منذ فترة طويلة والنظام الحاكم في مصر والأحزاب والحركات المنضوية تحت لوائه لإطالة عمره، ومعاهد الديمقراطية الغربية تعدّ وتجهز وتروج للانتخابات النيابية في مصر الكنانة، حتى الأزهر أفتى بأن المشاركة في الانتخابات ‘واجب شرعي’، وأن من يمتنع عنها ‘آثم شرعا’. وقال الشيخ مرزوق الشحات مرزوق في فتواه المقتضبة، إن ‘من خرج من بيته قاصدا المشاركة في الانتخابات فهو في سبيل الله حتى يرجع’، حسبما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة ‘الأسبوع’ نقلاً عنه. وقد شغلوا المسلمين في مصر بها وبإجراءاتها، وأنفقوا الملايين للإعداد والدعاية لها، وكأنها قضية المسلمين المصيرية. فما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة؟ وما الذي يتوجب على أهل مصر فعله، هل هو الاشتغال في هذه الانتخابات أم الاشتغال بالعمل للخلافة؟ قال تعالى: ‘وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوه ولا تتَّبِعوا السبلَ فَتَفَرَّقَ بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون’. ولمعـرفـة الحكـم الشـرعي في هذه المسـألة، يجـب قبل كل شيء تحقيق مناطه، ومناطه هنا هو انتخاب أعضاء ‘المجلس التشريعي’ أو ما يسـمى ‘مجلس النواب’ وطبيعة أعمـال هذا المجـلس وصلاحياته، ومن ثـمَّ إنـزال الحكم الشرعي عليه. وهنا سوف يتبين حكم الاشتراك بالانتخابات والإدلاء بالأصوات.
الانتخـابـات هي وكالة، ولا بد لعقد الوكالة من اسـتيفاء أركانه حتى يكـون عقداً صـحيحاً، وهي الإيجاب والقبول والموكِّل والوكيل والأمر الذي يوكل فيه وصيغة التوكيل.
ومجلس النواب بحسب الدساتير الوضعية الحالية يقوم بأعمال رئيسية هي: التشريع، وانتخاب رئيس الدولة أو حصر ترشيحه، ومنح الثقة للحكومة، والمصادقة على الاتفاقيات والمشاريع والمعاهدات، ومراقبة الحكومة ومحاسبتها ومراقبة مؤسساتها.
أما التشريع فهو عمل لا يجوز للمسلم أن يمارسه لا تشريعاً ولا تصويتا على تشريع بسلب أو إيجاب حتى وإن وافق هذا التشريع الشرع الإسلامي الحنيف، لأن مصداقية التشريع ومرجعيته هي كونه له دليل من الشرع، أي كونه انبثق من العقيدة الإسلامية وأتى به الوحي، ولأن المسلم ابتداء لا يجوز له التشريع، فضلاً عن أنه لا يجوز له أن يقبل إلا شرع الله لكونه من عند الله لا غير، سواء وافق الشعب عليه أم لم يوافق، ولهذا يعتبر التشريع لله وحده ولا يحق لأحد أن يشارك الله تعالى في التشريع قال تعالى: ‘إنِ الحكمُ إلاّ لله’، وقال تعالى:’فلا ورَبِّـك لا يؤمنون حتى يُحَكِّمُوكَ فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حَرَجاً مما قضيْتَ ويسلِّموا تسليماً’، وقال تعالى: ‘ولا تقولوا لِما تَصِفُ ألسنتُكم الكذبَ هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذبَ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يُفلِحون’. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعدي بن حاتم: ‘أليس أحلّوا لهم الحرامَ وحرَّموا عليهم الحلال’ قال: نعم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ‘فتلك عبادتهم إياهم’ وذلك عندما قرأ عليه ‘اتَّخَذوا أحبارَهم ورُهبانَهم أرباباً من دون الله’. إن واقع هذه المجالس النيابية إنما هو تقليد للديمقراطية الغربية التي تجعل ‘السيادة للشعب’، أي تجعل للشعب وحده حق الحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح، فما يراه الشعب قبيحاً فهو قبيح وما يراه حسناً فهو حسن، وتجعله ذا سلطة عليا مطلقة لا يقيده فيها أحد، فلما كانت الديمقراطية كذلك كانت نظام كفر لتناقضها الواضح مع القرآن والسنة.
وأما منح الثقة لحكومة علمانية لا تحكم بما أنزل الله وانتخاب رئيس الدولة والمصادقة على المشاريع والمعاهدات والاتفاقيات فلا يجوز للمسلم أن يمنح الثقة لحكومة أو حاكم يحكم بغير ما أنزل الله. وأما محـاسـبة الحكـومـة والحكام فهو واجـب شـرعي، وهـو من باب الأمـر بالمـعـروف والنهي عن المنكر، فهو واجب على المسلمين، وهو في حق النائب أوجب.
ولذلك فإنّ هناك شـروطـاً شـرعية للترشـيح لهذه الانتخابات النيابية وإنّ الترشيح مقيد بهذه الشروط وليس هناك جواز مطلق، وهذه الشروط هي:1- أن يعلن المرشح على الملأ – ولا تكفي النيّة ولا تجوز التقيّة – رفضه النظام الرأسمالي الغربي وكل نظام كفر آخر.2- أن يعلن أنه يعمل لتغيير أنظمة الكفر وإيجاد الإسلام مكانها.3- أن يأخذ برنامجه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.4- أن يعلن بأنه سوف يستخدم البرلمان منبراً للدعوة إلى الإسلام. 5- ألا يشترك في قائمة مرشحين علمانيين أو يتعاون معهم لأنهم يؤيدون أنظمة الكفر. 6- أنه لا يجوز له التقرب إلى الجهات النافذة والحاكمة وتملقها من أجل إدراج اسمه على لوائح مرشحيها لأن هذا ركون إلى الذين ظلموا قال تعالى: ‘ولا تَرْكَـنُوا إلى الذين ظلموا فَتَمَسَّكُمُ النارُ وما لكم من دون الله من أولياءَ ثم لا تُنصَرون’.7- أن يكون برنامج عمله خلال فترة ترشيحه هو ترسيخ هذه المعاني لدى الناس.
إن الإسلام فرض علينا محاسبة الحكام والتغيير عليهم بطريقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بالصراع الفكري والكفاح السياسي إن حكمونا بغير ما أنزل الله، وإلا ازداد حالنا سوءاً وعاقَبنا اللّهُ في الدنيا والآخرة. عاهد ناصرالدين