حسن الامام: غواية تحويل الأدب الي رغبات مكبوتة!

حجم الخط
0

حسن الامام: غواية تحويل الأدب الي رغبات مكبوتة!

نظرة علي تراثه السينمائي في ذكري رحيلهحسن الامام: غواية تحويل الأدب الي رغبات مكبوتة!القاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: حسن الامام من أكثر المخرجين السينمائيين اثارة للجدل في حياتهم وبعد مماتهم فلا يزال الي الآن موضع نقد وتحليل، خاصة أنه انحاز في أفكاره وأدواته التعبيرية الي اللغة الشعبية واستخدم الاغراء أسلوبا للجذب فزاد ذلك من جماهيريته وأدي الي تسليط الضوء عليه باعتباره أول من تجرأ علي كسر الحاجز النفسي بين المبدع والجمهور وسعي الي توظيف الجنس توظيفا دراميا يتسق مع محاكاة السينما للواقع، اذ لم يكن حسن الامام الذي تحل ذكراه هذه الأيام متعصبا لمبدأ المثالية في تناول القضايا الخاصة والحساسة، كما أنه كان يعتبر المثالية المزعومة تجريدا للفن السينمائي وتسطيحا للدراما فالوعي بالقضايا المهمة يقتضي نزع غلالات الحياء عنها والتعامل معها بنفس منطقها والا سوف يصبح الفن منقوصا اذا ما تخلي عن طبيعته الصادمة في كثير من الأحيان.فلسفة كان يُعلمها حسن الامام في معظم أعماله ويري أنها الأجدي لخلق حراك فكري وثقافي فعال، وعلي مدي تجاربه الفنية العديدة أخذ يكرس لحرية الابداع والتناول، وربما تلك النقطة بالتحديد هي التي سهلت علي منافسيه مهمة تصيد الأخطاء ومهاجمته من الباب الأخلاقي معتمدين علي المرجعية الدينية والتكوين الفطري للجمهور الرافض للتجاوز والاباحية.وقد يكون تجسيد حسن الامام لحياة الراقصات ودخوله لمحيط العوالم في فيلم خلي بالك من زوزو وثلاثية نجيب محفوظ والتعاطف الظاهر علي تناوله الدرامي والفني لهذه النماذج جلب اليه المشاكل فزوزو ألمظية التي لعبت دورها باقتدار الراحلة سعاد حسني فتاة جامعية تعاني من عنصرية طبقية وحالة اضطهاد نتيجة نشأتها في بيئة مختلفة وانتمائها لشريحة اجتماعية منبوذة يعمل معظم أفرادها بمهنة الرقص واحياء الأفراح البلدية وتمثل فيها الأم تحية كاريوكا الكومندا أو الأسطي القائمة علي رعاية وتدريب وتأهيل مجموعة كبيرة من الراقصات لاحتراف الرقـص، وهو ما يخلق نوعا من العقدة النفسية لدي زوزو الفتاة المثقفة التي تدنو الي مجتمع أفضل تتنفس فيه هواء نقيا بعيدا عن أجواء التلوث وضباب الحياة الموصومة، وهي المفارقة التي يراها مخرج الروائع حسن الامام مكمنا أساسيا للقيمة الدرامية وذروة التأثير في التراجيديا الانسانية لزوزو سعاد حسني ، وهي ذات القناعة التي انطلق منها في ثلاثية محفوظ وأخذ عنها الأفلام الثلاثة، بين القصرين ـ السكرية ـ قصر الشوق، لينقل عبر أدواته الخاصة عالم الغوازي والراقصات من منطقة التناول الأدبي محدود الانتشار في ذلك الوقت الي شاشة السينما، حيث الشهرة والأضواء والمكاشــفة العلنية متكئا علي الخلفية السياسية الزاخمة بالثورات والاحتجاجات ضد الاستعمار الانكليزي في أربعينيات القرن العشرين ابان وصول حزب الوفد الي السلطة موضحا الازدواجية الشخصية في حياة السيد أحمد عبدالجواد بطل الثلاثية ومُسقطا بعض الدلالات علي عدد من الرموز السياسية آنذاك وفق ما طرحته الرؤية الابداعية في النص الأدبي مع ادخال بعض التعديلات الفنية واضافة التوابل الحريفة لزوم الترويج، وفي الواقع أن حسن الامام كان يجيد هذه اللعبة جيدا ويتقن صناعة الأفلام الجماهيرية، حتي بعيدا عن استخدام الجنس، والدليل أنه رصد بفطرته وحسه السينــمائي المرهف ميل الجمهور المصري الي الميلودراما الانسانية فغزل علي هذا المنوال سلسلة من الأفلام صبغـــها بهذا اللون القاتم وأسند بطولتها الي فاتن حمامة كان ابرزها فيلم اليتيمتان وتيمنا باسم زوجته السيدة نعمـة أطلق الامام اسمها علي معظـــم بطلاته فأصبح اسم نعمة هو المعتمد رسميا في شباك التذاكر المدرج علي لسان عامة الجمهور ممن أحبوا السينما وتعودوا عليها من باب التعاطف مع نعمة أو فاتن حمامة. عكست سينما المخرج حسن الامام بُعدا انسانيا جاء موازيا للبعد الحسي ومغايرا لتلك النزعة التجارية التي وصمت أعماله ووجهت نظر الجمهور الي مشاهد الاغراء ودفعت عددا من النقاد الي اتهامه بالمبالغة في استثمار جسد المرأة علي نحو مهين، الأمر الذي ظل ينفيه المخرج الراحل بقوة مستشهدا بنهايات أفلامه شديدة الانسانية وما انطوت عليه من حكم ومواعظ، وهي ذات النهايات التي رآها من حاربوه أنها الدليل القاطع علي بدائية الطرح وسذاجة اللغة. تأثر الراحل بالمسرح عند شكسبير وعمد الي تطويع التراجيديا الخاصة به لخدمة الفن السينمائي فواجه معضلات كثيرة تمثلت في تلك الفروق الفنية بين المسرح والسينما وخصوصية الخطاب المسرحي عند شكسبير واستحالة تحويله الي لغة سينمائية تحاكي أسلوب المسرح الشكسبيري، وفيمـــا يتميز به حسن الامام علي المستوي التقــــني انه يعد ضمن أهم المخرجين الذين بدعوا في استخدام المؤثرات الضوئية والموسيقية علي الرغم من عدم دراسته للسينما بشكل أكاديمي، ولكن يرجع تفوقه الي خبرته الطويلة وانفتاحه علي السينما العالمية واحتكاكه بالرواد، لا سيما في ظل اتقانه للغة الفرنسية وحرصه الدائم علي متابعة معظم المهرجانات الدولية والعالمية.تأتي ذكري وفاته التي احتفلت بها ادارة السينما مؤخرا متزامنة مع البرنامج الذي نظمته نفس الادارة للاحتفاء بسينما نجيب محفوظ وهو ربط جاء منسجما للعلاقة الفرضية بين ابداع الكاتب الكبير المكتوب والصور الدرامية المشبعة بتفاصيل الحياة الاجتماعية في عالم ثري لأديب لا يقل ثراء، وهذا التوازي يخلق في وعي المتلقي مقارنة تشده الي استدعاء الحالات الابداعية بكل أطرافها وزواياها ورصد ملامح التعويض السينمائي للروايات الأدبية وتقريب شخوصها وأحداثها من الواقع وتحديد موقع نجيب محفوظ نفسه علي خريطة الأحداث السياسية والاجتماعية بوصفه المسؤول عن تجسيدها وخلقها قبل أن تلتفت اليها السينما ويصوغها حسن الامام لتصبح صورا متحركة تنبض بالحياة.قد يري البعض أن ثمة فجوة ما بين الأعمال الروائية والتناول الدرامي بافتراض أن السينما افسدت الأدب وسطحته، ولكن المدقق الجيد يمكنه ادراك عكس هذا التصور لو راعي طبيعة الصناعة السينمائية وانتبه الي الفروق الجوهرية بين الأداتين، الكتابة كإبداع مجرد والدراما كصناعة تقوم علي استنطاق الشخصيات وبث الروح فيها مما يستلزم اجراء بعض التغييرات علي النص الصامت كي يوائم حركة البعث أو الخلق الجديد، كما كان يسميها أديب نوبل نفسه الذي لم يكن يري غضاضة في تحريف النص الأدبي.ان المجهود الذي بذله حسن الامام في الابداع السينمائي الاضافي أو الموازي للثلاثية لا يمكن اعتباره عبثا أو افسادا للأدب وانما هو محض تجديد وان اختلف قليلا أو كثيرا عن الابداع المكتوب فليس ضروريا الالتزام الحرفي، اذا ما توافرت لدي المخرج تصورات ورؤي تعبر عن المستهدف الروائي في عمومه وتعوض عن التفاصيل المسطورة بالصورة المجسمة، وأعتقد أن هذه الغاية تحققت بالفعل عند حسن الامام، فلم يغترب النص الأدبي تماما في السينما وبات حاضرا بقوة برغم اعمال الأدوات السينمائية وتوظيفها في الاتجاه التجاري حسب مقتضيات الصناعة وآلياتها المتصلة بحركة السوق وشروط الشباك ومقومات التوزيع الخارجي.حسن الامام لم يكن مخرجا مهنيا فقط وانما كان تاجرا ذكيا أيضاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية