امونه ألونإن انشغال دولة اسرائيل السيزيفي بتفصيلات ودقائق ما يسمى هنا الان ‘أحداث القافلة البحرية’، يذكر بذلك الأخرق الذي يبحث عن قطعته النقدية تحت مصباح شارع، لأن أسهل عليه أن يبحث في الضوء من البحث في المكان المظلم الذي ضاعت فيه منه القطعة في الحقيقة.
حدثت أمور غير جيدة في السنين الأخيرة في سلوك المجتمع الاسرائيلي وقادته. أفلت شيء ما منا، وضاع شيء ما، ولم ننجح لشدة الظلام حتى في أن نرى ماذا كان ذلك بالضبط. نعلم أننا فقدنا شيئا ما ولا سيما بحسب صوت سقوطه على الأرض، وبسبب الفقدان الذي نشعر به منذ ذلك الحين: فلم يعد الجيش الاسرائيلي نفس الجيش الذي عرفناه، ويصعب على حكومة بعد حكومة أن تفك نفسها من ورطات سابقاتها، ودولة اسرائيل قوية لكنها توحي بالضعف، تمد يدها للسلام لكنها لا تحصل عوض ذلك حتى على دعوة عشاء للسفراء الاجانب في أنقرة.
ليست ‘أحداث القافلة البحرية’ أكثر من حادثة مؤسفة كانت وانقضت. في كل دولة سليمة ينظرون الى حادثة من هذا النوع على أنها خطأ يتكرر دائما، ويعاودون برنامج الحياة في أسرع وقت، ولا سيما عندما يكون برنامج العمل مليئا كما هو عندنا، ولا نقول انه مليء بالاخطار الواضحة الفورية والشؤون التي تتطلب استيضاحا عاجلا وعلاجا للطوارىء. اسرائيل، في مقابلة ذلك، تبحث بلا كلل في شأن مصادمة سفينة ‘نشطاء السلام’ لا لأنها تعتقد ان هذا الشأن هو الأهم والاخطر مما مر علينا في الفترة الاخيرة بل لان هذا هو الموجود الان تحت المصباح. لماذا نبحث عن مصدر ضعفنا في اتفاقات اوسلو، وفي خطة الانفصال وفي سائر الاماكن المظلمة التي ضيعنا فيها الحكمة وقوة الردع. اذا كان يمكن البحث في النور، في حادثة ضئيلة الشأن قرر العالم أن يوجه اليها جميع المصابيح الممكنة؟
إن الأمر الحسن مع كل ذلك هو أنه من كل لجنة تيركل هذه أخذ ينكشف الجبل الجليدي الكبير، الكارثي الذي لم تكن حادثة القافلة البحرية سوى طرفه. فاذا كنا حتى الان استطعنا تجاهل هذا الجبل الجليدي والطمس على المشكلات الحقيقية، فقد أتت الان مباحثات اللجنة الممتازة لتجبرنا على رؤية كيف تتخذ القرارات، ومبلغ ضعف الاتصال بين المستوى السياسي والجيش الاسرائيلي، ومن بين قادتنا غير قادر على الاعتراف بمسؤوليته الشخصية عن قرارته.
إنه أسهل مثلا أن نطلب اطلاق غلعاد شليط من الفحص عن سلسلة التشويهات والمفاسد التي مكنت حكومات اسرائيل حماس بسببها من السيطرة على قطاع غزة واخفاء جندي لنا هناك؛ وأن يطلب هدم بيوت المستوطنين باسم القانون أسهل من رؤية اهمال جميع مستويات الحكم لتطبيق قوانين البناء على العرب في القدس والجليل وفي النقب خاصة؛ والانضمام الى مشاعر الرحمة المميزة بأولاد مهاجري العمل غير القانونيين اسهل من الاعتراف بالمعاناة التي تسببها اسرائيل كل يوم، بسياستها الحمقاء، لأولاد المطرودين عن غوش قطيف ولمئات آلاف الاولاد الفلسطينيين الذين يذوون في الفقر والجوع في قطاع غزة المحاصر اليائس.
إن السلوك المحرج، الذي أظهره رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزراء السباعية ومسؤولو الجيش الكبار في حادثة القافلة البحرية لا يميز ذلك اليوم البائس الذي يضيئه ضوء المصباح الآن. إن الانشغال المفرط باحداث القافلة البحرية هو الذي يكشف عنه الان لكنه السلوك العادي الراتب لقادتنا. فهم يقودون دولة اسرائيل على هذا النحو في جميع البحار.
اسرائيل اليوم 17/8/2010