الانقسامات السياسية في المشهد السياسي السوداني

حجم الخط
0

الانقسامات السياسية في المشهد السياسي السوداني

د. يوسف نور عوضالانقسامات السياسية في المشهد السياسي السودانيمجموعة من الأحداث تتوالي في المشهد السياسي السوداني تستوجب قراءات جديدة من أجل تفكيك ما يحدث في هذه المرحلة، وأول ما نقف عنده الخلاف الذي نشب بين الحكومتين السودانية والليبية، فقد أشارت الصحف السودانية الي أن الحكومة الليبية طلبت من القنصل السوداني في طرابلس وخمسة من موظفي السفارة مغادرة البلاد، غير أن الناطق باسم وزارة الخارجية السودانية علي الصادق نفي تلك الأنباء وأكد أن السفير الليبي في الخرطوم سلم رسالة الي السماني الوسيلة وزير الدولة في الخارجية السودانية موجهة من الرئيس القذافي الي الرئيس عمر البشير، وكما يقولون لا يوجد دخان من غير نار، وقد ظهر هذا الدخان عندما رفض الرئيس السوداني عمر البشير حضور القمة التي عقدها الرئيس القذافي في ليبيا بحضور الرئيس التشادي ادريس دبي ثم رفض مرة أخري حضور قمة مصغرة عقدتها ليبيا، ويعزي الموقف السوداني الي مجموعة من السياسات الليبية أولها رفض ليبيا دفع مبلغ خمسين مليون دولار تعهدت بها لقوات حفظ السلام الأفريقية في دارفور وهو ما فسرته الحكومة السودانية علي أنه اضعاف لموقفها أمام الموقف الامريكي، وثانيها عقد لقاء مصالحة بين الرئيس التشادي ادريس دبي وقائد التمرد محمد نور وهو ما فسر أيضا علي أنه موقف معاد للحكومة السودانية ولكن أخطر المواقف التي أغضبت الحكومة في الخرطوم هو موقف ليبيا في اجتماعات القمة الأفريقية الأخيرة حيث أيدت الأصوات التي رفضت أن تؤول رئاسة القمة الأفريقية الي السودان، وقد فسرت هذه المواقف جميعها علي أنها انعكاس للمواقف البراغماتية للحكومة الليبية التي لا تريد صراعات مع العالم الغربي من جهة ولها في الوقت نفسه مآرب في استمرار الصراع في اقليم دارفور من جهة أخري بكون دارفور هي امتداد للحدود الليبية، وهناك أيضا كثير من المشكلات القديمة بين ليبيا وتشاد يمكن أن تحل علي حساب السودان، ولا شك أن التغيرات التي حدثت في مواقف العقيد القذافي تؤكد أنه لا سقف لحدوده عندما يتعلق الأمر بمصالح نظام الحكم في بلاده.المشهد الثاني يتعلق بالاحداث التي وقعت في جامعة النيلين عندما حدثت اشتباكات بين الطلاب الذين ينتمون الي حزب المؤتمر الوطني الحاكم وطلاب ينتمون الي الجبهة الوطنية الأفريقية التي يقال انها تتعاطف مع الحركة الشعبية، وكان الخلاف يدور حول ما اذا كان الطلاب الذين فقدوا حياتهم في حرب الجنوب شهداء أم لا، والمسألة هنا ليست مسألة فقهية بل تعيد الي المشهد السياسي الصراعات القديمة حول هوية السودان وهل هو أفريقي أم عربي، وهو صراع عنصري وسخيف لأنه لا تجني منه البلاد سوي مزيد من الفرقة والانقسام، ولكن مثل هذا الصراع يجد في اتفاقية نيفاشا وغيرها منطلقا للاستمرار، وقد تمخض حوار الطلاب عن اضطرابات قام علي اثرها أحد الطلاب المنتمين الي الجبهة الأفريقية باطلاق النار من بندقيته فقتل طالبا من المنتمين الي حزب المؤتمر الوطني وجرح خمسة آخرين وعندما أذيع النبأ أصرت السلطات السودانية علي أن القتل لم يحدث باطلاق النار بل بواسطة سكين وذلك حتي تزيل الخوف من قلوب الناس، ولكن سلطات الشرطة أعلنت في اليوم التالي أنها تمكنت من العثور علي السيارة التي هرب بها القاتل ووجدت فيها كمية من الرصاص ما يؤكد أن عملية القتل تمت بالبندقية، ولا شك أن الحكومة لم تكن تريد أن يبدو الأمر علي هذا النحو خاصة بعد أن تطور الموقف من جديد وظهرت اضطرابات في عدد آخر من الجامعات السودانية، وقد أصدرت جبهة الجنوب الأفريقية بيانا أكدت فيه أن الحكومة تغذي الطلاب المؤيدين لها من أجل وأد حرية التعبير والرؤي في الجامعات السودانية، ولا شك أن كل ما يجري بين الطلاب لا علاقة له بحرية الرأي بكونه في حقيقته مجرد صراعات طائفية وقبلية وعنصرية.المشهد الثالث يتعلق بالصراعات القائمة بين شريكي نيفاشا والحركة الشعبية حيث اتهمت الحكومة السودانية الحركة الشعبية بأنها لا تستطيع أن تجيب علي اختفاء ستين مليون دولار تسلمتها من الحكومة المركزية ولا شك أن الاتهام خطير لأنه لو اختفي هذا المبلغ الكبير في ظروف الجنوب فمعني ذلك أنه لا توجد حكومة حقيقية في جنوب السودان بل توجد مجموعة من المفسدين، وهو ما لم تنكره الحركة الشعبية حيث أعلن أمينها العام باقان أموم في مؤتمر صحافي أن المجلس الانتقالي للجنوب أوصي بتقوية مفوضية محاربة الفساد مؤكدا أن مسألة اختفاء الستين مليون دولار ما زال موضع بحث وتحقيق ما يؤكد أن اتهام الحكومة المركزية له أساس من الصحة. ولكن الذين يقومون بمثل هذا العمل هم من يصفهم نائب رئيس الجمهورية سلفا كير ميارديت بالمخربين. وهو اتهام قد يتكرر كثيرا ولكنه في نهاية الأمر لا يمكن أن يكون الا تعبيرا عن واقع سياسي مريض لم يجد حتي هذه اللحظة من يخرجه من دوامة التخلف وقصور الرؤية.المشهد الرابع هو المؤتمر العام لحزب المؤتمر الشعبي الذي شاركت فيه الفعاليات السياسية التقليدية ومنها حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي، وكان أهم ما ورد في هذا المؤتمر مطالبة الأمين العام للحزب في ولاية الخرطوم الرئيس عمر البشير بالتنحي عن السلطة وترشيح مواطن جنوبي لتولي الرئاسة في المرحلة المقبلة وذهب الي ابعد من ذلك عندما طالب أيضا بنقل العاصمة الوطنية من الخرطوم الي ابيي كما ذهب الشيخ حسن الترابي الي المطالبة بتحرك شعبي شبيه بتحرك ايار (مايو) الذي اسقط نظام الرئيس عبود وقال الشيخ حسن الترابي علينا أن نتعلم أن الانقلابات العسكرية لم تحقق شيئا ولن تحقق شيئا ولكن بعد فترة قليلة أعلن الشيخ أن الكلام الذي ورد علي لسان الأمين العام عبد الرحمن آدم حمدون والذي طالب بتنحي الرئيس البشير لم يكن موقف الحزب وأظهر الأمين العام السابق وكأنه كان يتحدث خارج الأجندة المرسومة، أما الصادق المهدي فقد طالب في الوقت نفسه بعقد مؤتمر مائدة مستديرة لحل مشكلات السودان وهي فترة ربما كانت غير فكرة المؤتمر الجامع التي كان ينادي بها من قبل. وأما علي محمود حسنين القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي فقد طلب من النظام أن يرحل.ولا شك أن دعوة هذه الأحزاب تجد صدي عند كثير من السودانيين الذين يعتقدون أن المشروع الذي جاءت الانقاذ لتنفيذه لم يعد قائما وبالتالي فان بقاءها بعد ذلك لا يخدم غرضا وطنيا بل هو فقط يخدم الأهداف الشخصية للنخبة الحاكمة المتمثلة في المصالح الاقتصادية التي سيطر عليها هؤلاء بدرجة كبيرة، ولكن المشكلة الحقيقية كما ظهرت في مقال كتبه صلاح الباشا هي أن هذه الأحزاب التي تظهر من جديد في الوقت الضائع لا تمثل البديل المنتظر فهي السبب الرئيسي لمعظم المشاكل التي عاني منها السودان، وعندما يوجه الترابي نقده لنظام الحكم القائم فلأن ذلك هو البديل المتاح له بعد أن حدثت القطيعة بينه وبين النظام، وبالطبع حين ينتقد الترابي أسلوب الانقلابات العسكرية فهو يريد أن يوجه رسالة للناس تقول انه يتخلي عن ماضيه، ولاشك أن تلك ذرائعية سياسية لا تجوز في هذه المرحلة التي يتمزق فيها السودان، ولا يهتم هؤلاء في الحقيقة الا بان يغيروا وجوههم من أجل أن يكتسبوا شرعية جديدة، ولا نريد أن نقول ان هذه القيادات التقليدية لا تمثل شيئا، فهي في الحقيقة تمثل الكثير وذلك هو سبب الكارثة بكونها تستند الي ما تمثله لكي تقود سياسات عفا عليها الزمن في بلد كان واعدا في عهد السلطة الانكليزية وبعدها بقليل فاذا به يواجه الآن أخطار التمزق العرقي والعنصري لأن جميع الحركات التي نشاهدها سواء كانت في جنوب السودان أو في دارفور لا تستند الي الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة بل تستند الي الانتماءات الجهوية والطائفية والعرقية، وذلك أخطر ما يواجهه السودان، ومن هنا لا بد أن تكون نقطة البداية، فاما أن تنشأ الدولة الحديثة في السودان التي تستند الي حقوق المواطنة وواجباتها واما أن يتعرض السودان للتمزق والضياع، ولكن يبدو أن النخب التي تعاني من ثقافة الفقر لا تهتم بذلك كثيرا وكل ما تستهدفه هو الثروة والسلطة التي لا تحقق للبلاد شيئا ولكنها تحقق الكثير للمنتفعين وتلك هي المشكلة التي برزت برأسها في جنوب السودان وستطل برأسها ـ أيضا ـ في أماكن أخري من البلاد. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية