‘عشر طرق للتنكيل بجثة’ لعماد فؤاد: مراثي المحبة!

حجم الخط
0

عبد المنعم الشنتوف تراهن التجربة الشعرية للشاعر المصري عماد فؤاد في مستوييها الكمي والكيفي على استشراف متعة التلقي الذي يزاوج بذكاء بين ذلكم الحرص على تحقيق تراكم بوتيرة معقولة وتطور في التجربة الجمالية. زخم شعري دال امتد على أكثر من عقد من الزمان وبدأ في التشكل بقوة في مصر قبل أن يشهد تحولا نوعيا وجوهريا بعد تجربة الرحيل إلى بلجيكا والاستقرار فيها. خمسة تحققات شعرية أثبتت قدرة هذه التجربة على تحقيق الوعي بأهمية المراهنة على تلق فاعل يحترم ذكاء القارئ وقدرته على التمييز بين الغث والسمين والمحتال والأصيل دون أن تنفك عن الإصغاء إلى إيقاعها الداخلي وانتقالاتها الجمالية الطبيعية. يعتبر هذا الإصدار الصادر مؤخرا عن ‘ دار الآداب’ العريقة الخامس بعد ‘ أشباح جرحتها الإضاءة’ الصادر عام 1998 عن سلسلة ديوان الكتابة الأخرى في القاهرة، ‘ تقاعد زير نساء عجوز’ دار ‘ شرقيات’، القاهرة 2002، ‘ بكدمة زرقاء من عضة الندم’ دار ‘ شرقيات’، القاهرة 2005 و ‘ حرير’ الصادر عن دار النهضة العربية في بيروت عام 2007.حقيق بنا أن نشير في هذا الخصوص إلى أن الديوان الجديد يقدم في الحقيقة رؤيا تتسم باختلافها النسبي عن التحققات الأخرى. فعلاوة على الاستثمار الدال للمكون السردي في هذا الديوان، ثمة الاحتفاء الشعري بموضوعة الموت من خلال التشديد الدال على صورة ‘ الجثة’. ولئن كانت الذات الشاعرة قد احتفت على امتداد التحققات النصية السابقة بموضوعة الجسد وعلائقها بالمكون الإيروتيكي بما هو تمجيد لغريزة الحياة، فإن الديوان الجديد يحتفي بالجسد وقد عصف به الموت فتحول إلى جثة. وسوف نرى على امتداد هذه القراءة كيف أن هذه الموضوعة سوف تلقي بظلالها على معمار القصيدة واشتغال التخييل وصوغ الصور؛ وهو ما يتيح للقارئ بالضرورة فرصة تأويل ذكي وغير مشتط يتأسس على تضافر القرائن النصية.آثرت الذات الشاعرة انسجاما والرهان الرئيسي لهذا التحقق الشعري الجديد تقسيم الديوان إلى ثلاثة أبواب: ‘ الجنازات العشر للفقيدة محبة’ و ‘ ستة أقدام تحت الأرض’ و’ شاهد قبر’. ويبدو دالا في هذا الصدد الركون إلى تقسيم الباب الأول إلى فصول اختار تذييلها بتاريخ يبدأ دائما بتاريخ الميلاد وينتهي بسنوات 2000- 2009. ربما رغبة الذات الشاعرة في أن تحتج على افتراض مؤداه أن العالم الممكن لهذا التحقق الشعري الجديد يتأطر داخل سياق زمني محدد ويرتبط بتجربة حياتية ذات سمات خاصة. لا يمكننا في هذا السياق أن نقبض على الثراء الدلالي المثير لقصيدة عماد فؤاد إلا في ارتباطها العضوي بسيرته الخاصة؛ إذ أن القصيدة والحياة عنده وجهان لعملة واحدة. سوف أفترض والحالة هاته أن الديوان تعبير أو تأريخ إبداعي لسيرة التحول من الجسد باعتباره قرينا للحياة إلى الجثة بما هي تجسيد للموت:تموت الزهورفنجففها ونحتفظ بها كذكرىتموت الذكرىفننساهانموتفيواروننا التراب ويقولون دفناكمتموت المحبة فينافنحارأين ندفنها؟ ( الديوان، ص 25)يعبر الجسد عن حضوره وامتلائه بالحياة حين يعانق المحبة لكنه يبدأ في الاحتضار آنا بعد آن حين يحم الانفصال عنها إلى أن يحيق به الجفاف ثم الموت. يهمنا في هذا المقام أن نشير إلى حرص الذات الشاعرة على شخصنة أو أنسنة المحبة؛ وهو ما يعبر عن تلكم الرغبة في استشراف نوع من التماهي المطلق بين القصيدة والذات الشاعرة بما هي معاش وتاريخ شخصي. المحبة فقيدة وآنسة وهي بالإضافة إلى ذلك تلك المرأة الميتة التي كان الشاعر يحبها والتي أهداها بالإضافة إلى آدم وإيليا ديوانه. ولكي يستشرف الطابع المأساوي لسيرورة التحول من جسد إلى جثة ذروته، فإن الذات الشاعرة تسوق بكيفية دالة ذكريات الطفولة والصبا في القرية والقاهرة في منزل الجد عبد المنعم قطب حميدة وفي حضن الأم والخالات. لا يسعنا باعتبارنا ذواتا متلقية أن نتمثل هذا الاستدعاء إلا باعتباره قرينة دالة على وعي الذات الشاعرة بالحدود الفارقة بين ما قبل وما بعد اللقاء بالفقيدة محبة، بما يستلزمه ذلك من تشديد شعري دال على موضوعة الانتقال الفيزيقي من سخونة ودفء الحضن الأم وامتداداته إلى برد الضفة الأخرى حيث اللقاء بالفقيدة محبة وبدء التحول إلى جثة.تحتفي الذات الشاعرة بعالم ممكن يتأسس على موت ‘ الفقيدة’ محبة واستلزاماته. الرجل يحمل والحالة هاته جاروفا ويحفر في الأرض قبرا لكي يواري الجسد الملفوف في الملاءات البيضاء، لكن مسعاه يبوء بالفشل؛ إذ يلتفت خلفه بعد الفراغ من الحفر فيكتشف اندثار الجسد والملاءات وقدميه :الرجل الذي كان ها هناصار تحت عيني الصقر الذي يحوم الآن بجناحيه في الأعاليمستطيلا محفورا في الأرضينظر الصقر فيقول في نفسه:هذا قبر حي يسير على قدمينوما من شاهد واحديدل العابرين الطارئينإليه ( الديوان، ص 30)تكتشف الذات المتلقية في هاته الأبيات صورة تتسم بديناميتها وقدرتها على استثارة فاعلية الكشف والتعبير بقوة عن حضور الموت. الرجل الذي يسعى إلى دفن الجسد المسجى للفقيدة محبة يحيق به العجز، لأنه يجهل كونه ميتا. ووحده الصقر الذي سوف يكشف من خلال حضوره المتواتر في قصائد الديوان باعتباره تجسيدا للموت حقيقته. ومرة أخرى، نلفي ذواتنا أمام سيرورة التحول التي تشكل السمة الشعرية المائزة للديوان، ذلك أن الجسد تفارقه ‘ المحبة’، لكنه لا يندثر بعد التحول إلى جثة ويستمر في الحضور واقتراف أشكال من الحصار. في هذا السياق، إذن، نتمثل المقصدية الدلالية لفعل ‘ التنكيل’ بالجثة، إذ تؤشر على الحيرة والعجز اللذين يسمان حركة الذات حيال موت ‘ المحبة’ وتؤسس لافتراض شعري يتمثل في إكراه التعايش الذي يجد تجسيده في استحالة ‘ الدفن’ وحضور فعل ‘ التنكيل’ . تتضافر القرائن النصية والحالة هاته كي تشرع بابا أمام تأويل يتسم بانسجامه والثابت الذي أشرنا إليه آنفا والمتمثل في التعالق العضوي بين القصيدة والذات:وماذا لو جررتك الآن من شعرك ورفعتك عن فراشك وأنا أشدك ساحبا جسدك فوق درجات السلم لأرميك عارية في الشارع… وماذا لو أنني لففت خصلات شعرك هذه على يدي هكذا وسحلتك في الأزقة والحارات وجعلت منك مسخرة أمام الناس، سأدور في الطرقات وأنا أجرك خلفي صارخا في العابرين أن تفرجوا… ها هي برائحة عرقها ووسخها وابتسامتها الصفراء ودماء حيضها، ها هي بلعابها المختلط بدمها تسحل وتصفع وترمى بالحجارة أمام الناس، مفتوحة الساقين ومذلولة لمن أراد، أنا ابنها وأبوها وأرفعها أمامكم كي تكون ملء عيونكم، افتحوا سراويلكم، بولوا أواستمنوا، أطفئوا سجائركم أينما أردتم، في لحمها أو في فرجها، ابصقوا عليها وابصقوا علي.. ( الديوان، ص 78).ينفتح هذا التحقق الشعري على موضوعة ‘ الآخر’ باعتباره جسرا يتمكن بواسطته القارئ من الخلوص إلى تأويل ‘ نسبي’ لفعل ‘ التنكيل’. يشف هذا المقطع السردي عن جرعات ضافية من القسوة تستشرف ذروتها فيما يمكن أن نعتبره تجاوزا بأنه طقس سادي ومازوخي في آن واحد. تقترح الذات وقد طفح بها الكيل من المعاشرة القسرية على ‘ الفقيدة’ محبة التي تتأبى على ‘ الدفن’ أن يفضح العفونة التي ترفض مواراتها في التراب على الملأ. ولا يسعنا في هذا السياق إلا أن نلوذ بفرضية تعالق العالم الممكن الذي تحتفي به القصيدة بتفاصيل دالة من معاش الذات. ولأن شخصنة وأنسنة ‘ المحبة’ تحضر بقوة كما سبقت الإشارة وتتأكد باطراد على امتداد النصوص المشكلة لهذا التحقق الشعري، فإننا نفترض تجسد ‘ المحبة’ في شخص امرأة التقتها الذات الشاعرة عام 2000 وجربت معها ذلك الانتقال من الطفولة والصبا حيث الجسد الغض المغمور بدفء العائلة والأم فيوض من الصور المترسبة والنضج والرجولة وتجربة الانتقال إلى الضفة الأخرى حيث البرد وموت الفقيدة ‘ محبة’ مجسدة في المرأة التي أهدت للشاعر ابنيه إيليا وآدم وسيرورة التحول إلى جثة. هكذا، إذن، يلفي المتلقي ذاته حيال هذا النص الذي يشكل تركيبا ذا كثافة شعرية شديدة لعلاقة الذات مع ‘ المحبة’ وحالات حضورها وغيابها:هنا مثلا أشم رائحة شجر غريب يسكن بداخلي مذ كنت هرا صغيراوهنا، فوق الحلمة اليمنى، أشم بكائي وأنا طفل على صدر أميوهنا، فوق الحلمة اليسرى، أشم شهوتي فيكوهنا، في الخط الفاصل بين نهديك، أشم بكائي، وهواني على الناسوهنا، على كتفك الأيمن، أشم إغفاءتي على كتف أبي وهو عائد في الليل يجرنا إلى أسرتنا…لكنني أرى قلبك شفافا يضخ الدم الأحمر ويوزعه بالعدل على شرايينكوهناك فوق السرة الملفوفة المدورة الغائرة في اللحمأشم رائحة آدم وإيليا صغيرين يحبوان تحت قدميغريب أن أشم رائحة طفلي الصغيرين من بطنك يا محبة.. ( الديوان، ص 181).يؤثث الشاعر عالمه الشعري الممكن بحذق إبداعي يتوخى في البدء والمنتهى الاحتفاء بالذات وأسئلتها ومواجعها وانتظاراتها. وقد رأينا في هذا السياق أن الاحتفاء الشعري بالقسوة لم يكن متأسسا على منطق الاعتباط وإنما محكوما برؤيا تتسم بفرادتها وقوة تعبيرها الشعري وتروم في البدء والمنتهى الإعلاء من شأن غريزة الحياة واستلزاماتها في مواجهة غريزة الموت. وعليه، يكون في مقدور الذوات المتلقية الخلوص إلى افتراض مؤداه أن هذا التحقق الشعري تمثيل لتطور نوعي في السيرة الشعرية لهذا المبدع وقرينة دالة على قدرته على أن يجعل من القصيدة سبيلا ملكيا إلى التعبير عن الحضور النوعي للذات الإنسانية في العالم وفضح حالات التشوه والاختلال والانتهاء التي تسمها.qd

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية