محمّد لافي في ‘.. ويقول الرّصيف’د. خالد عبد الرؤوف الجبر(1)يقفُ النّاقدُ دائمًا على مفترق طُرق حينَما يُقاربُ مجموعةً شعريّة، أو قصصيّة، أو نصّا روائيّا، مقاربةً نقديّة. من أين يبدأ؟ وكيفَ يحدّد نقطة الانطلاق؟ هل يُعالجُ المجموعةَ بوصفِها نصّا كلّيّا واحدا، أو يتناولُ نُصوصَها الجُزئيّة نصّا نصّا؟ هل يبحثُ عن الخيطِ النّاظم للنّصوص كلّها، ثمّ يلاحقُه في ثنايا النّصوص، مفسِّرًا سائر المظاهر الأدبيّة الفنّيّة والتشكيليّة، والفكريّة، في ضوء ذلك الخيط النّاظم (القضيّة المحوريّة)، أو يركّز على بعض القضايا الشّكليّة كالتّناصّ والبناء واللغة والصّورة كُلاّ على حِدة؟ولعلّي كُنتُ، ولا أزالُ، أعالجُ أيّ مجموعة شعريّة بوصفها نصّا واحدًا مكتملاً، وإن يتراءَ في نُصوص موزّعة على صفحات المجموعة كلّها؛ ولهذا المنهج ما يسوّغه على صعيدِ البنية الدّاخليّة للمجموعة، وعلى مستوى اختيار الكاتب لتلك النّصوص لإيداعها في مجموعة واحدة، ثمّ تنسيقها وترتيبها في وحدات / مقاطع نصّيّة في المجموعة، وهذا يقتضي الإجابة عن أسئلة محدّدة مثل: لماذا اختارَ الشّاعر هذه النّصوص لهذه المجموعة؟ لماذا رتّبها بالصّورة التي ظهرت عليها في صفحاتِ المجموعة؟ ما الذي يكشفُ عنه هذا الاختيار وذلك الترتيب من أمور تتّصل بالمحور الجامع للنّصوص والقضيّة الجوهريّة فيها والبذرة التي تنتظمُ تشكيلَها…. صحيحٌ أنّ بعض الشّعراء لا يصدُرون في هذا عن تحديد واعٍ مقصود، لكنّ ذلك لا علاقة له بعمل النّاقد أوّلا، ثمّ إنّ غير الواعي أحيانًا يدلّ كما يدلّ الواعي وأكثر.كنتُ ألاحقُ في كلّ مجموعة شعريّة بعدَ قراءات متعدّدة لها ما أسمّيه: البذرةَ الحيَّة الأولى التي شكّلَتها، وهي البنيةُ الأساسيّة التي تتراءى في نصوص المجموعة كلّها، وتستدعي سائر المظاهر والظّواهر اللغويّة والفنّيّة والبنائيّة في المجموعة؛ أي إنّ النّصوص والمقاطع النّصّيّة كلّها في المجموعة تجسّد ترائياتٍ نوعيّة، وتلوّنات اشتباهيّة، لتلك البذرة الحيّة، وهي تحوي خصائصَها الوراثيّة الأساسيّة مهما يبدُ بينَها اختلاف أو تنوُّع أو تناقضٌ ظاهريّ في البنية السّطحيّة، فهي في البنية العميقة والتّحليل النّهائيّ تتّصل بتلك البذرة الحيّة بشرايين وأوردة وأعصاب. وهذا التّصوُّر هو الذي يجعلُ النّصّ الشّعريّ نصّا حيّا قابلاً للنّموّ والتطوّر والتشكّل دائمًا بالفِعل القرائيّ، وهو أيضا ما يجعلُه قابلاً للذّبول والضّمور والموت والاندثار بالفعل القرائيّ: استقبالاً وتأويلاً!(2)قد لا يتيحُ الوقتُ الإجابةَ في هذا الورقة عن أسئلة تتعلّق بتحليل عناوين النّصوص، وتشكّلات المقاطع النّصّية، وتوالي عناوينها على الترتيب والتنسيق الذي ظهرت به في المجموعة (.. ويقول الرّصيف) لمحمّد لافي، والخروج من هذا كلّه بنتائج تتّصل بالبنية العميقة لهذه المجموعة، ولكنّني سأكتفي بالقول في هذا الشّأن:تشتمل المجموعة (.. ويقول الرّصيف) على المقاطع النصّيّة الآتية:افتتاحيّة العراء: وفيها قصيدتُه الرّئيسة (ويقول الرّصيف).لافتات: وفيها نصوصه (مسؤول ثوريّ؛ ولاء؛ زمن (1)، زمن (2)؛ زمن (3)؛ مقاومة).ثُنائيّة: وفيها نصّاه التّكراريّان (الرّجال؛ البيوت).بيان: مقطعٌ / قصيدة، وفيه نصّه المهدى إلى ولده فرات.جنوبيّون: مقطعٌ / قصيدة مهداة إلى محمّد علي شمس الدّين.مقامتان للعُوجا: وفيها المقامة الأولى، والمقامة الثانية.وجوه: وفيها نصوص عشرة قصيرة متّصلة بالوجوه مرقّمةً من (1) إلى (10).شرفة على ليالي الوحيد: مقطع قصيدة.قصيدة عمياء: مقطع قصيدة.قصائد: وفيها نصوص قصيرة كثيرة هي: (الحصان؛ نهايات؛ سهر؛ القرويّ؛ فضول؛ ديمقراطيّة؛ فاصلة؛ دعوة؛ حنين؛ خطأ؛ ارتباك؛ ملل؛ رصد؛ تكرار؛ السيّدة/ الشّبّاك؛ غياب؛ هجائيّة).وأضيف إلى ما تقدّم مسألتين أساسيّتين هما:لقد أنجز محمّد لافي هذه المجموعة في مدّة زمنيّة محدّدة حكمتها المدّة التي يفرضها مشروع التفرّغ الإبداعيّ باتّفاق مع وزارة الثقافة الأردنيّة، ولهذا فإنّ بعض النّصوص هنا كانت محكومةً بالواقع الضّاغط زمنيّا وحدَثيّا، وقد عانى محمّد لافي في المدّة التي سبقت إنجاز هذه المجموعة وفي أثنائها أيضا من فقدِه زوجته وضغوط أخرى كثيرة يعرفها بعض أصدقائه.هكذا تقرأ في نصوصه مثلاً قوله1: وهذي القصيدةُ عمياءُوالسّرطانُ الذي احتلَّ جسمَالحبيبةِ أعمىوسيرةُ قلبيَ عمياءُقابيلُ أعمىوهذي الخليقةُ ترحلُ بينَ يديَّ إلى الموتِ، عزَّ الظّهيرةِ،عمياءَ عمياءَ عمياءْوفيه أيضا2:الليلةَ الوحيدُ ظلَّ سادرًافي وحدَتِهْولم يُغادرْ بابَ شقَّتِهْولم يقِفْ في شُرفَتِهْفقط يلمُّ شاردَ الدّنيا بحاضرينِ:كأسُهُ… وقبرُ زوجتِهْ!إنّ هذه المقاطع النصّيّة تشيرُ منذ البدء إلى علاقات نصيّة ناضجة بين نصوصها ونصوص أخرى لشعراء عرب قدماء ومعاصرين؛ فافتتاحيّة العراء (ويقول الرصيف) تُحيل مباشرةً على الصّعاليك ونصوصهم التي خرجوا بها على التقليد الفنّي للقصيدة الجاهليّة المستقرّة، و(لافتات) تبرزُ أحمد مطر بلافتاته، و(ثنائيّة) تستحضرُ أمل دنقل في بكائيّته بين يدي زرقاء اليمامة، و(شرفة على ليالي الوحيد) تستدعي طيفَ السيّاب في غريب على الخليج وأنشودة المطر وعودة السّندباد، وقصيدة عمياء تستحضر بشّاراً وأبا العلاء المعرّي.وليس معنى ما تقدّم أنّ محمّد لافي كانَ يتأثّر خُطا هؤلاء وإيقاعاتهم تأثّرا واعيا مقصودًا، إنّما هي ثقافتُه الشّعريّة أوًلا، وتداعيات الحال التي تشتبه على صاحبها أحيانا ثانيا؛ فأن يفزع الشّاعر إلى ثقافته النصيّة الشّعريّة أمرٌ طبيعيّ؛ لكنّه أحيانًا يبرز موتيفًا لا علاقة له بالتّناصّ أو النّصوصيّة كما سيظهر في موتيف تحمُّلنا لخطيئة أبينا آدم.يبقى أن نقول: إنّ عنوان المجموعة (.. ويقول الرّصيف) له دلالتُه الفاجعة، فالرّصيفُ بما يحملهُ من دلالاتٍ على التّهميشِ للشُّعوب والمثقّفين الرّافضين من النّظام العربيّ الرّسميّ، ولحاملي الحلم الرّماد من النّظام الرّسميّ الفلسطينيّ (اتّجاه أوسلو)، يحمل دلالةَ تهميش الأمّة العربيّة كلّها من النّاظم الرّسميّ العالميّ، وهو ما تُظهره القصيدةُ الأولى من قصائد المجموعة التي تخلصُ إلى المقطع الآتي3:كلُّنا في العَراءِ سَواءُلا شُموخٌ، ولا كِبرياءُويقولُ الرّصيفُ: أنا ترجُمانُ الهزائمِأنّى اتّجهتُم، على كافّة الجبَهاتْواختصارُ المسافةِ بين الشّرائح والطّبقاتْويقولُ الرّصيفُ: بِبَحري تصبُّ الخُطىمن جميعِ الجِهاتِ القصيَّةْوعليهِ أوقِّعُ: إنّي أنا الأمّةُ العربيَّةْ!(3)لا يكادُ أديبٌ فلسطينيّ واحد تجاوزَ الكتابةَ عن النّكبة والنّكسة وفقدان الوطن والخروج من الجنّة والحنين إلى الفردوس المفقود، ولم يُجانب إلاّ أقلّ القليل منهم الحديثَ عن المنافي والشّتات وعذابات التّشريدِ في بلادِ الله وبلادِ ذوي القربى، ولن يجدَ القارئُ في الأدب الفلسطينيّ الحديث سبيلاً للتهرُّب من استطلاعِ تأثير المنافي في الفلسطينيّ، وتأثير هذا كلّه في حركة الأدب العربيّ الحديث بفنونه المتعدّدة وأشكاله قديمِها والطّارئ منها بعدَ النّكبة والنّكسة.ولا يكادُ أديبٌ فلسطينيّ واحدٌ أيضا من الذين شهِدوا انهيارَ الحُلم بعدَ مدريد وأسلو ومفاوضات التّسوية المزعومة تجاوزَ الكتابة عن هذه كلّها موضوعًا، أو لم يقع تحتَ وطأتِها في أدبِه، على اختلافِ رؤى الأدباء الفلسطينيّين وتنوُّعها. فالقارئُ يجدُ المنساقينَ تحتَ راية أوسلو والمنظّرين لها والمنسجمين معها تلبيةً لمصالحهم الشّخصيّة الضيّقة حينًا، أو نتيجةً لتعمُّقِ رؤيتِهم لعبثيّة الموتِ الفلسطينيّ الذي لا يحولُ دونَه حقوقٌ ولا منظّمات وإخوة ولا أقارب؛ ويجدُ كذلكَ الرّافضين لأوسلو وما أنتجتهُ من وطنٍ كرتونيّ لا قيمةَ له، بل هو مشكلةٌ لا حلّ للمشكلة. إنّ كثيرًا من النّاس رفضوا محمود درويش الذي تحوّل شعرُه وشخصُه بعدَ أوسلو، ولم ينظُروا حقّا في أسباب التحوّل، لكنّ بعض الأدباء الفلسطينيّين إن لم نقُل أكثرهم ظلّوا على مواقفهم الرّافضة، ودفعوا لقاء ذلكَ أثمانًا باهظةً، فقد هُمِّشُوا وأُلغُوا وأُقْصُوا، وحُوصرَ بعضُهم حتّى في المنافي نتيجة امتداد أذرُع السّلطة وأجهزتِها واشتباك مصالحِها مع مصالح دُول لم تتنبّه على الخديعة التي عاشتها وتعيشُها جرّاء اعتمادِها على ثُلّة من المتنازلين، حتّى بلغَ بها الأمرُ ما بلغ.إذا شئنا التّدقيق والتّحقيق قُلنا: لقد كان تأثيرُ النّكسة في الأدب الفلسطينيّ والعربيّ عامّة أكبرَ وأعمقَ وأجلى من تأثير النّكبة، ولعلّ لأوسلو ومدريد ومسار التفاوُض العبثيّ الاستسلاميّ في وقتنا الحاضر، وحصر خيارات العلاقة مع العدوّ بالتّفاوض وحدَه، تأثيرًا عميقًا في الأدب الفلسطينيّ بصورة خاصّة، وإن يكن له بعض الامتداد والتأثير في الأدب العربيّ على وجه العموم.(4)لستُ متّفقا هنا مع ما كتبهُ الأستاذ عمر شبانة في مجلّة نزوى العمانيّة (العدد 8) حينما قال: ‘بصدور المجموعة الشعرية السادسة للشاعر الفلسطيني محمد لافي، يمكن لمن تابع تجربة هذا الشاعر أن يميز ملامح تجربة تشكل حضورا بارزا في سياق ما يمكن تسميته بالشعر الفلسطيني، بعد أن هدأت أمواج وسيول ما ظل يسمى ‘شعر المقاومة’، فراح يصعد في فضاء الشعر العربي عامة شعر عن الهزيمة والانكسار والانهيارات بعد بيروت 1982 تحديدا، التي شكل حصارها و’انهزام’ المقاومة فيها ومنها الضربة الأقسى لحركة التحرر العربي الحالمة – والتي أمدت الشعر العربي – آنذاك، ومنذ الخمسينات -بالرؤى والتصورات الثورية’؛ ذلك لأنّ الشّعر الفلسطينيّ ما زال يعبّر عن روح الرّفض والتمرّد والمقاومة؛ أمّا الذين انهاروا وسبّبوا انهيار غيرهم معهم فهم أولئك المنتفعون، أو المنسجمون مع السّلطة لا غير!!وأتّفق مع الأستاذ عمر شبانة في أنّه يمكن تقسيم شعر محمّد لافي إلى ثلاث مراحل، وأضيفُ إليها مرحلة رابعة هي التي ظهرت في مجموعتيه الأخيرتين، ويمكن القول معه إنّ شعره يدورُ في دوائرَ هي:الدائرة الأولى: ارتسمت خطوطها في مناخ المقاومة، وجاءت المجموعتان الأولى والثانية ‘مواويل على دروب الغربة’ و’الانحدار من كهف الرقيم’ الصادرتان في العامين 1973، 1975 علامتين من أهم علامات الشعر المقاوم في الشتات.الدائرة الثانية: كانت بمثابة محطة تمثلت في مجموعة شعرية، هي قصيدة واحدة جاءت بعد صمت دام قرابة ثماني سنوات، وهي قصيدة ‘الخروج ‘ (1983)، التي شكلت جسرا للعبور الى الدائرة الثالثة. الدّائرة الثالثة: اشتملت على مجموعتين شعريتين قبل أن يتوجها الشاعر بالمجموعة الثالثة -الجديدة.. وكانت هذه الدائرة قد بدأت في العام 1989 بقصائد المجموعة ‘نقوش الولد الضال’ الصادرة في دمشق حيث كان الشاعر يقيم، وامتدت الى مجموعة ‘مقفى بالرماة ‘ الصادرة في عمان 1993، ثمّ ختَمها محمّد لافي بمجموعتِه ‘أفتح بابا للغزالة’ التي صدرت في بيروت 1996.الدّائرة الرّابعة: وهي التي بدأها محمّد لافي بمجموعته ‘لم يعُد درج العمر أخضر’ الصّادرة في عمّان (2005)، وهذه المجموعة (2010).(5)بِنية المجموعة:ثمّة ثنائيّات أساسيّة في هذه المجموعة، وهي تؤول في غايتها إلى ثنائيّة واحدة، ولعلّي أسوق هذه الثنائيّات سوقًا لكي أصل في النّهاية إلى الثنائيّة الجوهريّة؛ أي البذرة الحيّة التي خلّقت نصوص هذه المجموعة، وهذه هي:أوّلا: ثنائيّة الذّات بين الطّفولة وميعة الصِّبا في (العُوجا) ومحمد لافي في الستّين في المنافي، وهي ثنائيّة ممتدّة بحدّة في هذه المجموعة الشّعريّة؛ بل لعلّها الثنائيّة الأكثر امتدادًا وبُروزًا من سائر الثّنائيّات الأُخرى. إنّ ثنائيّة الذّاتِ بين صِباها الذي كانت فيه في الوطن، والذّاتِ في المنافي بعدَ أن حفرت السّنين والمنافي فيها وعلى قسَماتِها ما حفرت لا تنفصمُ بحالٍ عن صورة المقارنة الفاجعة بينَ الوطن والمنفى، ولعلّها تؤسّس لغيرِها من المقارناتِ الفاجعة الأُخرى. وتظهر هذه الثنائيّة في قوله من المقامة الثانية للعوجا4:من شُرفةِ الستِّين حيثُ لا سنَدْأُطلُّ يوميّا على خِيانةِ الجسدْوأسألُ الولدْشَبيهيَ الذي قد كُنتُهُ:هل من أحدْيدلُّني على دُخانِ بيتِنا،وقهوةِ الضُّحى، وعُشبِ راحتَيْكْهل من أحدْيدلُّني عليَّ، أو يدلُّني عليكْ؟!ثانيا: ثنائيّة الحضور والغياب، وهي متّصلة بالمكانِ الوطن. وثنائيّة الحضور- الغياب ثنائيّة بنيويّة في الشّعر الفلسطينيّ المنفيّ، ولعلّها بنيويّة في الشّعر الفلسطينيّ عامّةً ذلك لأنّ الفلسطينيّ حتّى داخل الوطن جُرِّد من وطنِه قَهرًا، فهو ما زالَ يعيشُ حياةً غير طبيعيّة حتّى في وطنِه، وبهذا أصبحَ المكانُ حاضرًا في الشِّعر ليكونَ بديلاً عن غيابِه في الواقع، وليسَ ذلك رغبةً في حمْلِه إنّما رغبةً في إثباتِ كينونة الذّات التي تفقدُ مسوّغ وجودِها بدونِه. إنّ الإبقاء على الوطن حاضرًا حتّى في المنفى يتّخذ أشكالاً كثيرةً في الواقع، ويتمظهرُ في الشِّعر الفلسطينيّ بصورٍ شتّى، وهو صورةٌ من صور الاستعدادِ للتّضحيةِ بالوجودِ الذّاتي المتعيِّن قِبالةَ المحافظةِ على الوجودِ المعنويّ المُعايَن؛ أي التّضحيةَ بالموجودِ للإبقاء على الوُجود! وتظهرُ هذه الثنائيّة في قوله من (المقامة الثانية) للعوجا5:… للشّبيهِ يُدَوزِنُ الكلماتِ في أولىقصائدهِ السّلامُ، لكلِّ ذِكرى قد حملتُ، لكلِّ شِبرٍقد تركتُ هُناكَ يا عُوجا’ السّلامُ،لكِ الحُضورُ، ولي امتِداداتُ الغِيابْلكنّ المكانَ الحاضرَ الوحيدَ في هذه المجموعة ليسَ حاضرًا لدى الجميع؛ إنّه حاضرٌ حسبُ في الذينَ لم يتنازلوا، في الرّجال الرّجالِ الذين آلَوا على ذاكرتِهم أن تتوجّس خِيفةً من حَملِ الوطنِ في الذّاكرة حتّى حينَما يُضحي الوطنُ عِبئًا لا يقوى على حمله إلاّ ‘قادة فيالقِ الرّمادِ والرّفض’ كما قال محمّد لافي في الإهداء6. يظهرُ هذا واضحًا في خاتمة قصيدتِه التّكراريّة التّوكيديّة (البيوت) حينما قال7:البيوتُ التي لا تُباعُ ولا تُشتَرىالبيوتُ التي نقَّطت في الولادة أسماءَناالبيوتُ التي نقشَتْ فوقَ جُدرانِها الطّينِحكمةَ أجدادِناالبيوتُ البعيدَةْالبيوتُ التي غيَّبَتها الجريدَةْالبيوتُ التي زوّجوها الزّمانَ المقايِضْلا تَهُمُّ المُفاوضْ!ثالثا: ثُنائيّة الحلم الرّماد، فالحلمُ بهذا الوصفِ يكونُ قد تعرّض للحَرقِ والتّدمير حتّى أضحى رمادًا؛ لكنّ وصفَه بالحُلم يبقي على قابليّة التجدُّد والانبعاث. وإذا كانَ الزّمن هو الفاعلَ في الحُلم لدى محمّد لافي، فلا يمكن لنا تصوُّر أن يكونَ الزّمانُ بهذه الفاعليّة الكاسرة إلاّ وهو يقصدُ المسكوتَ عنه الماثل في قولة الشّاعر العربيّ (نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا). يبرزُ الحُلم هنا آسرًا كاسرًا، ويبرزُ عبؤُه القاتلُ على حامليه المتمسّكين به؛ قال في زمن ‘2’8:زمنٌ على كفَّيهِ تنكسرُ الفصولُ،ولا يظلُّ سِوى الخريفْزمَنٌ يساوِمُنا على الرّاياتِ بالمنفى،وعُمر لاهثٍ خلفَ الرّغيفْزمَنٌ يُحاسبُ خَطوَناحتّى على الحُلم الرّمادْ…(يِلعَنْ أبوهْ قوّادْ!)رابعًا: ثنائيّة الثّبات والتّحوّل، وهي متّصلةٌ بالمقارنة بين الذّات الشّاعرة وكلّ ما عداها، ولعلّ الشّاعر يريدُ بها تثبيتَ موقفِه الصّارخ في وجهِ تحوّلات الدّنيا حوله، وإشهار بقائه المستميت المقاومِ في وجهِ التيّار. إنّ ثباتَ الشِّعر والرّصيفِ على حالهِما مع تراجُع الخيول وتكسُّر السّيوف إلاّ من الرّقص ومسابقاتِ الجمال والأصالة المزعومة الشّكليّة، يعبّرانِ عن ثباتِ الذّات الشّاعرة على حالها، وثباتِ من يُحاسبونَها على ذلكَ الثّباتِ بأن تظلَّ مُهمّشَةً لا مكانَ لها في مضمارِ الرّقصِ والتّنازُل. قال في قصيدتِه (مقاومة)9:أقولُ: كم تراجَعتْ خيلٌ، وكمتكسَّرَتْ سُيوفْلكنَّما إثنانِ لم تطَلْهُماسِهامُ هذي الرِّحلة الخريفْ:الشِّعرُ… والرّصيفْ!لقد تغيَّر كثيرون من لِداتِ محمّد لافي، ورفاق النّضال، وغيَّروا من أجل حفنةِ من العيشِ المُنعَّم في المنفى، وبعضهم غيَّر وتغيّر من أجل العيشِ في الوطنِ في ظلّ الاحتلال، بل مشاركة الاحتلالِ في الوطن. لكنّ أمثال محمّد لافي لم يغيِّروا ولم يتغيّروا، ولم يُؤثروا أنفسهم ولو كانَ بهم خصاصَة؛ هكذا أُبقي هؤلاء على الرّصيفِ مُهمّشينَ لكنّ الوطنَ بقي حاضرًا فيهم، وحاضراً في أشعارهم. إنّهم رجالٌ لم يتنازلوا عن قوس الحنين، وظلّوا يمدّون قناديلَهم بزيتِ دمهم لتطلّ مشتعلةً تهدي القادمين إلى الطّريق. قال في قصيدته التّكراريّة التوكيديّة (الرّجال)10:الرّجالُ النّشيدْالرّجالُ الذين يرنّ حُداءُ قوافلِهمفي البعيدِ … البعيدْالرّجالُ الذين يشدّون قوسَ الحنينْالرّجالُ القليلونْالرّجالُ الذين على سفَرٍ أبدًا يذهبونَ،ولا يرجعونْالرّجالُ السّؤالُ الذي ظلَّ دونَ إجابةْهكذا يتركونَ قناديلَهمْ،ودُخانَ بيوتِهِمُو… في الكِتابةْ.وهي الصّورة نفسها التي نجدُها في خاتمة قصيدتِه (نهايات)11:تُغلقُ، الآنَ، صورتَهافي المرايا الفتاةُ الوحيدةْهكذا، آخرَ الليلِ لا يتبقّى سوى… شاعرٍ وقصيدةْ!(6)تماهِي البِنيات المكوِّنة:لا يمكنُ الحديثُ عن هذه البِنيات الثّنائيّة التي شكّلت معالم هذه المجموعة منفصلاً بعضُها عن بعض، فهي في غاية النّهاية بنياتٌ تنويعيّة لبنية أساسيّة جوهريّة لعلّها قائمةٌ على تغييبِ الوطنِ والذّاتِ بفِعل الاحتلال؛ لكنّ محمّد لافي يسعى لسَبْرِ غَورِ هذه البنية بتسليطِ الشِّعر على التّغييبِ وأسبابِه. إذا كانَ الاحتلالُ الذي سلبَ الذّات الشّاعرةَ بيتَها الطّينيّ في (العُوجا)، وشرّدها في المنافي، نازيّا شوفينيّا، فإنّ الذّات كانَ يمكنُ أن تحتفظَ بالوطنِ في ذاكرةٍ لا يمكنُ تغييبُها، ولا يمكنُ في حالةٍ كهذه للاحتلالِ أن يفصلَ فصلاً جراحيّا بين الذّات والوطن، ولا يمكنُ له اقتلاعُ الوطنِ من الذّاتِ حينَما أمكنَه اقتلاعُها منه. المشكلةُ كما يصوّرها محمّد لافي ليست في الاحتلال وحدَه، إنّما في الذين مكّنوا الاحتلالَ من البقاء، ويسّروا عليه متابعة فعل الاقتلاع بأن يعمل على كيِّ الوعي وتفريغِ الذّاكرة حينَما ارتضوْا أن يكونَ بديلاً عن الذّاتِ في بيتِها الطّينيّ في (العُوجا)، وأوهموا الذّاتَ بالفعلِ النّضاليّ الذي أوصلَ بعدَ حين من الزّمن إلى كُفرانِ كثيرينَ، وبعدَ سُقوطِ كثيرينَ في الطّريقِ، إلى حيرةٍ مربكة، وتنازُل مُريع، واشتغالٍ مُثابرٍ على إمكانيّة التّسليم للقوّة بالحقّ، والنّسيان التّفريطيّ لقوّة الحقّ. يقولُ في (المقامة الثانية) للعوجا12:ويسوقُني قدَري بهذا العَتمِ، لا برقٌأمامي في سُرايَ، ولا ورائي. أقطعُ المنفى بِخَيلِ الذِّكرياتِ، وحربُ أهلي فيردائي. أسألُ العُمرَ الرّجيمَ الآنَ كم’صِفِّينُ’ تُولَدُ من دِمائي؟! أسألُ المتصارعينَ على الخلافةِ: هل أضأتُمْلي طريقا واحدًا للبرتقالِ، وهل أجرْتُمْمن سِهامِ الصّائدينَ دَمَ الغَزالِ؟!وأسألُ المتفاوضينَ على حُدودِ وشكلِهذي الدّولة الكرتُونِ: هل هذا الذي اجتَرَحَتْهُ طائرةُ ‘الأباتشي’ في المدىالغَزِّيِّ، في هذا المدى المفتوحِللغِربانِ والنِّسيانِ ماءٌ أم سرابْ؟وإذا كان هناكَ احتمالٌ لعودةِ الذّات إلى بيتها الطّينيّ، فإنّ ذلكَ ليس ممكنًا إلاّ بإزالة الحواجز المانعة من الفعل الجماهيريّ، أي بفتح الطّريق أمامَ الذّوات التي ما زالت مؤمنةً بإمكانيّة العودة، وحاملةً لمشعل قوّة الحقّ، وعدم التّسليم بالهزيمة الكليّة، وراغبةً في الانعتاقِ من كلّ عمليّات غسلِ الأدمغة التي سُلِّطت على الرّقاب على مدارٍ زمنيّ خجُول تُغتالُ فيه الخُيولُ وتُحوّل إلى زينةٍ في الاصطبلاتِ، وتُنظَّفُ فيه السّيوفُ بزيوتٍ خاصّة مستوردة لتكونَ لامعةً في رقصاتِ الدّبكة والجنادريّة والأغاني، وتُعلّق فيه البنادقُ على جُدرانِ البيوتِ مُنسَّقةً بعنايةِ مهندسي الدّيكور والتّصميم الدّاخليّ فاقدةً لمسوّغ وجودِها، وصارخةً بانكسارِ الزّمن الأصيل. وإذا كانت القدريّة التي يكشفُ عنها نصّ محمّد لافي ممّا يثيرُ السُّخريةَ، فلا نظنّه يُعيرُها انتباهًا إلاّ بمقدار ما يريدُ تعريتَها وتعريةَ زاعميها وحامليها والمنادين بها. يقول في (المقامة الثانية) للعوجا13:ويسوقُني قدري. أنا الأعمى، عصايَدَليلُ خَطْوي، كلّما رنّتْ على الطّرقاتِرنّت في المدى أسمائيَ الحركيَّةُ القتلى،أنا الإرثُ الثّقيلُ. أنا بقايا صافناتِالخَيلِ في زمنٍ تعزُّ بهِ الخُيولُ. أناالطّبولُ. أنا القوافلُ في الصّحارى الجُوفِضيَّعها الدّليلُ. أنا سليلُكُمُ. أنا حِزبُالعشارِ حينما تتناسلُ الأحزابُ منهُ،وفيهِ. إنّ حكايتي شَرحٌ يطُولُ. أمرُّمن حربٍ إلى حربٍ، ويأخُذُني إلى حتفيالنّقيضانِ: المُقاتلُ والعميلُ. الآنَتختلطُ الخنادقُ، يستوي فيها اليسارُمع اليمينِ، كلاهُما قابيلُ. ها أناذا ألمُّ الصّوتَ من أطرافهِ، وأصيحُ:ليسَ هناكَ إلاّ الشّارعُ المغدُورُ في مدِّالمسافةِ، فارفَعُوا هذي السّيوفَ عَنِالرِّقابْ.إنّ الاحتلالَ يكادُ يغيبُ بوصفِه الفاعلَ الأساسيّ في انكسار الذّات عن هذه المجموعة؛ ولا يكادُ الباحثُ يجدُ مسوِّغًا لهذا الغيابِ إلاّ ما يمكنُ ابتداعُه من تبريرٍ قاسٍ، يكمنُ في أنّ ذوي القربى من الفلسطينيّين والعرب لم يمكّنوا الذّات من الاستمرار في الفعل النضاليّ لاسترجاعِ الوطنِ/ البيت الطّينيّ في العُوجا. ولعلّ لافي ككثيرٍ من الفلسطينيّين ما زال يحملُ ندامتَهُ على الرّحيل عن بيته الطّينيّ، لكنّ هذه النّدامة تنقلبُ إصرارًا على بثِّ العتابِ، وشكوى صارخةً من الأقربين الذين توزّعته منافيهم مُعلنةً أنْ لا فعلَ نضاليّا يمكنُ أن يمرّ من منافيهم حتّى ولو رغبةً في عودةِ الفلسطينيّ إلى بيته الطّينيّ. يبقى العتابُ والشّكوى دليلَين فاجعين على الرّغبة الجامحة في انعتاق الذّات منهما؛ إذ لا سبيلَ إلى ذلكَ إلاّ بالمحافظة على الحُلم مهما يصبحْ رمادًا، ومهما يجرحْ حامليهِ وحالميهِ بالطّعناتِ في ظهرٍ لم يبقَ فيه موضعُ شبرٍ إلاّ وفيه طعنةٌ من خيبة14:…. أعاتبُ مَنْوقد كثُرَ الرُّماةُ، ولا يردُّ سهامَهمْ عنظهريَ المكشوفِ لا سهلٌ ولا جبَلٌ. أعاتبُمَنْ إذا ارتدَّت خُيولُ الأقربينَ علىمغنِّيها؟ أعاتبُ من (وحاميها حراميها)!أعاتبُ من؟ وها إنّي سليلُ ندامةٍما زالَ هاتفُها يرنُّ… يرنُّ: لا ترحَلْعن ‘العُوجا’، فمنْ يرحَلْ عن ‘العُوجا’يضلَّ النَّجمَ لِـ’العُوجا’، وتأكلهُ الذِّئابْ.وتسدُرُ الذّاتُ الشّاعرةُ في غيِّها، وتتمادَى في الشّكوى لتضجّ بالقريبِ قبل البعيد، مؤسّسةً في الشِّعر لما يمكنُ كشفُه من السّياسة الفاضحة. إنّ محمّد لافي يُناقشُ نقاشاً شِعريّا أضاليلَ الذينَ لم يتورّعوا عن التّفاوُض حتّى على الدّماء الفلسطينيّة من الفلسطينيّين مثلما تفاوضوا على الأحلام والحقوق. وقبالةَ تنازُل هؤلاء الذي ضلُّوا وأضلُّوا، واستسلموا فرضخوا لكذبة موازين القُوى بين غرب وشرق، وحطّموا سيوفهم وبنادقهم واستمرأوا التفاوضَ على لا شيء إلاّ على التّنازُل إثرَ التّنازُل ليحافظوا لأنفسهم على صورةٍ في شاشاتِ التّلفزة، وموطئ قدمٍ أمامَ الكاميراتِ في المحافل الدّولية والمؤتمرات واللقاءات التي لم تُؤدِّ إلاّ إلى مزيدٍ من التّنازل والتفاوض على التنازل- قبالةَ هؤلاء ظلّ الاحتلالُ محافظًا على ثوابتِه التي لن تهتزّ، لا شيءَ يُزحزِحُه أو يؤثِّر فيه، لا موازين القوى، ولا مزيدُ التّنازُلات وخطبُ الودّ، ولا حتّى الاتّفاقيّات. يشتبكُ العربيّ بالفلسطينيّ في جَدل محمّد لافي الشِّعريّ مُعلنًا بهذا الاشتباكِ عن اندغامِ الجميعِ في حركةٍ دائبةٍ على قتل الحلم15:ويسوقُني قدري بعيدًا عن سمائكِ. تكثرُالأحزابُ والرّاياتُ. يكثرُ في السُّرىالمتفاوضونَعلى دَمي، وأنا أقِلُّ… أقِلُّ يا ‘عُوجا’.الصّعاليكُ النّشامى صُحبةُ الصّحراء ضلُّوانجمَهُم. ضلُّوا عُواء الذِّئبِ. ضلُّوا خيلَهم،واسترسلوا في السِّلمِ، لا هُم واصلُواحَرْبًا، ولا هُم أدركُوا نسبًا. سراةُ البيدِراسلَهُم شُيوخُ قبائلِ المنفى الدّهاقنةُ الدُّهاةُ،وضيّعوهُم في الرّوايةِ بينَ رومٍ أقربينَ،وبينَ فُرسٍ أبعدينَ، ظلَّ داودُ المِحجَّ،وحائطَ الزّمنِ الخُرافةِ تنتهي فيه الخُطى،وعليه تنكسرُ الرِّغابْ.هكذا تكتسبُ المدُن والعواصمُ التي جسّدت المنفى للذّات الشّاعرة أسماءً وأوصافًا مثل: (المدُن الحرام)16، (مفاوز الجِراح)17، (صحارى لا ضمير لها)18، (بلاد الرّوم، المدن الخراب)19، و(المدن الخرساء)20، وتصبح شقَّته (سُرادقَ العَزاء)21، والشّوارعُ (شوارع الهزيمة)22. وهكذا يصبحُ عمرُ الشّاعر في عقدِ الستّين (عُمره المجاز) 23، وتصبحُ الحياة (خريف)، والسريرُ (خريف) 24، وتجدُ الذّاتُ الشّاعرةُ نفسها أمامَ هذا الغيابِ والعتابِ، ونهشِ الكلاب والذّئاب، وانكساراتِها في زمنٍ قُتلت فيه الخُيولُ ونُهِيت عن الصّهيلِ إلاّ من أجل اكتشافِ جَماليّاتِ بُحَّة صوتِها، وتكاثرَ فيه الرّومُ فلم تدرِ على أيِّ جانبيها تميلُ- تجدُ نفسَها تمامًا غريبةَ الوجه واليدِ واللسان كما كانَ المتنبّي يجدُ نفسَه حينَما سارَ كسيرًا مرتحلاً باتّجاه الشّرقِ في شِعبِ بوّان، في زمنٍ انكسرت فيه العُروبةُ حدّ الظّمأ إلى فرسٍ تحنّ إلى الطِّعان راغبةً عن رغدِ العيشِ الخادِع25:’ ناقد من الاردنqd