كيف استفاد تنظيم القاعدة من القطبية الواحدة؟

حجم الخط
0

إبراهيم أبو عواد إن البعض يعتقد أن القطبية الواحدة المتجسدة في الكيان الأمريكي تعني سيطرة مجانية على العالم، وبسط النفوذ المطلق بكل أريحية بدون مخاطر. وهذه نظرة قاصرة، لأن القطبية الواحدة لها ضريبة عالية جداً يتم دفعها من الأمن القومي والقوة الاقتصادية والترابط الاجتماعي. فهناك انعكاسات سلبية للقطبية الواحدة. فقيامُ أمريكا باختراع هالة القداسة حول نفسها كسُلطة اعتبارية مطلقة تتقمص شرطي العالم، جعل من الكيان الأمريكي المفكَّك في مرمى كل السهام وفق نقطة مركزية واضحة للعيان. وطبعاً هذا يحد من قوتها، لأن الظهور يقصم الظهور. ووجود الكيان الأمريكي كقطب أوحد علني ساهم في إفقاد أمريكا القدرة على التنظيم والتنفيذ داخل مشاريع الاحتلال الأمريكي ضمن الفوضى الإمبراطورية. وما الوجود الأمريكي العلني إلا وجود هدف واضح لكل أولئك الذين يجيدون تصويب السهام، ولديهم مشكلة مع أمريكا يريدون تصفيتها مرتين، أي تصفية المشكلة عبر تصفية أمريكا. والخطأ الإستراتيجي الخطير الذي ارتكبته الإدارات الأمريكية المتعاقبة يتركز في عدم تقدير ردة الفعل. وأدق مثال على هذا المبدأ هو ما قامت به أمريكا من دعم المجاهدين في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي، وبعد أن هزموا الاتحاد السوفييتي، توجَّهوا للقضاء على أمريكا، واتخاذها عدوا في مرمى النيران، وصار يُنظَر إليهم كإرهابيين. فجاءت تفجيرات السفارات الأمريكية في أنحاء متفرقة من العالم، وأحداث 11/9، والهزيمة المرة في العراق وأفغانستان بدون أية رائحة للنصر. والذي ينظر إلى مسرح الأحداث العالمي يجد أن الخاسر هو أمريكا، التي تدفع الثمن من أعصاب شعبها، وأموالِ دافعي الضرائب، وأرواحِ جنودها القتلى، واقتصادها المحتضر، وصورتها السيئة، في حين أن تنظيم القاعدة ليس لديه ما يخسره، لأنه ليس دولة ذات سيادة على أراضٍ وممتلكات وموارد قومية، بل هو منظمة لامركزية أينما هبطتْ قامت بأداء ما تراه صحيحاً بدون أن تثق بأية رؤية شرعية سوى رؤية منظِّريها. ومهما تلقت ‘القاعدة’ من ضربات فهي قادرة على بناء ذاتها، لأنها خلايا نائمة لامركزية، ولا تنتظر قدوم أوامر ابن لادن أو الظواهري، بل إن كل مسؤول قادر على إصدار أوامر ورسم سياسات وتحالفات لوحده بدون الرجوع إلى النواة الأساسية. والجدير بالذكر أن تنظيم القاعدة ليس منظمةً تقصفها بعدة صواريخ من طائرة بلا طيار وتعود فرحاً بأنك قضيتَ عليها. فالأمر ليس بهذه البساطة. فالقاعدة جيش من الخلايا غير نظامي يعتمد على تمويل ضخم لا يمر بالطرق التقليدية، ولا يمكن محاصرته لأنه لا يملك معسكرات محدَّدة تقصفها وترتاح منها، كما لا يمكن قطع المساعدات عنه من البنك الدولي على سبيل المثال، ولا يمكن وضع عقوبات عليها من مجلس الأمن الدولي. وهذه هي الصعوبة في الأمر، لأن أمريكا تقاتِل شبحاً، تحارِب شيئاً كأنه بلا وجود حقيقي على أرض الواقع. وإنما تعرف بوجوده من خلال التفجيرات على مسرح الأحداث العالمية. كما أن تنظيم القاعدة استفاد ـ مجاناً ـ من حملة دعائية عالمية في كل وسائل الإعلام بشتى أشكالها، فصار كالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. وأنا على ثقة بأن تنظيم القاعدة أخذ أكثر من قَدره بكثير، لكن الذي ساهم في ترسيخ صورته كتنظيم عابر للقارات هو أحداث 11/ 9 التي كانت ـ رغم الإدانة الشديدة لها ـ حدثاً أسطورياً سينمائياً استعراضياً وضع ابن لادن ومنظمته في قلب كل بيت على سطح المعمورة. وقد نجح تنظيم القاعدة في استقطاب أمريكا إلى أفغانستان لكي يقوم بقتالها على أرضه وبين مؤيديه. فابن لادن لا يستطيع مقاتلة أمريكا في الأراضي الأمريكية، وبالتالي فقد قام بسحبها إلى أفغانستان ليقاتلها على أرضه. وهذا يعكس أبعاد المصيدة التي نصبها ابن لادن لأمريكا عن طريق استقطابها إلى الفخ، واستدراجها إلى أرضه التي يعرفها شبراً شبراً لكي يقاتلها بكل تركيز. ولأن المصائب لا تأتي فرادى نجد أن أمريكا تعاني من تصدع الحلف الذي تقوده تحت مسمى ‘مكافحة الإرهاب’ لأن الدول الأوروبية الشريكة في هذا المشروع اكتشفت أنها تورطت مع أمريكا. فتنظيم القاعدة صارت له فروع في عدة بلدان يصول ويجول فيها. كما أن الملابسات المحيطة بهذه الحرب رسَّخت لدى أذهان الكثيرين أنها حرب على الإسلام والمسلمين بالمقام الأول، فقد وجدنا الكثيرين من الأبرياء والمدنيين يُقتلون على يد القوات الأمريكية بذريعة أنهم إرهابيون، وهذا زاد الكراهية لأمريكا. كما أن هذه الحرب تم استغلالها للتضييق على الأقليات المسلمة في الغرب، والتجسس عليهم، ومنعهم من حقوقهم وممارسة شعائرهم الدينية، والتطاول على مقدَّساتهم مع أنهم يعيشون في الغرب بدون أية علاقة بتنظيم القاعدة. أضف إلى هذا أن صورة أمريكا في العالم سيئة للغاية، فقد كانت تقدم نفسها على أنها واحة الأمن والسلام والحرية وحقوق الإنسان، لكنها أدارت ظهرها لهذه القيم. وحينما سقط القناع عن وجه أمريكا رأى العالم الوجه الحقيقي المتمثل في معتقل غوانتنامو المبني على شكل أقفاص تتعارض مع الكرامة الإنسانية، فقد ضمَّ الأفرادَ بلا محاكمة، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته.

فالوجود العلني الظاهري للقطب الواحد جعل أعداءَ الحضارة الأمريكية يركِّزون في تحديد الهدف المعادي (أمريكا) بدقة، بدون تشتيت قواهم تجاه عدة أقطاب مبعثرين هنا وهناك. وبسبب انعدام وجود أقطاب مكرسة على مسرح السياسة العالمية، صار تركيز استهداف أمريكا عالياً للغاية. ومع ازدياد التشظي في بؤر الصراع العالمي، وتأججِ الأزمات الداخلية والخارجية، سوف يعاد تشكيل كوكب الأرض على صورة كيانات متعددة الأقطاب. ونحن نجد أن الجهات المضادة للاتجاه الأمريكي آخذة في التشكل كأقطاب لها وجود فاعل. ومن أبرز هذه الجهات المناوئة للمشروع الأمريكي هو تنظيم القاعدة الذي صار ـ بسبب معادته لأمريكا ـ قطباً عالمياً يتردد اسمه في كل العالم بدون استثناء، وكأنه قد حلَّ مكان الاتحاد السوفييتي.’ كاتب من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية