عبد اللطيف البوزيديقليلون هم في اعتقادي من توقعوا أن تشن روسيا مثل هذا الهجوم السياسي ـ الاستراتيجي المباغت الذي شرعت في تنفيذه على أكثر من واجهة، ضد التغول السياسي للغرب وطموحاته الاستراتيجية اللامتناهية، وبالأخص في منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوســـطى المتاخمتين لروسيا. فعلى الساحة الأفغانية الملتهبة تمثل الهجوم الروسي ‘المضاد’ في التحركات الدبلوماسية التي كسرت بشكل مفاجئ الحياد الروسي في الموضــــوع الأفغاني، وعلى رأس تلك التحركات القمة الرباعية بسوتشي التي ضمت روسيا وأفغانستان وباكســتان وطاجيكستان، وعُقدت على هامشها قمة مصغرة روسية أفغانية لم يتسرب شيء عن تفاهماتها، في وقت يبدي فيه الرئيس الأفغاني حميد كرزاي بعض الجموح والتمنع في علاقته بالغرب وبالأخص في موضوع شركات المرتزقة الأمنية الخاصة بأفغانستان.
قمة سوتشي في نسختها الأخيرة لم تكن على ما يبدو شكلية كسابقاتها، لأنها برباعيِيها وبالكيفية التي جرت بها وبتزامنها مع تعقد الوضع بأفغانستان إلى أقصى حدّ على الأقل بالنسبة للأمريكان ودول حلف الناتو، تعد إعلانا صريحا عن عزم روسيا الدخول بشكل من الأشكال كطرف في الصراع الدولي حول أفغانستان رغم تجربتها المريرة هناك إبان عهد الاتحاد السوفييتي، حين خرج يجر أذيال هزيمة كانت أحد العوامل غير المباشرة لانهياره، وها هي ذي روسيا تسعى إلى تكرار التجربة بشكل ما ولو من بوابة محاربة الإرهاب ومكافحة انتشار المخدرات الأفغانية، وهي بوابة فتحها الغرب نفسه بالترويج لحربه الهلامية كي لا نقول الوهمية ضد الإرهاب، وبإسقاط نظام طالبان الذي كاد يقضي على زراعة المخدرات بأفغانستان، وبذلك صارت قمة سوتشي نوعا من سحب البساط من تحت أقدام الحلفاء، بعد أن روى جنودُهم أرضَ أفغانستان بدمائهم المهدورة في نزاع بأقاصي الأرض لا صلة لهم به إلا ما وقر من أطماع في قلوب ساستهم. أما على الساحة الشرق أوسطية أو فيما يخص الملف النووي الإيراني تحديدا، فقد تمثل الهجوم المضاد الروسي في إعلان روسيا نيتها الشروع في تزويد إيران بالمعدات والوقود النووي اللازم لتشغيل محطة بوشهر المثيرة للجدل، وتنديد روسيا بالعقوبات الاقتصادية الغربية الأخيرة على إيران، من دون أن ننسى لقاء وزير الخارجية الروسي أندريه لافاروف بالزعيم الحمساوي خالد مشعل… ساد الاعتقاد ولفترة طويلة أن روسيا قد بدأت تنصاع للضغوط السياسية والاقتصادية القوية التي مورست عليها من لدن الغرب بزعامة الولايات المتحدة، فإذا استثنينا التدخل العسكري الروسي الصارم والسريع ‘لإنقاذ’ أوسيتيا الجنوبية من براثن جورجيا المدعومة لوجيستيا من لدن أمريكا، فقد كانت هناك بالفعل مؤشرات عدة على ذلك الانصياع الروسي الذي دام فترة غير قصيرة والذي يبدو أنه لم يكن إلا انصياعا تمويهيا أو ما يشبه انحناءً للعاصفة ومحاولةً لجني مكاسبَ سياسية واقتصادية تأخر الغرب في تمكينها منها. ومن بين المؤشرات التي كانت تدل على انضباط روسيا حيادها في الموضوع الأفغاني وانسحابها السريع من جورجيا، وبالأخص تأخرها في تزويد إيران بما يلزم لتشغيل محطة بوشهر النووية التي ظلت مشروعا يراوح مكانه منذ خمس عشرة سنة، تأخرا كان يوحي بإلغاء روسيا للصفقة تماما خصوصا بعد ‘التراشق الكلامي’ الذي يبدو أنه كان تمثيلا في تمثيل بين الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ومسؤولين روس، إلى درجة أن عنونت قناة عربية الخبر المتعلق به كالتالي: ‘أحمدي نجاد يحول نيرانه إلى حليفه الروسي، وموسكو ترد بقوة’ وانتشى مذيعوها بترديده لأيام. لا أعتقد أنّ الدب الروسي كان في بيات شتوي، (أم تراه أيقظته حرائق الغابات؟) ولم يكن المتتبعون يخالونه إلا رابضاً متربصاً، يستجمع قواه ويتحين الفرصة المواتية والتوقيت الأنسب ليعود إلى الواجهة، فالإمبراطورية الروسية لم تتفكك أو تنهار وإنما دخلت مرحلة انكماش وانكِفاء على مركز- نواة الإمبراطورية، كما أنها احتفظت بمعظم الترسانة العسكرية السوفييتية بما فيها الأسلحة والرؤوس النووية بعد تخلي أوكرانيا عن حصتها منها. إن القوة العسكرية الروسية وترسانتها النووية إلى جانب دورها الاستراتيجي البارز كحلقة وصل بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، إضافة إلى الفعالية السياسية والديبلوماسية داخليا وخارجيا لثنائي قلَّ نظيرُه في عالم السياسة هو الثنائي بوتين ـ ميدفيدف (إذا استثنينا الثنائي غول ـ أردوغان)، كلها عوامل قوة ونفوذ تعتبرها روسيا كافية لاستعادة مكانتها الدولية وإحلال الثنائية القطبية من جديد، بدل الأحادية المتوحشة التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة لفرضها على العالم. فهل ستمضي روسيا في مسعاها لاستعادة توازن القوى (وتوازن الرعب) الذي كان يفرضه الاتحاد السوفييتي المنهار؟ وقبل ذلك، هل ستمضي إلى النهاية في مشروع بوشهر النووي الإيراني وكذلك صفقة الصواريخ بعد أن أخرتهما مرارا؟ وفي حال هوجمت إيران، وهو أمر بات مرجحا، هل سيختلف رد فعل روسيا هذه المرّة عن ردود أفعالها التي كانت مجرد جعجعة بلا طحين تجاه الغزو اللاشرعي لكل من أفغانستان والعراق؟ ‘ كاتب مغربي