لوحات تنبض باللون والشعر مستوحاة من أعمال الياباني جينازومي
زهور من السماء لهيمت محمد في غاليري لاينز :لوحات تنبض باللون والشعر مستوحاة من أعمال الياباني جينازوميعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: يحتفي غاليري لاينز بعمان خلال الفترة من 29 كانون الثاني (يناير) المنصرم وحتي 1 من اذار (مارس) المقبل بتجربة خاصة أنجزها الفنان العراقي المقيم في باريس هيمت محمد علي، وجاءت بعنوان زهور من السماء ، وهي نتاج تعاون بينه وبين الشاعر الياباني الراحل كوتارو جينازومي، ومن الواضح في هذه التجربة الجديدة التي تأتي بعد تجارب سابقة مع شعراء كبار عربا وأجانب أن هيمت يسعي إلي التعبير باللون عن تفاعله مع النصوص المكتوبة، ويبدو جريئا في استخدام الألوان مثل النيلي والذهبي، وهي تضفي نوعا من الروحانية علي اللوحات، ويبدو أنه يميل أيضا إلي التنقيط أو المنمنمات المكبرة علي شكل زهور، وإن كان يلجأ إلي التجريد ليأخذ حالتها العامة ورموزها أكثر من انشغاله بتفاصيلها الفوتوغرافية، لوحاته صادمة للعين لأول وهلة، لتنوعها وغناها اللوني وتشكيلاتها علي السطح، ولكن سرعان ما تألفها النفس وتتفاعل معها، وتحاول تأويلها. إنه يبدو متأثرا بروح الفن الياباني ولا سيما في تعامله مع الزهور والنباتات حيث ينقل لنا روحها لا تفاصيلها كما أشرت، وقد التقي هيمت من خلال سيرته المرافقة للمعرض بالشاعرالياباني جينازومي عام 1990 ويستعمل الفنان للوحاته ورقا منتجا يدويا وقد الهمته القصائد التي تحمل عنوان المعرض، والتي بقي الشاعر يعيد كتابتها حتي مماته في عام 2002.وتقول السيرة الذاتية للشاعر بأن لديه مؤلفات أدبية عديدة، وقد عمل مدير تحرير المجلة الأدبية نانبوكو . كما أنه كان صديقا لكثير من الأدباء والفنانين المعروفين في اليابان من أمثال : يوكيو ميشيما وهاروو اومزاكي.في رسالته لهيمت عن مشروعهما المشترك، كتب الشاعر يصف الزهور قائلا : هي الزهور الشامخة كالانسان. يحوم النحل حولها لاستنشاق الرحيق من زهورها التي توترت وكأنها تريد قتل النحل من حولها. وعندما عدت الي البيت كنت ما أزال اشعر بحرارة المشهد، حتي ان في حلمي تلك الليلة كانت الزهور ما تزال ترتجف .يقول هيمت انه حتي بعد موت جينازومي فان لقائي به لم يتوقف، وانني في كل مرة كنت أرسم بها تلهمني قصائده، وكأن الشاعر ينظر بعيني ليقول لي أنت لست وحدك في هذا المشروع… بل علي العكس فكأن يده تمسك بيدي وأنا أرسم. وان حبي لانهاء هذا المعرض كأني اعبر عن وفائي لصديقي الشاعر ولليابان ولزهورها التي وجدت طريقها من سماء اليابان الي لوحاتي .وفي أحد حواراته الصحافية في تونس تسأله الصحافية ابتسام نجم عما اضافه اليه كفنان التعامل مع الكثير من الكتّاب (الشعراء) ادونيس، برنارد نويل، اندريه فيليتر، ويرد بالقول منذ زمن طويل كنت مهتما بالكتاب بشكل عام وخاصة الفني منه فقد كنت في السابق اعمل كتبا خاصة بالرسم وفي يوم من الايام فكرت بعملية التقاء الرسم كمادة فنية بالشعر فاقترحت علي الشاعر الفرنسي اندريه فيليتر عمل كتاب مشترك يجمع الرسم بالشعر وكان هذا الكتاب نقطة الانطلاق نحو آفاق رحبة واخري جمعتني مع الشاعر الكبير ادونيس حيث انجزنا معا ثلاثة كتب… اما عن تجربتي مع اندريه فيليتر فكنت في البدء اقوم بتأليف كتب مرسومة وحينما تعارفنا وصارت علاقتنا وطيدة صار اندريه فيليتر يكتب شعرا مستوحي من اعمالي المرسومة كما اكملت كتاب ضحك علي الزمن مع الشاعر الفرنسي برنارد نويل.تقول السيرة الإبداعية للفنان هيمت بأنه من مواليد عام 1960 في كركوك،وقد سافر الي اليابان عام 1990 ومنها الي باريس ليستقر فيها عام 1991،وقد شارك في عدد كبير من المعارض الجماعية في العراق، اليابان، فرنسا، الأردن، النمسا، الولايات المتحدة الامريكية، بولندا، مصر، المغرب، تونس والمانيا. كما أقام نحو 30 معرضا شخصيا، وقد حازت أعماله علي عدة جوائز منها: جائزة من مهرجان الشباب الأول، بغداد 1982، جائزة الفن الغرافيكي من مهرجان الواسطي الخامس، بغداد 1983، جائزة من مهرجان الواسطي السادس، بغداد 1987، الجائزة الاولي من مهرجان الواسطي السابع، بغداد 1989، ومنذ عام 1990 شارك هيمت في كتب فنية مشتركة مع شعراء معروفين من جنسيات مختلفة منهم أدونيس من لبنان، أندري فيليتر، برنار نويل، زينو بيانو، ميشيل بيوتور، ايف بونوفوي من فرنسا، محمد بنيس من المغرب، قاسم حداد من البحرين، سعدي يوسف من العراق، وكوتارو جينازومي من اليابان.شهادات في تجربته التشكيلية هنا مقتطفات مما كتب عن تجربة الفنان وأعماله المميزة:شاكر حسن آل سعيد: لقد قدمت للجمهور احد شباب الفنانين، هو الرسام هيمت محمد علي . انجز معرضه الاول بكل حماس فغرس رسوما استخدم فيها الحرف والكتابة وبوسائل وخامات التقطها من محيطه… وهيمت ابن فلاح ذاق الامرّين في حياته اليومية ويذوقها باستمرار… كان عاملا وجنديا وكان قرويا من شمال العراق. لم يتعلم الرسم في مدرسة او معهد فني ولكنه تعلمه من الحياة ومن ملاحظته لرسوم الكتب المطبوعة ومن تلك النقاط التي يلتقي فيها الفكر مع الوجود… ان هيمت في حيويته وبحثه الدؤوب ومن خلال رؤيته الفنية التي اختارها كحصيلة لما بين الاثر والفكر فنان جدير بالاحترام ولا نستطيع اغفاله.فاروق يوسفكلما رأيت عملا لهيمت محمد علي تذكرت دقة فناني الشرق الاقصي ورقتهم ورهافة احساسهم بالطبيعة بل اندماجهم بما تطلقه من ايحاءات وصور عبر ما يظهرها من اللون والخط، هذا الرسام الذي فارقت اعماله الرسم منذ زمن، اقصد الرسم بمعناه التقليدي الحرفي فهو لا يرسم ما يراه، الخطوط تقود يده تدله الي اعصابها، هو ممسك بما يجعله سيد انفعالاتها كأي حروفي فني في موقد الحروف شيء يشبه الاستغراق في نشيد لا نهاية له حتي المساحات اللونية التي هي عبارة عن تراكم مجموعة متداخلة من الخطوط وليست مساحات صافية. هناك خيط يشدها الي الخارج خارج ذاتها فهي تعبر بواباتها، لتندمج في كون الخطوط الواسع.السطح التصويري لدي هيمت كان عصيا علي التجزئة. لذلك لا يمكن تفكيكه أو إعادته إلي عناصره البنائية. فبعد ان مزج الرسام فتات رؤاه البصرية علي السطح بحساسية حلمية رائقة تصبح العودة إلي ما قبل هذا المزيج عسيرة، بل وتكشف عن سوء فهم عميق لضالة الرسم ذاتها. الجمال كونه هدفا تخدمه كل التفاصيل مجتمعة من غير ان يستولي علي سحره تفصيل بعينه. وهنا بالضبط تقع علاقة فن هيمت بفن الزخرفة في التباس يفصح عن اختلاف لا في الأداء المباشر، فحسب، بل وفي النتائج التي يقود إليها ذلك الأداء. ان هيمت كأي فنان شرقي يجد في الزخرفة وليمة طاعنة في إيحائها ولكنه مدفوع بإلهامه الشخصي يكتفي بهذا الإيحاء ليباشر عزلته ونفيه: عزلته البصرية ونفيه العاطفي. فهذا الرسام المأسور بالمناخات الأسطورية يعثر في ارتطام الأجزاء، بعضها بالبعض الآخر،علي توتره الداخلي. وهو من جهة أخري يسعي إلي صياغة نوع من التعايش الافتراضي الذي هو صدي لحياة المنفيين. حيلة أخري من حيل الإبداع للانتصار علي الزمن أو علي الأقل نسيانه. وهو لا يخالف في ذلك حقائقه الجمالية التي يرعي بقدر كبير من الصبر نزقها. لقد اتجه هيمت ذات يوم إلي اليابان من غير قصد جمالي مسبق، فإذا به يجد نفسه وهي تتنزه بين جناتها الخفية. جنات روحه الفاتنة. لقد اكتشف يومها شرقيته. عثر علي القاسم المشترك الذي يجمع بينه وبين اليابان، حياة ورسوما. اكتشف في سلوكه، رساما ما يؤكد شرقيته ويثني عليها. فرسومه نابتة في ارض مفتوحة علي خصوبة سرمدية. كان رساما شرقيا بالفطرة. غير انه لم يعد كذلك بعد ان أقام في اليابان عددا من السنين. صارت تلقائيته العجيبة مصدر إلهامه. وصار يمني المفردة الساكنة التي يمسها بلقاء عاطفي عاصف، هو أشبه بلقاءات الشعراء العذريين. لقد قادته الزخرفة إلي نوع من التبتل المترف والاكتفاء الزاهد وفقر نبيل لا تفزعه المظاهر الخارجية لانه مطلع علي خوائها. ان هيمت من خلال رسومه إنما يستعرض رحلته عبر ليل عزلته. لقد ذهب إلي اليابان كمن يعود إلي نفسه. هيمت الكامن، لقيته الخبيئة ومجرته حيث تتصادم أفلاكه. عادل كامل يستدرج خفاياه تلك الفضاءات الداخلية المتشابكة، شبه البدائية بعيدا عن الشكل العقلاني. انه هنا يكاد يحطم الشكل اي يحطم حدود المفردة الواحدة لصالح الفضاء بالدرجة الاولي وقد يبدو هذا الفضاء مضطربا كثيرا او قليلا. الا ان اعادة تأمل التجربة كاملة او دراسة اللوحة باعتبارها جزءا من بحث جمالي يجعلنا في صميم عالم مشحون بالاسرار: انه عالم الحلم فهو يرسم باخضاع الجانب العقلي لحرية الرسام ـ الشاعر… وينقلها الي المشاهد بعيدا عن اي جسر مقرر مسبقا ففي كل جزء كما في الموسيقي صلة خفية بعالم الداخل الذات وهي تتوقد وذلك مواجهة للعالم الخارجي الصلب او المتحجر. هكذا يؤكد الفنان. نواياه ليست وليدة الحاضر او الخبرة الاكاديمية بل انها تنقلنا الي ازمنة سحيقة مجهولة لكنها مع ذلك تنشط الذاكرة بالحدس وليس بالمعرفة. كان هيمت محمد علي يؤكد مقولة ان الفن لا يتصالح مع المعرفة، بل مع الشعر او الموسيقي.QTS0