تراث كان سيزول لولا محافظة معلمين عظاما عليه موائد الجزائر المحروسة: الزلابية و.. السر العظيم؟!

حجم الخط
0

رشيد فيلالي

تحظى حلوى الزلابية في بلادنا بمكانة متميزة بين جميع الحلويات الشرقية والغربية على حد سواء، حيث يزداد الإقبال على شرائها ويتضاعف بالخصوص في شهر رمضان الكريم، إذ ينقلب الكل، صغيرا وكبيرا، إلى هواة أكل هذه الحلوى الشرقية التي غالبا ما تزين موائد الساهرين رفقة أطباق ‘دقلة نور’ أشهر أنواع التمور الجزائرية، وكذا الحلوى التركية، وتقدم الزلابية للضيوف الذين يتعاملون مع هذه الفتة الحاتمية بشيء من الغبطة والانتشاء والزهو، طالما أن هذا الطبق اللذيذ ليس غالي الثمن، بقدر ما له في نفوسهم من اعتبار خاص، وفي ذلك سر غامض وعجيب.

وفي الحقيقة أن تعلمي لصناعة هذه الحلوى ذات المذاق الشهي جدا لم يأت بالصدفة، فمنذ فتحت عيني على الدنيا كنت أبصر والدي حمدان فيلالي رحمه الله، الذي تعلم فنون الطبخ بباريس، مع اقتراب حلول الشهر الفضيل يستعد لهذا الموعد استعدادا يستنفر فيه كل قواه الوجدانية والعضلية، حيث يشرع في حزم أدواته من مغارف بأحجام مختلفة، وسفود، وطاجين من الفولاذ، إضافة الى موقد خاص يعمل بغاز البوتان، ومغطس ومقص كبير حاد و’بسينة’حديدية، وهي عبارة عن إناء كبير يوضع فيه العسل، إضافة إلى برميلين كبيرين من الصفيح لوضع أكبر كمية من العسل أيضا.. يحدث كل هذا طبعا في حال استئجار أبي لمحل مدة شهر رمضان لصنع الزلابية وغريمتها الأبدية المقرقشات التي لا تقل لذة عنها، وتحضر بنفس المواد الأولية ممثلة في الدقيق، لكن يضاف له البيض، بيد أنه في حالات كثيرة يشد أبي الرحال الى مدن قريبة أو بعيدة عن مقر مسكننا بعاصمة الشرق قسنطينة، حاملا معه عدته المذكورة التي لا تفارقه إطلاقا في مهمته تلك الى درجة تربت ما بينهما على مدار السنين علاقة حميمية وروحانية خاصة، والمهم في الأمر أن أبي يعد أحد خمسة شيوخ يصنفون ضمن أكبر وأبرز صناع الزلابية في الجزائر، لاسيما إبان فترة السبعينيات والثمانينيات، والأربعة الباقون هم الشيخ حسين، وصالح المصري وهذا الرجل الأخير يعد ظاهرة من حيث امتلاكه لرصيد ثقافي ومعرفي في وسعه أن ينافس به دكاترة وجامعيين ويتفوق عليهم، وسمي بالمصري لكونه سافر للدراسة بالأزهر الشريف من الجزائر إلى مصر على قدميه، وقد تحصل على شهادة الإجازة منه ولا زال إلى اليوم في كامل قيافته وحضوره الذهني، وطلته البشوشة، انه خفيف الروح محبوب من طرف الجميع.. والشخص الرابع هو عمي بوزيد الذي كان يملك أشهر محل لبيع الزلابية في المكان المسمى ‘رحبة الصوف’ وسط مدينة قسنطينة، ولعمي بوزيد طريقة فريدة في صنع هذه الحلوى، بحيث أن طعمها الشهي جدا لا يمكن أن ينافسه فيه أحد وبالإمكان تمييز زلابيته من بين ألف نوع آخر وللأسف توفي الرجل وأخذ معه أسرار صنعته التي يستحيل أبدا تقليدها والإتيان بمثلها.. الشخص الخامس والأخير ضمن هذه المجموعة من صناع الزلابية الكبار والمشاهير، هو الشيخ بومنجل الذي فتح محلا بمدينة تسمى ‘وادي زناتي’ التابعة إداريا لولاية قالمة، وهناك وبفضل البراعة الخارقة لهذا الشيخ في صنع الزلابية والمقرقشات صار اسم مدينة ‘وادي زناتي’ مرتبطا بأشهر أنواع هذه الحلوى بالجزائر وأرفعها نوعية، ولا تنافسها في هذا اللقب الإشهاري سوى زلابية قسنطينة وبوفاريك بالعاصمة.. ولعل من حظي الجميل ومن حكمة الأقدار أيضا، أني تتلمذت في صناعة الزلابية وأنا لازلت بعد طالب علم صغير السن، على يد ثلاثة من الصناع الكبار وفي طليعتهم طبعا، والدي حمدان ثم الشيخ حسين وصالح المصري.. وقد عملت تحت إمرة هؤلاء الثلاثة الأفذاذ لمدة تزيد عن العشر سنوات متتالية كل شهر رمضان، وبصراحة لم أكن أرغب كثيرا في ممارسة هذه الصنعة، وكنت اضطر للقيام بها مكرها بهدف مد يد المساعدة المادية لوالدي وللعائلة بصفة عامة، غير أنه مع مرور الوقت بدأت أكسب الكثير من أسرار صنع الزلابية عن طريق المشاهدة وتلقي النصائح والتوجيهات، وحتى التوبيخات وبعض الحيل والتقنيات الخفية.. وأنا الذي كما قلت كنت طالب علم وأدب أطمح من عشقي للفلك لأن أصبح رائد فضاء أو كاتبا مرموقا في مقام العقاد، الذي بالمناسبة التهمت كتاب أنيس منصور عنه المعنون ‘في صالون العقاد كانت لنا أيام’ طيلة ليالي احد شهور رمضان بعد انقضاء أوقات العمل في محل الزلابية مع والدي وعمي مختار في ‘حي الجزارين’ وهو أحد الأحياء الشعبية وسط قسنطينة.. وفي أواخر الثمانينيات استأجر أبي محلا صغيرا يقع بمحاذاة مسكننا بـ’حي سيدي بوعنابة’ وصرت أعمل معه كل أيام الأسبوع أتولى شؤون البيع بعد أن نفرغ معا من صنع الزلابية والمقرقشات بكميات تعرف تزايدا من يوم إلى آخر، بالنظر إلى الشهرة الواسعة التي اكتسبها المحل، وذلك بفضل جودة نوع الزلابية المصنوعة، إذ يبذل والدي في إعدادها جهدا هرقليا مضنيا، ومع حلول الشهر الفضيل بلغ إقبال الزبائن على شراء الزلابية والمقرقشات ذروته القصوى، إلى الحد الذي انضم فيه أخي الدكتور فريد لمساعدتنا في تلبية طلبات الزبائن، الذين يدخلون في حالة هستيريا كلما دنا وقت الإفطار، لكننا مع ذلك كنا نتجاوز حالة الاحتقان تلك بالحكمة والتريث وحسن التصرف، فالزبون ‘ملك’ كما تقول القاعدة التجارية المعروفة.. وكان من غير المتوقع بتاتا أن يسقط أبي طريح الفراش مريضا بعد مرور عشرين يوما من أيام رمضان واقتراب العيد، الذي يعتبر بالنسبة لنا عيدين، يجمع بين فرحتين عظيمتين هي تحقيق السمو الروحي بصيام رمضان كامتحان رباني يتجدد مع كل سنة، والفرحة الأخرى المتمثلة في كسب مبلغ مالي محترم يكون لنا بمثابة حصن منيع في مواجهة تقلبات الزمان.

لقد كان مرض أبي الشديد والمفاجئ يشبه من حيث درجة الصدمة التي تلقيتها جراءه، انفجار صاعقة زلزلت كياني ودفعتني إلى رفع التحدي ومواجهة هذا الطارئ المشؤوم بروح مسؤولية عالية، حيث ولأول مرة أعددت العجين بنفسي، المتكون من الدقيق ذي النوعية الممتازة كونه يحتوي على ما يسمى بـ ‘العلك’ أي الذي لا تتقطع عجينته عند سكبها من الغراف، وتظل متماسكة لحظة تشكيل قطعة الزلابية، التي للتذكير يبقى رسمها الخارجي يحمل لغزا غامضا وسرا كبيرا كما سنرى بعد قليل.. قلت قمت بتحضير عجينة الزلابية بنفسي، وهذه العجينة في الحقيقة تنقسم إلى نوعين، الأول ويطلق عليه تسمية ‘الخمير’ وهو مثلما يدل عليه اسمه عبارة عن دقيق يمزج بالماء ويخلط جيدا مع إضافة القليل من الثوم أو الخل لكي يتخمر جيدا ويوضع جانبا لمدة تزيد عن الأسبوع عندما يكون المناخ باردا مثل الشتاء أو الخريف أو بداية الربيع، لكنه يعد بيوم واحد إذا كان الفصل حارا جدا، كما هو الحال في فصل الصيف، ثم يضاف إلى النوع الثاني من العجين الذي يتولى تحضيره عجان خاص، ويكون عادة رجلا قوي البنية ويملك هو الآخر خبرة طويلة في هذا المجال، وليس كل من هب ودب في وسعه تحضير عجينة الزلابية، ويحرص الصانع الخبير على الالتزام بوضع المقادير المناسبة من ‘الخمير’ بالعجينة الرئيسية، وأي زيادة غير محسوبة ولو قليلا سوف تؤدي إلى استحالة تشكيل قطعة الزلابية عند قليها في الزيت، كون العجين يفقد تماسكه ويتهلهل، وعندها تبرز خبرة الصانع ومدى تمكنه من أبجديات حرفته، حيث يلجأ إلى حيلة إضافة حفنة أو أكثر من الدقيق إلى العجين، فيتماسك نسبيا ويصبح ذا مرونة وقابلية للتشكل.

ومن جهة أخرى، يتم بالموازاة مع كل ذلك تحضير العسل بكميات كبيرة، بطبخها عن طريق غلي السكر الممزوج بالماء وفق مقادير محسوبة أيضا ثم يضاف له مادة ‘الشب’ كي يصير ‘ثقيلا’ ويخلط الجميع بواسطة عمود خشبي طويل، وقبل الانتهاء من العملية تضاف له كمية قليلة جدا من مادة معطرة تدخل في إطار ميكانيزمات جذب الزبون والتأثير في حاسة الشم لديه.. وتحضير العسل ينطلق قبل يومين على الأقل من دخول شهر رمضان كي يبرد على اعتبار أن غطس الزلابية به وهو ساخن يؤدي في نهاية المطاف إلى تهشمها بسهولة، وجودة العسل تنعكس جدليا على نوعية الزلابية، فالعسل كثير الماء يصيبها برخاوة تحولها إلى كتلة مشوهة تتداخل في بعضها البعض، والعسل الذي تضاف له كمية كبيرة من المادة المعطرة ينقلب كيميائيا إلى سكر، أي يعود إلى طبيعته الأولى، كما أن العسل الجيد لا تضاف له الصبغة الحمراء بل يترك بلونه الذهبي المشع، وبعد تماهيه مع قطعة الزلابية المطبوخة على نحو جيد تكون النتيجة طيبة للغاية، بحيث تكسب هذه القطعة لونا شفقيا رائعا يغازل عين الزبون ويأسره من أول نظرة.. كانت لحظة حاسمة تلك التي حملت فيها الغراف مملوءا بالعجين، ورحت أرسم قطع الزلابية القطعة تلو الأخرى وسط الطاجين المملوء بالزيت، وذلك وفق متتالية هندسية دقيقة جدا من دون أن أخطئ أو أتعثر أو أرتبك، لقد أفرزت تجربة التلمذة لمدة عشر سنوات نتيجة إيجابية لم أكن أتوقعها إطلاقا، رغم الثقة الكبيرة التي امتلكها، خصوصا أنني في الأصل أجيد الرسم الذي يعد هوايتي الأولى، قبل التحول إلى الكتابة وحرق أصابعي في أتونها المتأجج.. موهبة الرسم أهلتني إلى حد بعيد للنجاح في تجربة طبخ الزلابية أو ‘التدوار’على حد التسمية المتداولة بين صناع هذه الحلوى، وهي مهمة في الحقيقة معقدة جدا وصعبة فعلا، وهكذا واجهت طلبات الزبائن الذين استمروا في الإقبال على محلنا بنفس الوتيرة تقريبا، من دون أن يلحظوا غياب والدي الذي ترك بالنسبة لي على الأقل فراغا مهولا، ولفرط تأثري كنت أجتر شجني مثل العلقم في صمت.. وانقضت فترة طويلة نسبيا قبل أن يتعافى أبي من مرضه ويعود إلى سابق عهده، نشيطا لا يعرف الكلل سبيلا إلى نفسه، حيث بمجرد فسخ عقد إيجار المحل مع الشريك الذي حاول الاستئثار بالأرباح لنفسه، انتقلنا للعمل لدى صاحب محل آخر غير بعيد ويقع في ‘حي رحبة الجمال’ وهو حي شعبي وتجاري يعرف حركة متواصلة من حيث عدد الوافدين إليه يوميا، كما أن هذا الحي لا تزوره النساء إطلاقا أي أنه حي رجالي بامتياز جراء وجود ماخور به تم غلقه فيما بعد إبان الثمانينيات على إثر عريضة دبجها مواطنون ينتمي أغلبهم لتيار سياسي إسلامي، لكن ويا للمفارقة بعد غلقه بسنوات تحولت المدينة بأكملها إلى ماخور كبير مفتوح على الهواء الطلق ويصعب التحكم فيه، المهم أن صاحب المحل الذي صرنا نعمل به أنا وأبي ضمن هذا الحي هو الشيخ حسين، الذي رغم كفاءته في صنع الزلابية إلا أنه أعجب بأسلوب عمل والدي فترك له مهمة إعدادها واكتفى هو بصنع الفطائر التي تعرف تهافتا كبيرا عليها في فترة الصباح، وما هي إلا مدة زمنية قصيرة حتى اشتهر المحل وصارت الزلابية تنفد بسرعة من واجهته رغم كمياتها المعتبرة، وأذكر في احد أيام تحضيرها أن طفلا فرنسي الجنسية كان بصحبة والدته عندما طلب مني إعطاءه قطعة زلابية التهمها بشراهة بعد أن دفعت والدته ثمنها وهي تبتسم في تعجب من شهية ابنها، التي انفتحت بقوة أمام منظر هذه الحلوى الشرقية.

لقد تعلمت من الشيخ حسين درسا في فلسفة الجمال، عندما نبهني إلى وجوب الحرص والتقيد في صنع قطع الزلابية على أن تكون بأحجام متساوية وعدم نزع ‘العرف’ الكائن في مقدمة القطعة، لأنه ببساطة يمنحها شكلها الخاص والأصيل، كما أن رص قطع الزلابية يتم وفق خطة بناء مدروسة يراعى فيها ترك فراغ نسبي كي لا تتهاوى فيما بعد على بعضها البعض، ويقال لهذه العملية ‘الستف’، أي الرص ويمكن الإضافة في هذا السياق حسب توجيهات الشيخ حسين دائما، أن الموقد يجب أن تكون ناره قوية كفاية من دون أن تتجاوز المقدار المطلوب كي لا تحترق الزلابية وإذا انخفضت النار جاءت قطع الزلابية صلبة جدا بحيث يتعذر أكلها.

وفي شهر رمضان من ذاك العام انضم إلى الفريق عنصر بارز آخر هو صالح المصري، الذي يعد من الضالعين أيضا في صناعة الزلابية، مثلما أشرنا أعلاه، تعلمت منه الانضباط وإتقان الصنعة إلى حد يقارب الكمال وأروع ما في شخصية عمي صالح المصري ثقافته الموسوعية الهائلة، حيث ينتقل الحوار معه ونحن أمام الطاجين الضخم الذي تقلى فيه الزلابية من الحديث عن الناقد اللبناني مارون عبود إلى النظرية الاجتماعية لابن خلدون، ثم نعرج للحديث عن ابن رشد ومحنته في الأندلس، ولغز بناء الأهرامات وكذا مجرة درب التبانة، وحرب فيتنام، والموسوعة البريطانية، من دون أن يغيب الحديث عن الزلابية وأصولها، التي يعود تاريخ صنعها إلى عصور غابرة، باعتبار وجود هذه الكلمة ‘زلابيا’ في اللغة الآرامية القديمة، إضافة إلى ذكرها في المقامات الأدبية وفي شعر ابن الرومي، ومن الطريف أن نشير إلى أن شكل الزلابية يشبه اليد البشرية بأصابعها الخمسة كما لو كان ذلك إيحاء خاصا بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تزال هذه الفرضية بحاجة إلى بحث واستقصاء لتأكيدها أو نفيها، وهي بحق لغز يستحق التأمل، وكم في تراثنا من أسرار عظيمة تستوجب إماطة اللثام عنها.. وهكذا أمضيت أياما ذكرياتها لاتزال محفورة في وجداني بكل تفاصيلها وأجوائها وسحرها وجنونيتها ومعانيها الإنسانية والتاريخية والفنية والاجتماعية والاقتصادية و.. سأتوقف هنا حتى لا أتهم باختزال العلوم والمعارف البشرية في قطعة من الحلوى وفهمكم كفاية! و.. رحم الله أبي حمدان فيلالي وكل شيوخ الزلابية الكبار الذين حافظوا على تراث كان سيزول حتما لو لم يعضوا عليه بالنواجذ، حرصا على لقمة الخبز من ناحية ومن ناحية أخرى استجابة لنداء داخلي مجهول يحتم عليهم مواصلة ما بدأه الذين من قبلهم تزيينا للمائدة الجزائرية التي تعج بكل الطيبات والنعم الإلهية. ‘ كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية