مازن معروفبيروت ـ ‘ القدس العربي’اختار الكاتب اسكندر نجار أن يروي بيروت على طريقته، عبر ثلاثة أبناء ( جد وابنه وحفيده)، أي ما يعادل ثلاثة نماذج منتقاة بعناية من أجيال ثلاثة هي في زمنها المتتالي تساوي تاريخ بيروت الحديث. ‘ رواية بيروت’ الصادرة حديثا عن ‘ دار الساقي’، تتأسس على دعامات العامل السياسي اولا وأخيرا، فليس هناك من شخصيات يومية في العمل المكتوب، أي أن الرواية تخلو من تلك الشخصيات الحياتية التي تعيش بمعزل عن التحولات السياسية والتقلبات التي ترد في العمل بصورة مهولة. الشخصيات والتي تنحصر في عائلة وما حواليها، تبدو وكأنها موصولة بخيوط خفية تحركها اصابع دول كبرى وتسيّرها تطورات لم يكن للبنانيين فيها ما يذكر. لا شك في أن ما نرده هنا يتقاطع أو حتى يتطابق مع تحليلات شعبية لواقع لبنان الحديث، إلا اننا بدورنا نستمده من الرواية نفسها كخلاصة لعمل توثيقي اكثر مما هو روائي في العديد من مطارحه، وإن اتسم في بعض الأحيان بوجهة النظر الشخصية للكاتب والذي يتبناها بمعزل عن أي آراء أخرى ( كموقفه من الحرب الأهلية وإلقائه باللائمة كاملة على الوجود الفلسطيني المسلح). انطواء الشخصيات في القالب السياسي يغذي الرواية من جهة بواقعية أرادها أصلا الكاتب، كما يشد من جهة اخرى الرابط البشري في العمل بالرابط ‘ الميتافيزيقي’ والمقصود هنا، السياسي، وهو الرابط الغائب والحاضر في الوقت عينه وثيقا في الذاكرة اللبنانية الحديثة. لن تبهرنا شخصيات العمل، فهي ربما ولتعاظم المعطى السياسي والتاريخي حولها، وانعكاس التحولات التي شهدتها بيروت على يومياتها، شخصيات أُفرِغت من هذه اليوميات، حتى بدت الذاكرة اللبنانية في كتب التاريخ شبيهة بالذاكرة اللبنانية في الاعمال الادبية التي تتعاطى مادة التاريخ، وهو الأمر الذي يشكل نقطة سوداء بالنسبة إلى أي عمل روائي من شأنه أن يوثق الحرب، وإن من زاوية شخصية. روكز ( الجد)، الياس ( الابن) وفيليب ( الحفيد) يتناوبون على سرد أقصوصة مكان مليئة بالمفارقات. مكان ولشدة ما فرض عليه من تسويات وانجرافات، يبدو شبيها بإسفنجة تمتص وتحفظ المادة التي امتصتها لتعيد بصقها بطريقة او بأخرى. تلك هي بيروت منذ أن تقرر، ولهدف نبيل، تخليص الجبل اللبناني من الإقطاعيين وسلطة مشايخ آل الخازن الذين استبدوا بالفلاحين واكلوا حقوقهم لفترة طويلة. لا شك في أن هذا الواقع الاجتماعي – الديموغرافي، والذي جذب إليه آنذاك فرنسا الثورة لدعم طانيوس شاهين الفلاح، وأدى إلى تقليب اللبنانيين على بعضهم بعـضاً، ولاحقا حرب 1864 التي امتدت طويلا بين الدروز والمسيحيين والتي عادت إلى الظهور بحلة جديدة أوائل الثمانينيات من القرن العشرين. وهي كذلك بيروت التي دفعت ثمن خروج العثمانيين واضطرت إلى الانصياع لحقيقة كونها نقطة تجاذب في خارطة الحلفاء بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، ومن ثم الحرب العالمية الثانية، ونيلها الاستقلال عام 1943، وإن بإطار صوري، هي نفسها بيروت التي دخلت المعترك الجديد بعد اعلان قيام دولة اسرائيل، ومن ثم بروز تيارات شعبية ‘ عروبية’ عارضها بشدة المسيحيون بوصفها خطرا يتهددهم في الشرق.
إشكالية هذه المدينة تتجلى من خلال العمل الروائي عبر خطين يتغير اتجاه كل منهما بحسب مقتضى الحدث: أولا جاهزية اللبنانيين المتعددي الطوائف، لامتصاص أي تدخل أجنبي باعتباره قوة، ما يستدعي تدخلا مضادا لدولة أخرى سرعان ما يتم تبنيها من فريق لبناني آخر تحت مظلة إيديولوجية أو دينية أو سياسية. ثانيا، أنها مدينة تجمع بين ثنائيات يمكن اختزالها بـ: الرعب والجمال. فهي منهوكة ومرهقة، لم تلتقط أنفاسها إلا لماما في عهد الرئيس كميل شمعون، ما يجعل الحديث عنها كمكان، مخترقا دوما بإشكاليات السياسة والسلاح، وبذلك تكون مدينة بيروت إشكالية تفضي إلى إشكاليات حول مسؤولية العالم باحتضانها أو تخريبها. وهي كذلك بيروت المفارقات الاجتماعية والبورجوازية ( وإن مقتضبة) التي يعمد الكاتب إلى استذكار بعض منها، عبر إسقاطها في خانة التفاعل بين شخصيتين أساسيتين في العمل ( تزويج الأم لأخيها بفتاة تحمل اسم حبيبته التي قررت هجره، غش الأب المسيحي تريسكا في مباراة كرة القدم، بغية تأمين ربح فريقه ‘ الارثوذوكسي’ على الفريق ‘ البروتستانتي’ في الجامعة الامريكية في بيروت، زياد ‘ المسلم’ الذي يسجل هدف اليسوعيين الوحيد في المباراة ضد الفريق ‘ البروتستانتي’. سخرية الفرنسيين من هوارد بليس الذي ترأس بعثة عصبة الأمم ‘كينغ – كراين’ التي عملت على مناهضة الانتداب الفرنسي للبنان…). في بداية الرواية، نكون امام شخصيات متخففة نسبيا من حدة الحدث السياسي، ومنقادة خلف حدسها الشخصي، لتسير بذلك أحداث العمل بمزج بين ناتج تاريخي ومزاج شخصي إلى حد ما. بذلك، تكتسب الشخصيات ديناميكية وحيزا لا نعود نلحظه في مساحات الرواية الأخرى لاحقا، فالكاتب وإن اشتغل قليلا على مكون الشخصية البسيكولوجي في أول العمل ( الجد روكز)، يصبح ومع تتالي الاحداث السياسية اقل عناية بالشخصيات وأكثر انصياعا للتفصيل السياسي. إلا أن ديناميكية المعطى السياسي وحدَّة تفجره، وبالتالي تسارعه، تخطف الشخصيات من مكانها، حيزها، تاريخها الشخصي التربوي والاجتماعي، حتى لتبدو، كشخصيات إنسانية خانعة أمام هول مأساة الحرب او الأزمة، فلا طائل من العمل على تطويرها أو تفخيمها أو جعلها خارقة، الامر الذي يقدم الحرب، وتاريخ بيروت ‘ الحديث’ على طبق الطزاجة، وبخاصة وأن المدينة لا تزال إلى الآن تنوء تحت ثقل التدخلات الخارجية، وإن اختلف شكل هذه الدول قليلا.
يفيد الكاتب من عناصر العمل الجاهزة، فالمكان ثابت ( بيروت)، يتمخض عنه مكان آخر، هو باريس من خلال تبيان علاقة اللبنانيين ( وبخاصة الفئة البورجوازية) مع الثقافة المدرسية الفرنسية من جهة، وامتداد وجود فرنسا في حياتهم اليومية إلى اعتبارها حلما او ملاذا للسكينة. أما الزمان، فهو متسلسل، اي أن لا حاجة لاختراعه، بل تصفيته وضغطه بما يتوافق وما يريد الكاتب إيصاله. فنجار ينتقي من الأحداث ما يصب في خدمة رؤيته للحرب، أو لبيروت – مكان الحرب. وهو بذلك يحذف وقائع سياسية قد تبدو غاية في الأهمية بالنسبة إلى أطراف اخرى ( جلاء الجيوش الفرنسية، حوادث طرابلس في الخمسينيات، تفاصيل التظاهرات المضادة لشمعون، تفاصيل طل المسيحيين لتدخل سورية وإنهاء الحرب..)، إلا أنها توظف في العمل بناء لتقاطعها ‘ عرضيا’ مع الحقائق كما يشير الكاتب في بداية الرواية. هذا التثبيت للمكان والزمان، ومن ثم الشخصيات السياسية الكبرى في العمل يجعل من ‘ البطل’ ( روكز / إلياس/ فيليب) مجرد عين تقرأ التوازنات السياسية والتغيرات السوسيولوجية والعمرانية التي إلى يمينها أو يسارها، ومن ثم تكدس هذه التطورات داخل العين حتى لتنفجر هذه الأخيرة. فتماس الشخصية ‘ فيليب’ مع الوقائع السياسية يطبع العمل بطابع ‘ الروائي’ وينأى به عن تحوله درسا في التاريخ. ولكي يعطي علامات على ضرورة حضور الشخصيات، فإنه يقوم بوضعها بمحاذاة رموز لبنانية بالغة الأهمية: الجد عرف طانيوس شاهين، والأب الياس الطبيب عاين جمال باشا السفاح، ومن ثم اسهم في تهريب رسائل بشارة الخوري إلى مناصريه اثناء اعتقاله في راشيا، اما أخوه جو فهو صديق للشيخ بيار الجميل، ومقرب من بشير الجميل. أما فيليب نفسه فتتقاطع حياته ‘ العادية’ مع حياة بيار الجميل مؤسس حزب ‘ الكتائب اللبنانية’ وميشال شيحا أبي الدستور اللبناني ( 1926) وشارل حلو ‘ الصحافي والمحامي الموهوب’ والذي سيصبح رئيسا للجمهورية اللبنانية خلال واحدة من أكثر فترات لبنان السياسية إحراجا، وإدوار صعب الصحافي الذي مات اغتيالا برصاصة قناص، ومارسيل خليفة وإن عرضيا في آخر العمل. الرواية المكتوبة أصلا بالفرنسية ( ترجمة حنان عاد)، أي للقارئ الفرنسي قبل العربي، تشتمل على تصاوير مستهلكة في أدب ما بعد الحرب او ما يسمى كليشيهات، كما في الميديا اللبنانية بشكل خاص ( كمحفز على العيش المشترك) ومنها، ما يرد حول بناية سركيس التي يقطنها فيليب وأبوه والعائلة ( مسيحيون) إلى جانب عائلة مسلمة ويهودية وأرمنية، او ما يورده الكاتب في العمل عند إعلان دولة لبنان الكبير قائلا: ‘ هلال الجامع وصليب الكنيسة بارزان في سماء صافية: يتهيأ للناظر أنهما يتطابقان’، أو الميل إلى تبيان ضرورة العيش المشترك ( صداقة فيليب المسيحي مع زياد المسلم ـ زواج فيليب ونور الأخت الصغرى لزياد رغم معارضة أهليهما، انصياع الأب كوستا لوالد زياد بتعليمه القرآن في الكلية بدلا من التعاليم المسيحية لانه مسلم..). عقدة العمل، الخاصة بالشخصيات وحدها، ترتسم في القسم الأخير من العمل، إذ يتحول السياق الدرامي عن كونه تاريخياً وسياسياً إلى كونه شخصياً بحتاً ( تبادل فيليب المسيحي الحب مع نور المسلمة). لكن وقوف عائلتيهما حائلا امام زواجهما لا يكون إلا مقدمة لتراجيديا إيديولوجية لاحقا. فبعد أن يتزوجا يعقد مدني في قبرص، ويفرضا امرا واقعا على الجميع، تتجلى تراجيديا أخرى، مكثفة بقطبي صراع ( يساري وكتائبي)، ينفذان إلى حياتهما الصغيرة التي تدمر فينفصلان ( نور تنضم إلى صفوف الحزب الشيوعي اما فيليب فيقف محايدا مستبصرا خطورة الغليان السياسي الذي بدأ يظهر بين الشيوعيين الموالين للقضية الفلسطينية والكتائبيين المناهضين للوجود الفلسطيني المسلح). أما العمل المركّب قلبا، وقالبا من خلال تقسيمه إلى اجزاء شبيهة بعرض بصري وثائقي، فسواء كان رواية عن بيروت أم رواية ‘ بيروتي’ واحد، ذلك لأن الكاتب يحدد موقفا سياسيا من مجمل الأحداث التي عصفت ببيروت مثلا ( موضوع استقالة كميل شمعون بعد اغتيال الصحافي نسيب المتني المعارض للتمديد لشمعون وتسليمه الرئاسة إلى فؤاد شهاب وكيف توضع اللائمة على السوريين والمصريين لتدخلهم في الشأن اللبناني، تحميل وزر الحرب في لبنان إلى الفلسطينيين حصرا بسبب مشروعها اتخاذ ‘ بلاد الأرز’ وطنا بديلا كما يورد نجار)، إلا أنها تبقى رواية الاحتفاء بوجوه عبرت في بيروت كذلك، الاستاذ مانوك مانوكيان ( الذي نوى اختراع صاروخ مخصص لدراسة الطبقات العليا من الجو)، عفاف القوادة التي كانت مدعومة من جهات سياسية في بيروت، داهش ( واسمه سليم العشي) الذي أثار غرابة وخوف العديد من اللبنانيين لقدرته، كما وصف، على التأثير على الناس وإخضاعهم له، وممارسته أنواعاً مختلفة من السحر والتنويم المغناطيسي والذي رحل إلى الولايات المتحدة حيث تم افتتاح متحف للوحاته هناك، رضوان بلطجي الذي أنقذ بقاربه الصغير العشرات من ركاب السفينة العملاقة ‘ شامبوليون’ التي غرقت قبالة الاوزاعي جنوب بيروت، فؤاد سليمان صاحب الكاريزما والذي بعد وفاته بثمانية أعوام، تم استبدال نصب ‘ المرأتان الباكيتان’ في ساحة البرج بنصب الشهداء الذي صممه الفنان الإيطالي مازاكوراتي، غبريال بونور مدير المدرسة العليا للآداب والذي ساهم باكتشاف جورج شحادة وإدمون جابس ككاتبين سيكون لهما شهرتهما في أوروبا فيما بعد، كما أضاء بسعة بصره على تجربة هنري ميشو ومدى اختلافها وأهميتها، شفيق عبود الفنان التشكيلي اللبناني المعروف، الموديل مريم التي نالت شهرة بالنسبة إلى الرسامين واتهمت بأنها تبيع جسدها بالكشف عنه، شارل الحلو الذي كان رئيس تحرير ‘ لوريان’ وأصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية، جين مانسفيلد وكلوديا كاردينالي الممثلتان المثيرتان اللتان أتتا إلى بيروت مطلع الستينيات، بيار الجميل الصيدلاني والحازم الشخصية والقوي كصخرة، إدوار صعب رئيس تحرير ‘ لوريان’، وغسان تويني الذي ساهم في ضم صحيفتي ‘ لوريان’ و’ لوجور’ تحت اسم واحد ‘ لوريان – لوجور’، بالإضافة إلى أمين معلوف وسمير فرنجية اليساريين الذكيين، ومناضلات شيوعيات أمثال آن موراني، لميا تابت، نهلا الشهال، دلال البزري ووداد مراد. وهي احتفاء ببيروت الليلية ( كيت كات، ستريو كلوب، إليفانت نوار، سان جورج، عين المريسة، حديقة الصنوبر التي زرعها الامير فخر الدين الثاني، مقهى ‘ كوكب الشرق’، ‘ ابو عفيف’، ‘ القزاز’، لارواندا، مقهى فاروق، مقهى البريد، بعلبك ومهرجاناتها، جبيل ودرجها الروماني، مقهى ‘ الهورس شو’، الترام، التاكسيات، صالات السينما ( الروكسي، الأوبرا، الكريستال، الريفولي، شهرزاد، الغومون بالاس، الأمبير، الدنيا..)، الفنادق ( السافوا، المتروبول، الأستوريا، الريجنت، أمريكا..). وهي كلها اماكن او زوايا استبدلت بشكل مسرحي لتحل محلها الأسواق التجارية الجديدة بحلة بورجوازية لا تتناسب وعامة اللبنانيين. وهي الرؤيا التراجيدية التي تشهد على أفول مكان مقابل أفول فيليب العجوز، الذي يصاب بالزرق في عينيه ما يمهد لانطفائهما بما في ذلك من دلالة على تواري ذاكرة هائلة داخل بتلاتها.