صلاح بوسريفما نزالُ نفهم الحداثة باعتبارها وَعْياً ضِدِّياً، أو وعياً نقدياً، فقط، ونكتفي بالنظر لِما حولنا، بهذا الفهم الذي، غالباً ما نختصره في مُواجَهَة الماضي، وفي أقصى حالات الفَهْم، نستبدل الماضي بالتقليد.
كما أنَّ الحداثة، عندنا، هي هذا الوعي دون غيره، بمعنى أنَّ الحداثة هي بديل الماضي، أو التقليد، ما يجعلُها تأخذ مكان هذين المفهومين، وتنوبُ عنهما في النظر إلى الأشياء. ما كُنَّا نراه بنظارات السَّلَف، التي لَفَّها كثير من ضباب التاريخ، أو حجبتها طبقات كثيفة من قراءاتٍ، هي أقربُ إلى العتمة منها إلى الضوء، أصبحنا نراه، اليوم، بنظارات الخَلَف الذي ليس اليوم في وعينا الضِّدِّيِّ، هذا، إلا الغرب، هذا الهادي الذي أخرجنا من ضَلال الماضي، وقادنا نحو هذا الضوء الذي حجبته عنا تلك القراءات العمياء.
نَظَرُنا للحداثة، كمفهوم، بقي مشدوداً إلى هذه الثنائية الضدية، و حتى حين يغادرها، فهو إمَّا يكون نوعاً من الغرق في ضباب التاريخ، وفي قراءة الماضي بعين الماضي نفسه، أو يكون نوعاً من الاكتفاء بفهم هذا الآخر لمجريات الأمور، وتكون قراءته هـي قراءتنا، وفهمه هو فهمنا، دون أن نضيف لما قاله شيئاً، بل قد يكون فهمنا لقراءته، في كثير من الحالات، نوعاً من سوء الفهم، ما يُفْضِي للقراءة السيئة، التي تكون تكراراً لما قيل، أو ترجمةً له.
في الحالتين معاً، فنحن نكون أسرى لهذا الآخر، سواء كان آتياً من ماضينا، أو من حاضرٍ، لسنا معنيين به، إلا باعتبارنا صَدًى له، لا غير.
حين كان محمد عابد الجابري ينظر إلى الماضي، فهو كان ينظر، في نفس اللحظة إلى الآخر، لا هذا كان هو الهدف، ولا ذاكَ. كانت البحث في ‘نُظُم المعرفة ‘التي حكمت ‘العقل العربي، إبان زمن التدوين، هي ما شَغَل الجابري. فلا الماضي كان حاضراً بماضويته الغارقة في سلفيتها واجتراريتها، ولا الحاضر كان آلةَ المعرفة التي تزيل غشاوة الماضي، بل إن مجال الاشتغال، عند الجابري، اتَّسَع للاثنين، بقدر ما ضاق بهما، لأنه كان يذهب للحداثة، باعتبارها، اختباراً دائماً للمعارف والمفاهيم، أي مراجعةً لها، ما جعله يطرح مفهومه للتَّبْيِئَةِ الذي لم يستسغه عدد ممن يعملون في نفس الأراضي.
ليست التَّبْيِئَة، توليفاً، أو نوعاً من استسهال المفاهيم، وتكييفها وفق منظور تلفيقي، كما حدث في قراءات اكتفتْ بظاهر المفاهيم دون وعي خلفياتها الفكرية والمعرفية، وطريقة اشتغالها، وإدارتها لِمَا تُقْدِم عليه من قراءات، سواء تعلق الأمر بالماضي، أو بالحاضر، بل إنَّ التبيئة عند الجابري كانت استعادةً لجوهر المفهوم، أو لِما ظل تاوياً فيه من ظلال تشي بجاهزيتها للفهم والاختراق.
الحداثة، وفق هذا المنظور الذي ذهب إليه الجابري، هي حداثة متجدِّدَة، وهي قراءة تراجع نفسها بنفسها، كما أنها اختبار دائم لقابلية المفهوم للاشتغال في أوضاع وسياقاتٍ، ربما قد تكون، ظاهرياً بعيدة عن بعضها، أو لا يربطها رابط، مثلما فعل الجابري نفسه، حين خرج من مشروع ‘نقد العقل العربي ‘ليدخل لأرضٍ، كثيراً ما ظل الفكر الحديث يَتَهَيَّبُ من دخولها، أو يخشى مطبَّات التأويل، وأعني قراءته للقرآن، من خلال إعادة ترتيب أوضاع النصوص، وسياقاتها التي نزلت فيها، أو ما يُصْطَلَح عليه بـ ‘أسباب النزول ‘. لم يأتِ الجابري بجديد في هذا، فجلال الدين السيوطي في كتابه ‘الإتقان في علوم القرآن ‘، كان أعاد ترتيب أوضاع النص القرآني، ونظر لمجريات الآيات والسور، وفق ما كانت عليه، وما اتَّخذته من أوضاع إبَّانَ جمع القرآن، وحَصْرِه، على عهد عثمان، لكن الجابري، حين حَفَرَ في هذه الأرض بالذات، لم يكن الحفر هو ما يعنيه، بل ما ستُفْضِي إليه عملية الحفر من اكتشافاتٍ، كما أنَّ آليات الحفر عند الجابري، لم تكن هي نفسها آليات حفر السيوطي، أو غيره ممن ذهبوا لتاريخ القرآن، من مثل المستشرق الألماني نولدكه. الجابري، في فهمي ِما قام به، عَمِلَ على إخراج النص الديني من القراءات المتداولة، باقتراح ‘فهم ‘أو ‘تفسير واضح ‘للقرآن.
في كلمة ‘واضح ‘ما يكشف عن خلفيات قراءة الجابري للقرآن، فالوضوح هنا لا يعني الإفهام؛ تيسير النص لمن لا يجد يُسْراً فـي فهمه، أو تعميمه، بل إنه سعى لإخراجه من تَعْمِيَتِه، بما طاله من قراءاتٍ، ظلت أسيرة مذهبياتٍ، أو نوع من الفهم المحكوم بسياقات لا نَصِّيَة.
أليس في هذا نقد للحداثة، أو نقد الحداثة لنفسها، فيما هي تُقْبِلُ على اختراق أراضٍ، كانت إلى وقتٍ قريب، وما تزال، ربما، في تصور الحداثيين، أو مَنْ ينتسبون للحداثة، بأحد الفَهْمَيْنِ السابقين، مما لا يعني الحداثة في شيء.
أرضُ هذا الماضوي السلفي الذي كان يعتبرها ملكاً له وحده، أو هي مسجلة ومُحفَّظة باسمه، هي ما عمل الجابري على اختراقها، باعتبار الملكية مشتركةً، و ليست حكراً على طرف دون غيره.
ألم يتم تكفير الجابري، ومحمد أركون، ونصر حامد أبوزيد، ليس لكونهم كَفَرُوا بالنص، بل لكونهم دخلوا مجالاً، ظلت القراءات المُطْمَئِنَّةُ تعتبرها ملكيةً فرديةً، لا يجوز الحرثُ فيها لغير مالكيها؟ بهذا المعنى، الذي اكتفيتُ باتخاذ الجابري نموذجا له، في مجال الاشتغال الفكري، وهذا ما ينطبق حتى على مجالات الاشتغال في التراث الجمالي، وأعني الشعر بشكل خاص، كونه أحد مجالات الثقافة والمعرفة عند العرب، أشرتُ إلى ‘عطب ‘الحداثة ‘، باكتفائها بما سَمَّيْتُهُ بالوعي الضدي أو النقدي. فليس بالضرورة أن نؤسس للمعرفة بهذه الضدية التي قد تكون نوعاً من ردِّ الفعل، أكثر من كونها اختباراً للأساسات، لصلابة البناءات أو هشاشتها، أو، بالأحرى، نوعاً من الوعي بالحداثة، باعتبارها اختراقاً، و جُرْأَةً في مراجعة ‘الأصول ‘، ومُساءلتها، في ضوء ما يطرأ على المعرفة الإنسانية من متغيرات، ليس في ظاهر الأشياء، و في سطحها الذي أصبحت التقنية اليوم، بمعناها الاستهلاكي، هي مثالها الواضح، بل بإعادة النظر في ما في يَدِنا من مفاهيم، بما فيها مفهوم الحداثة نفسه، وما أصبح من قبيل المُسَلَّمات، أو ‘عقائد الماضي ‘، بتعبير آلان تورين، التي لم نعد نَجْرُؤ على مساءلتها، وعلى إعادة وضعها موضع شك.
الحداثة، في صياغاتها لمفهومها، تركت فجوات وشقوقاً، أو تَصَدُّعاتٍ، بقدر ما تشي بهشاشة المفهوم، فهي تجعله يبتني نفسه بنفسه، أو قائماً بشروخه هذه، دون حاجة لـ ‘دعامات البناء ‘، التي عادةً ما نستعملها لترميم البناءات الآيلة للسقوط. شاعر من المغرب