معاناة المثقفين العرب

حجم الخط
0

وأنا جالس كعادتي منشغل في مشاكل الحاسوب، محاولا القضاء على فيروسات اقتحمت جهازي عنوة، وأنا أواجه أنفلونزا الإنترنت وتداعياتها الفكرية والحضارية، إذ أقبل علي زميل لي فبادر بالتحية ثم جلس، وانطلق بعد ذلك مباشرة وبدون مقدمات في التحدّث بحسرة عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وترديها على كلّ المستويات والصعد. تكلّم الزميل عن ضياع الشباب وتدني الأخلاق وانحطاط المجتمع وفساد الحكام وإجحاف الساسة في حق شعوبهم. كما تحدّث عن السياسة العالمية وتعنت وتجبر إسرائيل وحماية الغرب لها، وأحوال الفلسطينيين في غزة وعجز العرب، بل مشاركة بعضهم في حصارها. كما استطرد في الحديث عن أمجاد الماضي ورجالاته، وعزّة وكرامة الإنسان المسلم. لقد كان يتحدث بصدق وانفعال، بشعوره ووجدانه، هو بذلك ينفس عن نفسه، وأنا أستمع إليه وأحملق في وجهه بدون أن أجيبه. اللهم الا بعض الإيماءات برأسي حتى أشعره بأنني معه، وأنني أنصت إليه وأهتم بما يقول.

ومما قاله انه يفكر أحيانا في فك الارتباط بالحضارة المعاصرة، عن طريق التخلي عن كلّ أجهزة الإعلام والاتصال، من تلفزيون وهاتف ثابت وجوال، وحاسوب وخدمات الإنترنت، وأن يقاطع مطالعة الصحافة بكل أنواعها.

كما أنه لو استطاع لقطع علاقاته بكل العالم، ويبقى مقتصرا على العمل والبيت والمسجد، فلا أذن سمعت ولا عين رأت ولا قلب تألم. وبهذا يتجنب رؤية المشاكل والتألم لها، ويمنع عقله من الانشغال بالواقع السيء، وبمآسي الآمة لكونه عاجزا عن تغييرها.

وهنا ذكرته بقول الشاعر العربي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعموهنا أدركت أن المثقف المتعلم يُشاهد ويتألم، ويحترق بدون أن يتمكن من القيام بأي شيء للمواجهة، فهو مكبل ماديا ومعنويا، واجتماعيا وأمنيا وسياسيا واقتصاديا وأخلاقيا. وهكذا فإن ثقافة الفرد تجعله جبانا يحترم القانون ويخافه، حتى لو كانت القوانين من وضع سلطات فاسدة وغير ديمقراطية، بل ان المثقف يقدّر الآخرين، ويحترم حتى أعداءه، ويتعامل معهم بمنطق الحوار، وهو ما يتنافى ويتعارض مع منطق العنف والإلغاء اللذين يتعرض لهما يوميا، ويعتمدهما الحكام والأعداء على السواء. كما أن المثقفين يتصرفون عادة بغضب وانفعال، في مواجهة فوضى اللامنطق، مما يؤثر سلبا على صحتهم النفسية والجسدية. لهذا كثيرا ما نسمع عن شعراء وفلاسفة وأدباء وعلماء ومفكرين مبدعين، أصابتهم أمراض مزمنة خطيرة، تسببت في إنهاء حياتهم وهم في عمر الزهور، وذلك بسبب ما تجني عليهم عقولهم وتألمهم ومعاناتهم بسبب مآسي غيرهم من الفقراء والطبقات الهشة في المجتمع. إن المثقفين والمتعلمين من أي مجتمع، يفكرون ويتصرفون وفق قيم أخلاقية ووفق معايير موضوعية، ومنطق علمي، يتحكم في تحليلاتهم واستنتاجاتهم العقلية. إلا أن غالبية الحكام والمسؤولين في المجتمعات العربية، لهم منطقهم الخاص، المبني أساسا على الذاتية والمصالح الشخصية، وحب السلطة والنفوذ، بدون اعتبار لأية معايير أخلاقية أو إنسانية. حيث يطغى التملق والنفاق وازدواجية المعايير في التعامل مع الأحداث، بين ما يعمل به الحكام ويطبقونه على أرض الواقع، وما يتم التصريح به في الصحافة، وهو منطق يرفضه أي عقل سليم متحضر.

وهكذا فإن اختلاف القيم بين الفئتين، بل تناقضها أحيانا، هو ما يؤدي إلى صعوبة تعايش المثقفين مع هذا المحيط، الذي يطغى عليه الفساد واللامنطق واللاأخلاق واللاقيم. وهكذا يرفض المثقفون هذا الواقع، وهم يتألمون بصمت لما يشاهدونه يوميا من ظلم وتخلف، لا يرضونه لأنفسهم ولا لمجتمعاتهم ولا لأمتهم. وهو واقع طاغ ومسيطر في كل المجتمعات والدول العربية عموما، وكلّ العوامل تدفع نحو ترسيخه.

فالعلم والثقافة والتفكير والتأمل ومتابعة الأحداث السياسية والغيرة على الدّين والانشغال بمستقبل الأمة، كلها عوامل تؤثر سلبا على صحة أصحاب الضمائر الحية وتؤرق مضاجعهم، لهذا قد يحدث للإنسان العربي المثقف أن يتمنى أحيانا لو أنه كان أميا.

بوفلجة غيات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية