إذا كانت اللقاءات الثقافية والتجمعات السياسية لا تثير اهتمام الجمهور الثقافي، ولا تعمل على خلقه، أو التوجه إليه، فمن السهولة بمكان إرجاع الظاهرة إلى الجو الثقافي ـ الاجتماعي العام، أو إلى عزوف الجمهور عن الثقافة. لكن عندما لا تبذل مجهودات على المستويين النظري والعملي لفهم تلك الظاهرة وتفسيرها من أجل تغييرها، فلا يمكن إلا أن تتفشى أكثر، وبذلك يكون توقع الزمن الذي تتغير فيه الأمور، هو مثل انتظار الذي يأتي ولن يأتي.
الجمهور موجود أبدا. لكن كيف يمكن دفعه إلى حضور الندوة أو المؤتمر، ومتابعة أشغال الفعاليات الثقافية؟ قلما نفكر في طرح مثل هذه الأسئلة لكسل فكري، من جهة، ولقلة الاهتمام بطبيعة الندوة أو وظيفتها، من جهة ثانية. لتأكيد هاتين الجهتين في التعاطي مع تنظيم الندوات، نسجل أولا أنه لا يهمنا تحديد الجمهور المتوجه إليه، ولا الغاية من تنظيم النشاط الثقافي. فالجمهور المفترض هو عادة الجمهور»الجاهز»، والذي ألفنا حضوره في مختلف الفعاليات المنظمة، أيا كانت طبيعتها. وصار الآن من التقاليد التنظيمية تسجيل أسماء وهواتف والبريد الإلكتروني للحضور عند افتتاح هذه الفعاليات، بهدف استدعائه والتواصل معه؟
لكننا في نهاية الندوة أو الملتقى قلما نشهد أو نسمع عن تقييم أي منهما، سواء على مستوى المشاركة أو الحضور، أو طبيعة كل منهما، مع تسجيل نسبة الحضور في كل الجلسات، ونوعية المداخلات، وما شابه هذا القضايا التنظيمية. فكما يكون الهدف هو الافتتاح، تكون الغاية هي الاختتام، ولا يهم ما بينهما، لأن الأساس هو أن اللقاء قد تم بالفعل، وسيضاف هذا إلى رصيد الجهة المنظمة.
أما تنظيم النشاط الثقافي، ثانيا، فقد صار جزءا من روتين العمل. فالجامعة والوزارة والجمعية، حين تنظم فعاليات ترصد لها مبالغ مهمة، مطلوب منها تنظيم مثل هذه اللقاءات بصفة دورية للحصول على الدعم، وإثبات الحضور. ينتبه المنظمون، أنه مر زمان ولم تقم بـ»واجبها»، وأجل الميزانية على وشك الانتهاء، وعليهم إما صرفها، أو تحسب عليهم في الدورة القادمة، يبدأ الاستعجال في التنظيم، واستدعاء الممكن، وتكون الندوة كسابقاتها. وفي اختتام الندوة تقدم توصيات يتم نسيانها أو عدم اعتبارها، خلال التفكير في اللقاء القادم.
إذا كان هذا حال التنظيم، فكيف وضع المداخلات المقدمة في الندوات؟ هنا نجد الاستعجال الذي أومأنا إليه، فالموضوعات مكررة، والأوراق متشابهة، والمناقشات متماثلة. فلا يحس المتدخل الجاد بأهمية مثل هذه اللقاءات، رغم أهميتها وضرورتها. ولا يجد بعض الجمهور فيها ما يغري بالمتابعة. لذلك يعتبر بعض الحضور من الخارج، وحتى من الداخل، أن أخير ما في مثل هذه اللقاءات هو «التعارف» الشخصي بين المثقفين الذين لا يلتقون أو لا يعرف بعضهم بعضا. لكن حتى هذا التعارف ينتهي بانتهاء اللقاء. كثيرا ما يتبادل المنتدون بطائق الزيارة، ولكنها تظل معطلة وجامدة؟ ولا يحصل التواصل بعد التنائي إلا لغايات محدودة، أو لتبادل الدعوات والمصالح: دعوتني اليوم إلى لقاء في بلدك، سأرد عليك بدعوة إلى بلدي… ولا تهم نوعية المشاركة أو قيمة المداخلة.
إن ما أسميناه الكسل الفكري، من جهة، وقلة الاهتمام بطبيعة الندوة ووظيفتها، من جهة ثانية، يجعلان من تنظيم اللقاءات الثقافية أشبه بتقليد ضروري لتبرير «الوجود الثقافي»، و»نشاط» الجهة المنظمة. لكن ذلك يتم على حساب «النوع الثقافي»، من جهة، و»الأثر الثقافي»، من جهة ثانية. لا تخفى على أحد صعوبة التنظيم والتأطير، والمجهودات الكبيرة المبذولة فيهما. ولا يمكن إلا تقدير كل الجهات التي تعمل على ممارسة النشاط الثقافي. لكن عندما يتساوى الجهد المضني مع النوع والأثر الثقافيين تكون الفائدة أجل وأعظم وأفيد. أما الاستمرار بدونهما، أو بالعمل على تحقيقهما، وبالوعي بأهميتهما، فيكون مبررا، فقط، لصرف الميزانيات، والتباهي بالمنجزات؟
يكفي لتأكيد هذه الخلاصة التي انتهينا إليها، استرجاع ما قلناه عن الجمهور الثقافي. إنه هو المستهدف من تنظيم هذه الفعاليات. وعندما لا يكون لحضوره أثر في إثرائها بالمشاركة الفعالة، والحضور المتواصل، تقل جاذبية هذه اللقاءات وفعاليتها الثقافية. ولعل هذا من العوامل التي تجعل المنتدين يحسون بالخيبة، وقلة الفائدة، من جهة. ويصبح من استأنس بمثل هذه الأجواء، ألا يضاعف جهوده من أجل تقديم الأحسن والأعمق من المداخلات، لأنه لا يتوقع أبدا من يناقشه بجدية وعمق. ولذلك نجد العديد من المداخلات بلا قيمة علمية أو ثقافية.
يكمن الخلل إذن في كل الأطراف بدءا من المنظمين إلى الجمهور مرورا بالمتدخلين. الكل مسؤول عن نوعية أنشطتنا الثقافية وندواتنا ومؤتمراتنا،،، الاضطراب التنظيمي، وقلة الحضور ورداءة المداخلات والمناقشات. نسجل هذا بشكل عام، ولا ننكر جدية وأهمية بعض اللقاءات العربية الجادة، وهي لقلتها لا تكاد تؤثر في المسار الثقافي العربي العام، ولا تؤثر في المشهد الثقافي، بالنظر إلى هيمنة الخلل على جودة العمل.
إذا كان الجمهور الثقافي المباشر الذي يغيب عن هذه الفعاليات جزءا من واقع ثقافي جامد وعقيم، فإن الجمهور العريض الذي يمكنه أن يقتني أعمال تلك الندوات بعض طباعتها، أكبر الغائبين. وهذا خير دليل على الاضطراب والفوضى اللذين يسودان نشاطنا الثقافي. فأنى لنا الحديث عن النوع والأثر؟ تلك هي المسألة.
سعيد يقطين