التهجين لغة جديدة في عالم الإبهار السينمائي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من كمال القاضي: الواقعية التسجيلية في السينما العربية الروائية اصطلاح جديد صكه الناقد والكاتب المصري المقيم في باريس صلاح هاشم ليصبح تعريفا حداثيا لحالة التهجين الطارئة على الفيلم الروائي الطويل بتداخل عناصره الثابتة مع الأجواء التسجيلية المتعارف عليها في الفيلم التسجيلي المحض.
هذا الجنس السينمائي المهجن أو المختلط لجأ هاشم إلي توثيقه في دراسة نقدية مهمة صدرت حديثا من المركز القومي للسينما الذي يترأسه مدير التصوير كمال عبد العزيز حيث وجد الأخير في الرؤية النقدية المبتكرة ما يشجع على النشر بوصفه أحد صناع السينما ومن المتابعين لحركة تطورها وبالتالي لديه القدرة على تذوق ما يستجد من أساليب النقد والإضافات المجددة التي تسمح بخلط الأجناس السينمائية وتوصيفها توصيفا مختلفا على نحو ما رأى هاشم في كتابه المذكور الواقعية التسجيلية في السينما العربية الروائية.
وقد صدر المجلد بالفعل في 115 صفحة من القطع الكبير حاويا عينات ونماذج من أفلام مصرية وعربية عرضت في مهرجانات دولية وعالمية يعتقد الناقد صاحب الدراية أنها تناسب الوصف الجديد الذي استحدثه لتعريف وتفسير التداخل بين معطيات وسمات الفيلم الروائي الطويل وما يغلب عليه من طابع تسجيلي واقعي أو واقعية تسجيلية حسب قوله.
ومن واقع المقدمة الدلالية التي استهل بها صلاح هاشم كتابه يمكن القول انه كان أميل إلى رصد الواقع الاحتفالي بالمهرجانات العديدة التي شارك فيها وانطبقت صورها في ذهنه بما زخمت به من ثقافات وألوان سينمائية مختلفة يتصل كل منها ببيئته الخاصة ومصادر تنوعها أي أن الأفلام عكست صورا واقعية لمجتمعات بعينها كانت أقرب إلى الرؤية التسجيلية من وجهة نظر صلاح هاشم الذي على ما يبدو وأنه تعامل مع الرؤية الفنية للأفلام الروائية من واقع الرصد فالتقطت عينه ما تشي به الصورة المباشرة من دلالات واقعية حيث كانت هذه هي رغبته الحقيقية وغايته من حضور المهرجانات كي يتسنى له المقارنة بين ما تطرحه السينما التسجيلية الخالصة وما يمكن أن يأتي متضمنا في الصورة الروائية ويأخذ الطابع التسجيلي.
وما يثبت هذه الرؤية انشغاله بمميزات الأفلام الحاصلة على جوائز والتفتيش في طبيعتها ومدي تعبيرها عن الواقع سواء كانت هذه الأفلام مصرية أو عربية غير أنه بقصد أو بدون قصد أتجه بفطرته وسليقته إلي تلك النماذج التي تعتني أكثر بالصورة وركز تجاوبا مع هذه الرغبة على إبداعات وروائع محمد خان أحلام هند وكاميليا وزوجة رجل مهم كوليفتي وهو اختيار موفق لمن يبحث عن موان الجمال في الصورة السينمائية ويسعى لترجمة ما بها من تفاصيل.
ونجده في جزء أخر من الكتاب يعطف على إبداع وحيد حامد وعاطف الطيب متحيزا منه فيلم «البرئ» باعتباره ينحو نحو التسجيلية إلي حد ما وإن لم يكن مفتونا كغيره بالفيلم ككل لكنه لا ينكر عليه تميزه من باب الإنصاف وإعمال المنطق والعقل في الحكم على الأشياء وعدم الانسياق وراء الحالة المزاجية.
وما قيل عن نظرة صلاح هاشم النقدية ورؤاه للأفلام السابقة يجوز تكراره أيضا عن فيلم «بعد الموقعة» للمخرج يسري نصر الله فهو ينشغل بالحدث والمكان وأجواء مهرجان كان التي عرض فيها الفيلم وأكتسب طابعا عالميا بالقطع جدير به، ونرى في تقييم هاشم للفيلم انحيازا وسناء واضحين على الإخراج والسيناريو والتمثيل من منطلق الإحساس بالتجربة الواقعية التي أخذ عنها المخرج معظم الأحداث تقريبا وأستلهم منها فكرته.
وتتسع دائرة الرؤية لدي صاحب الدراسة الكاتب والمخرج صلاح هاشم فيتناول من خارج الدائرة المحلية أفلاما عربية وعالمية يطرح من خلالها وجهة نظره ويدلل على صحة مصطلحه الجديد «الواقعية التسجيلية في السينما العربية الروائية» فيشير إلي أفلام التونسي المعروف والفيلم الفلسطيني ملح هذا البحر واللبناني تحت القصف وسكر بنات ولكنه يتوقف عند فيلمين مهمين 11 سبتمبر ليوسف شاهين وباب الشمس ليسري نصر الله أيضا وهنا يتجلى وعيه السينمائي والنقدي في استجلاء الحقيقة التسجيلية للفيلم الروائي وكأنه وجد ضالته في هذين الفيلمين اللذين تنضخ فكرتهما بقمة الاختزال التسجيلي للحدث الروائي وقد ساعده على ذلك الخلفية التاريخية بفيلم باب الشمس والاستدعاءات الكثيرة لوقائع وأحداث قديمة زمنيا عن طريق الفلاش باك فضلا عن طبيعة الموضوع والقصة.
وكذلك نجده قد استفاد كثيرا من الطرح الروائي التسجيلي في تكنيك الإخراج ليوسف شاهين في فيلم 11 سبتمبر الذي يناقش العنف كواقع حي وممارسة فعلية وليس مجرد افتراض أو خيال سينمائي يتنبأ بما سوف يحدث.
الدراسة حافلة بالأعمال والأطروحات والاستنتاجات وهي بالفعل ثرية بما تتضمنه من موارد فنية وثقافية تسوق كلها نماذج وأمثلة في إطار إثبات علاقة النسب بين ما يسميه صلاح هاشم الواقعية التسجيلية والسينما الروائية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية