انتخابات أمريكا النصفية: تغير في طريقة التعامل مع الشرق الأوسط وانتصار العالمية على العزلة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تؤذن عودة الحزب الديمقراطي للسيطرة على مجلس النواب في الكونغرس وذلك بعد نتائج الانتخابات النصفية، برقابة أكبر على السياسات التي تمارسها إدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط.

 ففي الوقت الذي أصبح فيه كل من الجمهوري والديمقراطي ناقدا للحرب التي تخوضها السعودية ضد المتمردين الحوثيين فإن مجلسا بغالبية ديمقراطية قد يعبد الطريق أمام قرار ينهي الدعم الأمريكي للجهود الحربية السعودية – الإماراتية في اليمن. بالإضافة لسلسلة من الأوامر القضائية التي يمكن أن تورط إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وهي الأمور التي كان الجمهوريون يعرقلونها في العادة عندما كانوا الغالبية. وعلى إسرائيل القبول بأن ثلاثة من النواب الديمقراطيين وعلى نحو غير معهود من المتعاطفين مع المواقف الفلسطينية. ورغم سيطرة الديمقراطيين على مجلس الممثلين/النواب، إلا أن عليهم القبول بواقع أن مجلس الشيوخ ظل بيد الجمهوريين وكذا اللجان الثلاث للشؤون الخارجية ستظل في يد المؤيدين المتحمسين لترامب. ومن المتوقع أن يستخدم النائب إليوت إنجيل، النائب الديمقراطي عن نيويورك، موقعه كرئيس للجنة الشؤون الخارجية في النواب لفرض رقابة أكبر على سياسات ترامب في الشرق الأوسط خاصة علاقاته مع السعوديين. فقد عرقل الجمهوريون مطالب إنجيل السابقة من وزارة الخارجية نشر المراسلات بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة هلسنكي والتي ركزت على الوجود الإيراني في سوريا. ولن يقوم الديمقراطيون وهم في الغالبية بحماية ترامب من هذه المطالب. وستكون لإنجيل الفرصة للتحرك في ملفات مثل إيران التي عارض تمزيق ترامب المعاهدة معها. وسيجد الديمقراطيون مساحة للمناورة، خاصة أن عددا من الداعمين لسياسات ترامب في الشرق الأوسط لن يكونوا في اللجنة خاصة دانا روهرابتشر، الذي خسر الانتخابات وكان من المؤيدين الأشداء لعبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري. وستترك الانتخابات النصفية أثرها على لجنة القوات المسلحة والتي سيترأسها إد سميث، النائب عن واشنطن والذي دعا لوقف عمليات توفير الوقود للطيران السعودي في غاراته على اليمن، وعبر عن معارضته لاستخدام القوات الأمريكية لمواجهة القوات الإيرانية في سوريا.

ومن المتوقع أن يرأس آدم شيف لجنة الاستخبارات التي ستدعم تحقيق موللر ومنطقة نيويورك الجنوبية. وسيتولى جيرولد نادلر، اللجنة القضائية والذي سيحقق فيما إن كان ترامب قد خرق بنود مكافحة الفساد في الدستور وعرقل عمل “أف بي أي”.

وفي المحصلة فإن نتائج الانتخابات التي اعتبرت استفتاء على ولاية ترامب، خلال العامين الماضيين ستكون كما يقول مايكل هيرش، في مجلة “فورين بوليسي” (7/11/2018) فرصة لفتح ملفات عن اليمن وإيران وغير ذلك من الموضوعات الأخرى. وقال إن الأمريكيين ربما لم ينجذبوا لرؤية الرئيس دونالد ترامب المحلية والانعزالية. وستنظر اللجان المتعددة في الملف الضريبي لترامب وتعاملاته التجارية التي تعود إلى عقود، وغسيل الأموال ودور أفراد عائلته مثل دونالد ترامب جي أر، بالتعاون مع روسيا. وسينظرون في مخالفات ارتكبها مسؤولون في إدارة ترامب مثل وزير التجارة ويلبر روس، ووزير الخزانة ستيفن منوشين، ومدير وكالة البيئة السابق سكوت برويت، ووزير الصحة والخدمات البشرية السابق توم برايس.

وكل هذا يعني عناوين أخبار سلبية تؤثر على خطط ترامب للترشح في عام 2020 وخاصة لو أدى التحقيق الذي يقوده المحقق الخاص روبرت موللر والمنطقة الجنوبية في نيويورك، إلى محاكمة الرئيس وهو في منصبه لعلاقاته مع الروس. وسيقوم الديمقراطيون بجهود متكررة لمنع الفواتير التي يريدها للنفقات العسكرية وبقية الأمور، وكذا خطط بناء الجدار مع المكسيك، وسيخصصون جلسات لخروجه من المعاهدات الدولية مثل الاتفاقية النووية مع إيران. وبالإضافة لهذا، سيتولى نواب بارزون لجان مؤثرة في الكونغرس مثل أدم سميث، العضو البارز في لجنة القوات المسلحة.

حلفاء وأعداء

ونظرا لأهمية الانتخابات النصفية، فقد راقب أعداء وأصدقاء الولايات المتحدة نتائجها. وتعني عودة الديمقراطيين للسيطرة على مجلس النواب عامين صعبين في رئاسة ترامب ومحاولاته للعودة إلى الرئاسة بولاية ثانية عام 2020. وبالنسبة للعالم الذي لا يزال يعيش صدمة تخلي الرئيس ترامب عن المعاهدات الكبيرة والتهديدات بفرض التعرفات الجمركية على الحلفاء وخروجه الواسع من النظام الدولي، فالتصويت هو خطوة مرحب بها وهو دليل على أن عددا كبيرا من الأمريكيين يعارضون سياسات الرئيس وأسلوبه في الحكم مثل الكثيرين في الخارج. وقال دبلوماسي غربي، إن انتصار الديمقراطيين في الكونغرس سيمنع على الأقل “خروج الأمور عن السيطرة”. وعلق فواز جرجس، من مدرسة لندن للاقتصاد قائلا: “يأمل حلفاء أمريكا وأعداؤها أن يكبح الديمقراطيون خطوات الرئيس” و “ستكون هذه أخبار جيدة للعواصم الأوروبية والصين واليابان مع أنها ليست سارة لروسيا وإسرائيل ودول الخليج ومصر”. لكن فوز الديمقراطيين لن يغير الكثير من سياسات ترامب خاصة في مجال التعرفة الجمركية، ففي الحقيقة لا يملك مجلس النواب القوة على السياسة الخارجية مثل مجلس الشيوخ.

ورغم نتائج الثلاثاء يرى المراقبون الأجانب استمرارا في الشلل السياسي وأمريكا منقسمة واستمرار انتشار الترامبية حول العالم. ويقول دبلوماسي أوروبي “على المدى القصير أنا متشائم في أي حال”. فقدرات ترامب على التشويش لا تزال قائمة وكما قال في مؤتمره الصحافي بعد الانتخابات انه لم يركز كثيرا على مجلس الممثلين قدر تركيزه على الشيوخ.

صحة الديمقراطية

ومع ذلك فنتائج الانتخابات النصفية، كانت بالنسبة لصحيفة “واشنطن بوست” (7/11/2018) يوما عظيما للديمقراطيين ولأمريكا أيضا، وقالت إن عودتهم إلى مجلس النواب هي أكبر من كونها انتصارا لحزب بل علامة على ديمقراطية في حالة صحية جيدة. وبفوز الديمقراطيين هناك فرصة لأن تبدأ مرحلة الرقابة من جديد. وهي كما قالت شكل من أشكال الوقوف أمام مبالغات وخطاب الرئيس ترامب في ما يتعلق بالسياسة والتي ارتكبتها إدارته وطرحت في أثناء الحملة الأخيرة هذا الخريف. وتقول الصحيفة، إن إدارة الظهر لحزب متسيد في وقت الازدهار الاقتصادي، يعني أن الناخبين من الولايات الرئيسية في الغرب إلى كنساس رفضوا التدهور المستمر لثقافتهم السياسية. وفي الوقت الذي حافظ فيه الجمهوريون على مجلس الشيوخ إلا أن الناخبين رفضوا دعوة ترامب للتصويت بناء على الخوف من المهاجرين وتصوير معارضيه بالأعداء الخطيرين.

ورأت “نيويورك تايمز” (7/11/2018) أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب في العامين المقبلين ستقدم للأمريكيين نموذجا بديلا للحكم غير تخفيض الضرائب عن الأثرياء وتعريض النظام الصحي للخطر. وحذرت الصحيفة الحزب الديمقراطي من إحباط الهزيمة التي حققوها ونصحتهم أولا باختيار السياسة بطريقة حكيمة. فقد تبنى الديمقراطيون في حملتهم الانتخابية سياسة ثلاثية الأهداف تقوم على تخفيض ثمن العناية الصحية وخلق فرص عمل من خلال الاستثمار في البنى التحتية وتنظيف السياسة عبر رزمة شاملة تقوم على تقوية قوانين الأخلاق وتعزيز النظام الانتخابي. وتعلق الصحيفة أن هذه هي أهداف جذابة للحزبين ودعا إليها الرئيس إما حقيقة أو زعما. ومن خلال الدفع بها فستكون بمثابة امتحان للرئيس ونيته في تحقيق هذه الأهداف أو انها مجرد أداة لشن حرب حزبية وتعبيرا عن نفاق الرئيس. وحذرت الصحيفة من الانشغال في محاكمة الرئيس وأنها ليست خطوة جيدة للبداية في الكونغرس. وسيعترض الأمريكيون الذين يكرهون ترامب على أي محاولة لخلع رئيس أثناء فترة حكمه.

وتكشف الاستطلاعات أن الدعم لمحاكمة الرئيس يتراوح ما بين 30 – 40 في المئة. وتشير لمحاولات نيويت غينغريتش، خلع الرئيس بيل كلينتون عام 1998 والتي قادت إلى كارثة انتخابية للجمهوريين عام 1998 وقادت إلى عزله عن قيادة الكونغرس. ويجب على الديمقراطيين الانتظار حتى يعلن موللر نتائج تحقيقه.

قوي

فترامب حسب بعض التحليلات لا يزال في موقعه القوي. فهي ضربة لأن عدوه في مجلس النواب مسلح بالتحقيقات والاستدعاءات القانونية. وكما يقول ريتش لاوري، في “بوليتكو” (7/11/2018) إن الانتخابات النصفية عادة ما تقيد الرئيس في البيت الأبيض، لكن ترامب أبعد من التقييد. والسبب هو أنه جعل الانتخابات النصفية عن نفسه. وحتى لو حصل الديمقراطيون على انتصار كاسح كما فعل الجمهوريون عام 1994 فمن الصعب تخيل تخلي ترامب عن موقعه وعن تسيد المسرح. ورغم كل البهرجة والتفاخر إلا أن الانتخابات النصفية كما الرئاسية، كشفت عن أمة ممزقة بين دورها القيادي العالمي وميلها للعزلة وخدمة أقلية ريفية على حساب الغالبية المتنوعة. وهي أزمة أمريكا اليوم وترامب هو مجرد عرض لها، كما يقول جوناثان فريدلاند، في صحيفة “الغارديان” (10/11/2018). ففوز ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2016 ونتائج مجلس الشيوخ هي نتاج عيب وقصور في النظام الانتخابي الأمريكي الذي يساوي ولايات صغيرة مثل وومينغ، التي لا يتجاوز تعداد سكانها عن 580.000 مع ولاية كاليفورنيا البالغ عدد سكانها 39 مليون نسمة، كما أن نظام الدوائر الانتخابية الذي يعطي أولوية للأصوات الشعبية والتي سمحت لترامب ومن قبله جورج دبليو بوش، الفوز على منافسيهما الديمقراطيين هو شكل من عيوب الديمقراطية الأمريكية. فنظام كهذا سمح للجمهوريين التفوق على الديمقراطيين في مجلس الشيوخ رغم تقدم هؤلاء بـ11 مليون صوت في الانتخابات الأخيرة مما ترك الجمهوريين المجال لتعيين قضاة ورجال محسوبين على ترامب. فقد كان الكسندر هاميلتون، أحد الآباء المؤسسين، من المعارضين لمنح مقعدين لكل ولاية مهما كان حجمها وعدد سكانها، وتنبأ بشكل صحيح قائلا: “قد تصبح غالبية الولايات هي ذات الأقلية السكانية من بين الجميع”. ويرى المدافعون عن هذا النظام أن هذا هو الثمن الواجب دفعه لحماية النظام الفدرالي. ويقول فريدلاند، أن نظاما غير ديمقراطي يمنح القيادة للطرف الخاسر والأقلية البيضاء الريفية على حساب الغالبية المتوسعة والمتنوعة، في حاجة للتغيير وبسرعة. فهذا النظام سيفقد الشرعية في عيون مواطنيه، وهذه هي أزمة أمريكا الدستورية الحقيقية.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية