خارج الموضوع والماضي هو الزمن كله: كان صديقي وكان يمدّ قدما إلى سلم الغيبة

حجم الخط
0

فاروق يوسف

كنت اكتشفت السلم فجأة حين قال لي الحارس: ‘في نهاية ذلك النفق حدثت الغيبة’. تذكرت جملة الحارس وأنا أرتقي السلم المؤدي إلى شقة غالب هلسا في حي المسبح في بغداد عام 1978. الصبي الذي غاب لم يكن قد ولد بعد ومع ذلك فقد كانت عيناه مبتلتين. غالب هو الآخر كان يقاوم غيبته ولا يصدق جسده الذي صار يخذله. من شرفة شقته كنت أنظر بشوق إلى بار 21. هناك كنا نجلس ظهر كل يوم لنشرب الجعة البغدادية ( فريدة) ونفكر بالطريقة المثلى لتعكير مزاج التاريخ والحيلولة بينه وبين الذهاب إلى مصيره. كان البعض منا يؤمن بالحتمية التاريخية فيما كنا جميعا قلقين بشأن مصائرنا المعتمة. عرفت أن غالب هلسا ينتمي إلى شريحة انتحارية من البشر حين تأكدت من أنه صار يسهر كل ليلة بمتعة خارقة مع عدد من المثقفين الشيوعيين في اللحظة التي كانوا فيها قد اتخذوا قرارا بالفرار الجماعي من العراق من غير أن يخبروه. أتخيله الآن في صورته المثالية كائنا وحيدا. كانت رواية ‘حارس في حقل الشوفان’ لسالنجر في المطبعة وبين يديه نسخة من كتاب ‘جماليات المكان’ لباشلار بترجمته والتي كانت قد صدرت قبل أيام. كان السلم قد هوى بالصبي إلى البئر التي لا يعود منها أحد، وكان الحارس يضحك فيما كانت شرفة غالب تطل على الساحة الوحيدة في بغداد التي كانت تشهد سنويا احتفالات المسيحيين برأس السنة الميلادية. سيقول الدليل السياحي وهو يشير إلى شقة تقع في الطابق الثالث من بناية تجاور السفارة الالمانية ان الروائي الاردني غالب هلسا صاحب رواية ( الضحك) كان قد سكن وحيدا في تلك الشقة. يهز أفراد الفوج السياحي رؤوسهم من غير أن يعلقوا. يقول الحارس: ‘من ستين سنة وأنا أنتظر خروجه من ذرة رمل، من ضربة إزميل، من نظرة هدهد. سبقته علامات الساعة ولا يزال غارقا في نومه’. قال لي غالب هلسا: ‘لا تسرع في المشي. دعني أدخن بدعة’. ابطأت المشي. أمسك بذراعي وصار يحدثني عن ابن رشد. كان غالب واحدا من أعظم المشائين. لا يخفي دهشة الطفل حين يراني أتعب. ‘لا تزال الطريق أمامنا طويلة’ يقول ويحثني على المشي بحركة من يده الممتلئة. أخبرني أنه زار بغداد في الخمسينيات مطرودا أيضا. بعدها لم يعد إلى وطنه إلا ميتا. وحين غادر بغداد إلى القاهرة استقر هناك وصار مصريا. هناك اكتسب عادات العيش والكتابة والسهر واللغة معا. في جزء كبير من اسلوب التفكير والسلوك اللغوي وتقنيات الكتابة وحتى تقنيات العيش كان غالب كاتبا مصريا. عبقريته وهبت الكتابة مزاجا مختلفا، غير أن ذلك ما يمكن أن يفعله اي كاتب مصري استثنائي. يوسف إدريس مثلا. حين حدثته عن السلم الذي يقود إلى الغيبة نظر إليّ بعينيه الواسعتين ( عيني طفل مستفز) وقال: ‘أود أن تُلحقني يوما ما بقافلة الذاهبين مشيا إلى سامراء’. كنت أحيانا أحوم حول البناية التي تقع فيها شقته ولا أجرؤ على الذهاب إليه من غير موعد مسبق. لم يكن لديه هاتف في الشقة. ولم أكن بعد قد خبرت عاداته في العيش والكتابة والنوم أيضا. حينها أقرر أن أنهي حيرتي بالذهاب إلى بار 21. بعد القدح الكبير الأول من الجعة وسيجارتي سومر أنسى غالب ونفق الغيبة والافواج السياحية المتوقعة وسلمه الذي يقود إلى السماء. 2كان لقائي به قد حدث صدفة. أثناء مسيرتي اليومية التي تبدأ من الوزيرية وتنتهي في ساحة الأندلس رأيته في شارع الرشيد قريبا من المربعة ( حي شعبي استوطنه المصريون في الثمانينيات). مربوع القامة ببدلة رمادية أنيقة من غير ربطة عنق وشعر أبيض وعينين حائرتين. وقفت أمامه تماما فأوقفته وقلت له: ‘غالب هلسا؟’ نظر إليّ مستفهما وأومأ برأسه. مددت يدي إليه وعرفته بنفسي وكنت أظنه مدعوا إلى مهرجان المتنبي الذي دُعي إليه يومها المئات من المثقفين واللامثقفين العرب كالعادة. اخذته إلى مقهى البرلمان وتعرف هناك على عشرات الأدباء العراقيين الذين أحاطوه بإعجابهم، وحين انتهى اللقاء قال لي وهو يمد لي يده: ‘سأذهب مشيا إلى فندقي. أظنه يقع قريبا من هنا’. لم أفهم جملته. فالمدعوون يقيمون إما في فندق بغداد أو في الفندق العباسي، وهما فندقا الدرجة الأولى الوحيدان يومها في بغداد (نهلية السبعينيات). وهما بعيدان عن المقهى. حين شعر بارتباكي قال لي موضحا: ‘أنا أقيم في فندق الشرق الكبير ولست مدعوا إلى مهرجان المتنبي. لقد طردوني من مصر باعتباري معارضا للسياسة المصرية’. كانت غرفة رثة ذهب إليها من مطار بغداد مباشرة وهو الذي كاد أن يُحمل إلى مطار القاهرة بملابس النوم. حقيبة صغيرة وما من كتب. حين انتقل إلى السكن في الفندق العباسي بعد يوم أو يومين من اكتشافه فوجئ غالب بالغرفة المترفة التي انتقل إليها وقال لي همسا: ‘فاروق. ليس لديّ ما أقدمه للنظام’. قلت له ببلاهة الشاب الذي كنته: ‘اطمئن. لن يطلب منك أحد شيئا’. وهذا ما حدث فعلا. وجد غالب بعدها عملا في مجلة ‘الأقلام’ وسكن في منزل مشترك في الصليخ ثم انتقل للسكن في شقته في حي المسبح، في البناية المجاورة للسفارة الالمانية. ولأن غالب كان شيوعيا بالفطرة ومن ثم عن طريق النضال اليومي، فقد كان يميل إلى الشيوعيين العراقيين بعاطفة عمياء. كان غالب رجل سياسة يومياً. تتوزع حياته بين التفكير الفلسفي والجنس والصراع الطبقي. كان رجلا حالما بعدالة قادمة لا محالة. لذلك كان لديه قدرهائل من الانصاف تجاه البشر والطبيعة والأشياء من حوله. وهو ما سبب له نوعا من المعاناة في علاقته بالشيوعيين العراقيين. كان شيوعيا مثاليا فيما كان الاخوة الذين يستعدون للهرب بعد فشل مغامرتهم الجبهوية مع حزب البعث الحاكم قد اهتدوا إلى نوع عملي من الشيوعية. ‘هل ستفر معهم؟’ سألته فصرخ بي غاضبا: ‘ولكن إلى أين؟’ ذكرته بسلم الغيبة. ‘لديّ ما أفعله قبل الغياب الأخير يا صديقي’ قال لي. لحظتها رأيت في عينيه وداعا.3في المربعة تعرفت عليه غريبا. في مقهى البرلمان اخترعته صديقا. في المسبح جعلني أنصت إليه مثل تلميذ. من حسن حظي أني كنت قد قرأت يومها رواياته ( الضحك والسؤال والخماسين). وبسبب تلك القراءات كنت أشعر أن هلسا لا يمكن أن يحب بغداد أو أية مدينة أخرى. القاهرة هي معبودته الوحيدة. قلت أنه كان كاتبا مصريا وأضيف أنه كان غير قادرعلى تخيل مصير يجمعه بمدينة أخرى غير القاهرة: بيروت، عدن، برلين، دمشق بعد بغداد. كلها مدن عابرة. أنصت إليه فأسمع لغة موته المؤجل. لم يكن يصدق أنه سيموت بعيدا عن القاهرة. كره بغداد في ( ثلاثة وجوه لبغداد). لديه أسبابه ربما. لم تكن تلك الأسباب مقنعة ذلك لأنه كان محاطا بالمحبة في بغداد. ربما اربكت تلك المحبة نزعته المثالية فقرر أن لا يستجيب لها. ارتاب بها فظنها خدعة. بالنسبة له فقد كان رفاقه الشيوعيون أولى بعاطفته. إضافة إلى أنه لم يكن في إمكانه أن يعيش واقعيا بعيدا عن القاهرة. عاش سنوات منفاه ( بعيدا عن القاهرة) في نوع من انعدام الجاذبية ( الهولندي الطائر). كان محلقا في انتظار أن تطأ قدماه أخيرا أرض جنته. وهو ما لم يقع أبداً. كانت لديه أحلام مؤجلة. كُتب علينا أن نتخيل ألمه. أن نكون معه في خياراته الأخيرة، وهي خيارات موته. عاش غالب هلسا حياته كلها غريبا ووحيدا، غير أنه في القاهرة كان مصريا، وهو ما كان يخفف عليه شعوره بالوحدة. كان لحياته أن تستقيم في معادلة غربته لولا ذلك الجرح النادر من نوعه. لقد وهبته القاهرة لغة هي تجربة حياة كاملة. ولذلك مضى في التجربة إلى النهاية. أن يكون مصريا إلى الموت. كان غالب هلسا صديقي وكان مصريا نقيا. ناقد وشاعر من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية