الشيشة تواجه الحصار ايضا!

حجم الخط
0

تحلق قلوبنا كل يوم مخترقة حدود الزمان والمكان لترف فوق بيوت غزة الحبيبة، لتوصل لأهلها منا كل سلام وحب، ومواساة لهم في محنتهم التي يعيشونها تحت ظل حصار خانق لا يفرق بين طفل وسيدة وعجوز.

نتابع بشغف ولهفة أخبار تخفيف الحصار وقوافل المساعدات والأساطيل البحرية التي تمخر عباب البحار وتصطدم بحدود بحرية موصدة، والأنفاق التي تمثل شريان الحياة لهذا القطاع البائس، حيث تمده بما يحتاج أهله من كل متطلبات الحياة، ومن بينها دخان الشيشة!

وكما نتابع نحن تلك الأخبار التي تتردد في لمح البصر بين جنبات القرية الصغيرة المسماة بالكون الفسيح، يتابعها الملايين في أرجاء المعمورة. منهم من يتلمس خبرا طيبا يطمئنه على أهله، ومنهم من يتربص بخبر يفتح به أبواق الدعاية المعادية لحركة حماس الحاكمة في قطاع غزة.

وبين أولئك وهؤلاء تتناقل الأخبار المبشرة والمنذرة، المأساوية والساخرة، المضحكة والمبكية. ولعل أحدث تلك الأخبار التي أفلتت من خلف أسوار القطاع الساحلي المحاصر، ذلك الخبر الذي تضمن حظرا أصدرته وزارة الداخلية في غزة، على تدخين الشيشة.

وقد عجبت لذلك الخبر لما يحمله من مفارقات عدة، لعل أولها أن قرارا صحيا من الدرجة الأولى كهذا يصدر عن جهة لا علاقة لها بالصحة، ولا أعتقد أن فيها متخصصين معنيين بالشأن الصحي. فدوائر الأمن في أي دولة في العالم، أو قل في أي قرية، لا تملك أن تصدر مرسوما أو قرارا متعلقا بأمور صحية، مثل منع تدخين الشيشة.

فليس عندي أدنى مشكلة عندما تصدر أي جهة صحية في أي بلد حظرا على تدخين الشيشة، حرصا على صحة المواطنين مدخنين وغير مدخنين. وحري بأصحاب الرأي والمشورة والسلطة في غزة التدخل لسحب أجندة الشيشة من وزارة الداخلية، التي من واجبها حفظ الأمن والعمل على راحة المواطنين وهدوء بالهم بمن فيهم مدخنو الشيشة، وأن تعطى هذه الأجندة لوزارة الصحة.

أما المفارقة الثانية فهي أن الجهة صاحبة الحظر قصرت المنع على النساء دون الرجال، بدعوى أن مظهر النساء المدخنات يتعارض مع القيم والتقاليد، واسمحوا لي هنا ألا أتحدث عن المخالفات الشرعية التي يحملها دخان الشيشة معه، سواء كان صادرا عن رجال أو نساء.

والمفارقة الثالثة أن الحظر خوفا على التقاليد والأعراف، لا يمتد ليطول الفنادق والمقاهي المغلقة، بل هو حظر مفروض على الأماكن المفتوحة فقط! فهل التقاليد يجب الحفاظ عليها في الهواء الطلق خوفا من أن تصاب بلفحة هواء في هذا ‘الصقيع’ الذي تعيشه الكرة الأرضية هذه الأيام؟!

والمفارقة الأخيرة أن يطير إلينا هذا الخبر من غزة؛ حيث مآسي العيش لا آخر لها، واهتمامات الحياة وهمومها تطحن الصغير قبل الكبير.

أعترف بأنني لست من أصدقاء الشيشة ولا الدخان، بل إنني من أشد المعجبين بالقوانين الأوروبية التي صدرت مؤخرا، وتحظر التدخين في الأماكن العامة.

ولكني أعترف أيضا بحبي اشتمام نكهات معسل الشيشة بطعم الفواكه، كما انني أستمتع بمشاهدة أصحاب الوجوه التي تختفي وراء دخان الشيشة الكثيف وهي تبدو راضية وادعة مع كل نفس يخرجونه من أفواههم.

فما نسمع به من منع الشيشة على النساء في الأماكن المفتوحة في غزة، هو أمر تضحك منه الثكلى. فشر البلية ما يضحك. فبينما العالم كله يعلن تضامنه اليوم مع شعبنا المظلوم في قطاع غزة، تعلن حكومته الحرب على الشيشة النسائية!

إننا لا نريد رجال أمن مهوسين يلاحقون ‘خدش الحياء’. فمجتمعاتنا بحمد الله تفرق بجملتها بين ما هو لائق وغيره، ولا تحتاج إلى وصي أمني ولا بسطار عسكري. كما أن مثل هذه المحاولات التي أقدمت عليها دول إسلامية، لم تأت بمردود مطلوب، بل أدت إلى انتشار الظاهرة المطلوب منعها.

فليتم منع تدخين الشيشة في غزة لكل من هم دون الثامنة عشرة، شبابا وفتيات، ولكن اتركوا الناس، رجالا ونساء في حالهم، فهم أدرى بشؤونهم ويعرفون عند أي حد تمتد حرياتهم الشخصية، ويدركون المدى الذي يجب أن تتوقف عنده.

طرفه بغجاتي – النمسا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية