خضير بوقايلة عادة سرية سياسية بدأت تتجذر عند أهل الحكم في الجزائر وبدأ المواطن يتآلف معها ولم تعد تظهر عليه آثار الاستغراب أو التساؤل بعد أن تكرر الحديث عنها. تلكم هي جلسات الاستماع التي يقال إن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعقدها مع وزرائه لتقييم أوضاع كل قطاع على حدة.
فخامة الرئيس ومستشاروه يفضلون للسنة الرابعة على التوالي إرسال بيان جاف يتلوه مقدم نشرة الأخبار في التلفزيون الحكومي الوحيد في البلد يخبروننا فيه أن فخامته (ترأس، في إطار جلسات الاستماع السنوية التي يعقدها للاطلاع على مختلف النشاطات الوزارية، اجتماعا تقييميا مصغرا خصص لقطاع…)، تلي الديباجة المشتركة مجموعة أرقام وكلمات لا تختلف كثيرا عن التي ترد في بيانات مجلس الحكومة أو مجلس الوزراء، ثم ينتقل حضرة المذيع إلى نقطة أخرى لا تقل مللا في النشرة الإخبارية. قد يقول قائل ما دام الأمر مملا إلى هذه الدرجة ولا جديد فيه فلماذا إذن التطرق إليه في مقال؟ في الحقيقة أنا أبحث منذ الإعلان عن هذه العادة السياسية السرية عن أجوبة مفيدة دون جدوى، وعندما أصف هذه العادة بالسرية مع أن المبادرين بها بتباهون بها ويعلنونها أمام الملأ فلأننا كمواطنين صالحين، وبعد أربع سنوات من ممارسة فخامته لهذه العادة مع وزرائه، لا نعرف لماذا اخترع فخامته هذه العادة، ولماذا يفضل أن يمارسها في شهر رمضان الفضيل، وأين يلتقي الطرفان في محل عمومي كقصر الرئاسة أم في مكان سري حفاظا على الخصوصية، ولماذا ينفرد بكل وزير على حدة ولا يفعلها في مجلس وزاري بحضور الجميع، ولماذا يكتفي فخامته ببيان يتلى علينا بدل إمتاعنا بصور نكتشف فيها جوانب من هذه العادة السياسية لعل قلوبنا تطمئن ولعل حكام العالم الآخرين يقتدون بها ولعل فخامته يحصل بعد ذلك على شرف إدراج مصطلح (جلسات الاستماع) ضمن معجم المصطلحات السياسية فتصبح هذه العادة السرية نظرية تدرس في كليات العلوم السياسية من هارفرد إلى طنجة.
أستسمح القارئ الكريم لأنقل له بعضا مما يكتبه إعلاميون جزائريون عن هذه الجلسات لعلهم يعذرونني على اهتمامي الشديد بها، فهذه كتبت تقول (أصبحت التسمية الأقرب إلى الصواب جلسات المصارحة للوقوف على الحقيقة وسماعها من أفواه أصحابها، خاصة وأن الرئيس قدم لوزرائه أدلة دامغة وحججا واضحة أن لا مكان للكذب والتقارير المغلوطة في قاموسه)، وهذا يخبرنا مشكورا أن (وزراء حكومة أحمد أويحيى دخلوا في سباق مع الزمن من أجل تحضير ملخصات لحصيلة القطاعات التي يشرفون عليها بغرض عرضها على الرئيس بوتفليقة خلال جلسات الاستماع والمحاسبة، خاصة وأن بوتفليقة كان قد أعطى تعليمات لوزرائه من أجل الاستعداد لهذا الموعد)، وهنا نقرأ أن (تقارير وصلت إلى الرئيس بوتفليقة بخصوص تدهور وضعية) هذا القطاع أو ذاك وقد أصدر فخامته تعليمات صارمة من أجل كذا وكذا، وهذا يخبرنا أن جلسات الاستماع (هذه تحولت إلى هاجس بالنسبة لأعضاء الطاقم الحكومي لأنهم يضطرون خلالها لتقديم أدق التفاصيل عن قطاعاتهم، سواء ما تعلق بالحصيلة، أو بخطط المشاريع المستقبلية)، وأختم بهذا التعليق الذي ساقته إحدى الصحف قبل سنتين عن هذه الجلسات وفيه يقول كاتبه إن (الرئيس بوتفليقة فعل حسنا حين اختار شهر رمضان للقيام بجلسات استماع للوزراء، يسألون فيها عن كل كبيرة وصغيرة تتعلق بقطاعاتهم، دون أن تتاح لهم فرصة الكذب على الرئيس لأنهم في رمضان!). تعليقات وأوصاف أخرى كثيرة يظهر لنا كتابها بصورة جازمة أن الرئيس بوتفليقة يدخل مع وزرائه في حساب عسير وأن ملك الموت أرحم لمعالي الوزراء من جلوسهم أو وقوفهم (لا ندري كيف يفعلون) عند رئيسهم يسألهم فيجيبون وأجسادهم ترتعش وهم يرون فخامته يحملق فيهم وفي يده أحدث آلة لكشف الكذب وويل لمن يرسب في الامتحان. لا أحد يدري في الحقيقة كيف تحولت جلسات عادية بين رئيس ووزيره إلى موعد حساب وعقاب ورعب لا يوصف، ثم من هذا الذي راودته هذه الفكرة الجهنمية ليوهم الناس أن هناك رئيسا مكشرا عن أنيابه يتلذذ بتعذيب وزرائه قبل أن يلتقيهم حتى، ولا أحد سأل يوما أحد الوزراء عن رد فعله وهو يقرأ مثل هذه التعليقات وإن كان يوما يشعر أن جلسات الاستماع السنوية هذه تزعجه في شيء.
المواطن البسيط الذي يقرأ مثل هذه المزايدات لا يملك إلا أن يطير فرحا لأن هذا الوزير أو ذاك سينال جزاءه ويمسح به رئيسه الأرض على ما أضاع من حقوق ومصالح المواطنين وما أساء من استعمال السلطة وما خدع من أمانات، البلد في ترنح مستمر وأوضاع المواطنين والاقتصاد تزداد سوءا بعد سوء وأقل شيء متوقع هو أن يحاسب أحدهم على هذا ويسمع الناس كلاما يعبر عن عدم رضا المسؤول الأول في البلد عن الأوضاع. لكن هل حدث شيء من هذا طيلة السنوات الأربع من عمر عادة الرئيس بوتفليقة في تصريف شؤون الحكم؟ هل نقل إلينا معلقونا الفطاحل يوما أن هذا الوزير أو ذاك تصبب عرقا أو فعلها وهو يستمع إلى توبيخات فخامة الرئيس؟ وهل صدر يوما بيان حكومي يقول لنا إن فخامة الرئيس بوتفليقة اتهم هذا الوزير أو ذاك بالمراوغة والكذب عليه أو نهر آخر لأنه تهاون ولم ينجز مهامه على أكمل وجه؟ بل هل انتهى الأمر في إحدى هذه الجلسات الترهيبية بإصدار قرار إقالة هذا الوزير أو ذاك من منصبه أو تقديمه أمام العدالة للمحاسبة أو حتى بإعلان أحد الوزراء استقالته من منصبه لأنه تأكد بما لا يدع مجالا للشك أنه خان ثقة رئيسه فيه وأنه لم يكن يستحق منصبه؟
كل ما ثبت عندنا هو أن هذه الجلسات لم تفسد للود قضية، الوزراء يقدمون تقارير فضفاضة والرئيس يعقب بتوجيهات لطيفة وكلام معسول ودعوات لمعالي الوزير لكي يهتم بهذه المسألة أو تلك ويولي عناية لهذا المشروع أو ذاك ولمن يملك صبرا جميلا أن يعود إلى أرشيف الصحف ويجمع البيانات الرسمية التي صدرت في السنة الأولى من جلسات الاستماع ثم بيانات الموسم الثاني والثالث فالرابع من مسرحية جلسات الاستماع وكم ستكون دهشته عظيمة وهو يكتشف أن البيانات متشابهة كبقرات بني إسرائيل، نفس الأرقام تقريبا ونفس الملاحظات ونفس التوجيهات ونفس المشاريع التي يجدد فخامته كل سنة على ضرورة إتمامها، وفوق كل هذا وذاك لا يكاد المرء يلاحظ أن شيئا يعكر صفو العلاقة بين فخامته ومعاليهم قد حدث خلال هذه الاجتماعات. وهذا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن زعيم القوم وحاشيته متفقون على الضحك على ذقون الناس وأنهم اكتشفوا أخيرا شيئا يكسرون به روتين شهر رمضان وما يحمله من قناطير الكسل، وفي المقابل يصطف عباقرة يتفنون كل بطريقته في تسويق أكاذيب وأوهام يخيل للشعب من سحرهم أنها حقائق وفيها فائدة كبيرة للشعب. لكن هيهات بين الواقع المر ما يتخيله السحرة.’ كاتب وصحافي جزائري