصح عما راحت تمثله الكتابة لمحمد حمود كمتاح للبوح، ومساءلة الذات، تلك الذات التي لم تحضر باعتبارها موضوعا لنرجسية مرضية، أو مجرد مساحة لصياغة الرمز، وافتعال المجاز، وإنما بوصفها بؤرة مفتوحة للتقويم من جهة، ولفتح علاقات ممتدة مع أشكال الوجود من جهة أخرى، كأنطلوجيا كاملة، ومطلقة، بما هي عمق الوجود، وعمق الهوية، و«البؤرة التي ننظر منها إلى العالم، وننظمه».
٭ باحث من المغرب