أعلن الرئيس باراك أوباما في نهاية شهر أيار/مايو الماضي في خطاب ألقاه في كلية ويست بوينت، عن استراتيجية مكافحة الإرهاب الجديدة؛ قائلا: «إن التهديد الرئيسي اليوم لم يعد يأتي من قيادة القاعدة المركزية. إنه يأتي بدلاً من ذلك من توابع تنظيم القاعدة اللامركزية ومن المتطرفين».
واقترح أوباما إنشاء صندوق شراكة جديد لمكافحة الإرهاب بمبلغ يصل إلى 5 مليارات دولار؛ «والتي سوف تسمح لنا بتدريب وبناء القدرات وتسهيل مهمة البلدان الشريكة الواقفة في الخطوط الأمامية».
الشق الاول من كلام أوباما بات واضحا وبينا للجميع، لاسيما بعد قيام عناصر من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام المسماة اعلاميا (داعش) من بسط سيطرتها، بمساعدة جماعات اسلامية وقومية مسلحة متمردة تتمثل بحزب البعث وجيش الطريقة النقشبندية وجماعات مرتبطة بحارث الضاري، فضلا عن مسلحين وساخطين محليين، على معظم مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى التي تعد ثاني المدن العراقية، إثر انهيار شبه كامل للقوات الامنية من جيش وشرطة في المدينة، تاركين اسلحتهم واجهزتهم ومعداتهم الثقيلة وعرباتهم وحتى ملابسهم، ليستمر زحف الدواعش الى نواحي محافظتي كركوك وصلاح الدين.
وما ان وصلت طلائع المهاجمين الى نواحي كركوك حتى هجرتها القوات العراقية. وزحـــفت داعش وحلفاؤها الى تكريت، واستمر الزحف نحو محافظة ديالى حيث تم الاستيلاء على جلولاء والسعــــدية.. وقال بيان لداعش انهم سيمضون قدما باتجاه بغداد لاسقاط النظام فيها.
ومع هذه التطورات الجديدة أضحت قيمة الشق الثاني من كلام أوباما متراجعة، وبالتالي فان الاوضاع في العراق وتمدد داعش فيه، بحاجة الى خيارات اخرى. وحتى الان، على ما يبدو، فان الرئيس اوباما وان كان يبحث في مثل هذه الخيارات، الا انه متردد. وفي كل الاحوال ان مقاربته لهذه الخيارات تقوم على عدة عناصر في مقدمتها ما أشار اليه في بيانه الصحافي يوم 13 الجاري بقوله: «ان بلاده لن ترسل جنودا الى العراق»، لكنه أشار الى أن «من الممكن ان نقوم بعمليات قصيرة المدى»، وحدد العمليات القصيرة المدى بالقول «سنساعد في تدريب قوات مكافحة الارهاب، وسنقوم بمساعدة القوات العراقية بالتعاون مع دول اخرى»، مؤكدا ان «الولايات المتحدة لن تشارك في عمل عسكري في العراق الا بوجود خطة عمل سياسي تقدمها الاطراف العراقية»، مشيرا الى ان بلاده ستلجأ الى الدبلوماسية للمساعدة في ايجاد مثل هذه الخطة. مشددا «نحن سنقوم بدورنا، لكننا لن نقوم بالقتال نيابة عن العراق، لن نتمكن من اداء العمل نيابة عن العراقيين والمساعدة التي نقدمها مشروطة بتوحد قادتهم». وأضاف «نحن لا نريد التدخل في هذا النزاع، لان هذه المشكلة اقليمية وستكون مشكلة لنا على المدى البعيد، واعتقد ان علينا ان نلجأ إلى خيارات لا تلحق الاذى بقواتنا خارج الولايات المتحدة». وتابع اوباما ان «الخلافات الطائفية في العراق لا يمكن حلها بالتدخل العسكري، ولن نسمح لانفسنا بالعودة إلى الماضي ونفرض الهدوء مادمنا في العراق وبمجرد خروجنا تعود الاوضاع للتوتر». مبررا هذه المقاربة بالقول: «ان عدم تصدي القوات الامنية العراقية لعدد قليل من الارهابيين يشير إلى مشاكل سياسية عميقة»، ثم عاد وقال «سنرسل 300 مستشار امريكي لمساعدة العراقيين، ونرسل 260 من مشاة البحرية لحماية السفارة والمقار الدبلوماسية والرعايا الامريكيين في العراق». يأتي هذا في الوقت الذي تتمدد فيه داعش ومن معها امام انهيارات متوالية لقوات المالكي. والسؤال الان، هل سيكرر الرئيس أوباما الخطأ نفسه الذي ارتكبه في سوريا، هل سيترك العراق لايران، أم يتركه يتفكك، أم يجعله يتحول الى باكستان جديدة تتحكم به داعش بدل طالبان؟
كثير من زعماء الكونغرس الامريكي وكذلك الخبراء الامريكيين يوجهون اللوم لادارة اوباما بانها استعجلت الانسحاب قبل اكمال مهمتها في العراق؛ ويؤكدون ان الولايات المتحدة ساهمت في الفوضى المستمرة عبر انسحابها المتسرع قبل نحو عامين ونصف العام. ويعبر بعضهم عن قناعته بأن التدخل العسكري المستمر في العراق قد ينطوي على تكاليف مريرة مادية وبشرية ووقوع اصابات؛ ولكنه أيضا يتضمن فوائد من بينها إعطاء الولايات المتحدة المزيد من التأثير على سلوك الحكومة العراقية، ويسمح عند الضرورة بإدارة التوترات بين الفرقاء السياسيين، والتخفيف من تأثير إيران، ومساعدة الحكومة في قمع الاضطرابات في مراحلها المبكرة ومعالجة جوانبها السياسية، فضلا عن تطوير كفاءة منظومة الاستخبارات وامتلاك الخيارات المثالية في التعامل مع المستقبل. كما ان الصقور من دعاة التدخل السريع في العراق يشددون على خطر داعش، ويشيرون الى انه منذ انسحاب الولايات المتحدة من العراق نهاية عام 2011؛ اكتسبت المجموعة المزيد من القوة بشكل مستمر، وجاء تمددها في سوريا في ظل الصراع الناشب فيها، ليكسبها زخما اكبر ويمكنها من تجنيد الآلاف من المقاتلين الأجانب؛ وبعد انهيار تنظيم «القاعدة» في وقت سابق من هذا العام، أضحت داعش بمثابة زعيم الجهاد العالمي.
غير ان بعض اعضاء فريق الرئيس يدافع عن مقاربة الرئيس بخصوص العراق، ليشير الى انه تم تجهيز الجيش العراقي بمعدات واسلحة متطورة، فماذا حصل.. لقد تركها لتستولي عليها داعش، بما في ذلك طائرات الهليكوبتر، بل جعلوهم يستولون على نحو 500 مليون دولار من بنوك الموصل. وينصح هذا البعض بعدم العودة الى الوحل العراقي. ويؤكدون انه في كل الاحوال، فإن الغارات الجوية والأسلحة الجديدة ستكون بلا جدوى إذا كان الجيش العراقي غير قادر على الدفاع عن البلاد، وان الرئيس أوباما اذا اضطر للعمل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن خياراته تظل محدودة.. وهذه الخيارات كلفها باهظة، ويشيرون الى ان مكافحة الإرهاب بدون الوجود على الأرض هو وصفة للفشل.. والوجود مجددا في العراق معناه البدء من الصفر، وهذا شيء غير معقول ولا مستساغ حاليا من جميع الاطراف في الولايات المتحدة. أما خيار استخدام الطائرات المسيرة او الطائرات المقاتلة في شن هجمات على داعش فهو بدوره يواجه بانتقادات، في ظل الانتقال المتسارع لعناصرداعش من مكان الى اخر من جهة، ولوجودهم بين المدنيين من جهة اخرى؛ الامر الذي يمكن ان يتسبب بخسائر بين صفوف المدنيين وردود فعل غاضبة.. وبخصوص خيار توفير وتقاسم المعلومات، فإن عددا من الخبراء الامريكيين يعتبره محفوفا بالمخاطر، فالمعلومات يمكن أن تكشف عن نفسها في بعض الأحيان او تكشف عن مصادرها، كما انها توضح أساليب وقدرات الولايات المتحدة في العمل، ومن غير المستحسن للولايات المتحدة ان تسهل للآخرين أن يعرفوا كيف يتم العمل من قبلها. كما ان خيار نشر عدد صغير من المستشارين من ذوي المهارات العالية التي يفترض أن تكون ذات تأثير كبير على فعالية عمليات مكافحة داعش، يبدو مع الوضع العراقي الحالي مسألة لا تخلو من تعقيدات؛ لان مثل هذا الخيار يفترض أن يكون لديك شخص ما للعمل معه، ولكن في حالة العراق كيف يتحقق ذلك إذا كانت الوحدات العراقية غير مستعدة لاتخاذ موقف ولا تمتلك روح القتال.
ويشير أحد دعاة عدم الوقوع ثانية في المستنقع العراقي بقوله: «ان من يقود السيارات في حشود المارة، هم القادة العراقيون وهم الذين عليهم ان يحسنوا القيادة لا ان يدهسوا المارة ثم يطلبوا من فنيي الطوارئ انقاذ حياة الحشود». ويتفق عدد من جنرالات البنتاغون وبعضهم أشرف على بناء الجيش العراقي، على ضرورة تغييرالمسار السياسي في العراق، ويلقون باللائمة في حصول الانهيار المذهل للجيش العراقي على المالكي، الذي يقولون انه طهر الجيش العراقي من بعض قادته الأكثر قدرة. وبدلا من التركيز على تدريب وتجهيز الجيش، فإنه أضحى «يستخدم كل أدواته لاستهداف خصومه السياسيين»، وكان الجيش والاجهزة الامنية في مقدمة هذه الادوات. وقال إيما سكاي، وهو مستشار بارز للجنرالات الامريكيين في العراق خلال السنوات الأخيرة من الاحتلال الأمريكي «سعى المالكي لتعزيز سلطته وحماية نظامه». ويشيرون للفساد الذي نخر المؤسسة الامنية والعسكرية، حتى ان أعداد «الجنود الفضائيين» اي الجنود الوهميين الذين تقيد اسماؤهم بكشوف الرواتب من دون ان يكون لهم وجود، ليتم الاستحواذ على رواتبهم، بلغ عشرات الالاف. ان تدريب الجيش ظل يتمحور على ممارسة عناصره الاعمال المتعلقة بنقاط التفتيش التي توزعت على كل مساحة العراق. ويوضح هؤلاء الخبراء ان المالكي يريد من الولايات المتحدة ان تواجه داعش كتهديد داهم وعاجل وفي الواجهة، ولكن في عمق هذه الواجهة يوجد السنة العرب الذين ضاقوا ذرعا بالظلم والتهميش والتنكيل. فهناك جحافل من السنة العراقيين الذين لا يحبون تنظيم «القاعدة» ولا داعش، ولكنهم أيضا يشعرون بأن حكومة المالكي مستبدة. وهذا ما يفسر لماذا تعامل عدد من سكان الموصل وتكريت وراوة باللامبالاة واحيانا بالسعادة بعد انهيار الجيش فيها، لان السكان ينظرون للجيش بانه ميليشيا المالكي .
ووفقا لما تقدم يبدو ان خيارات امريكا في العراق اضحت صعبة ومعقدة، وبالتالي فإن قرار الرئيس أوباما بصددها لن يكون سهلا، ولن يكون سريعا، وهذا ما لمح له اوباما نفسه عندما اشار الى انه سيتشاور مع الكونغرس، وعندما أكد ان اي جهد امريكي من اي نوع يجب ان تسبقه خطة يتوافق حولها القادة العراقيون لتفكيك عناصر الاحتقان والتأزم السياسي، الذي هو أصل الاوضاع الامنية وتداعياتها. ويبدو ان قرار الرئيس أوباما اضحى ميالا لاعتبار المالكي جزءا من المشكلة وان خروجه جزء من العلاج، وبالتالي دعم النظام بغداد لن يتم قبل ان يثبت النظام انه يمثل جميع العراقيين بكل مكوناتهم وطوائفهم.
٭صحافي وكاتب عراقي
عصام فاهم العامري