حورية الخمليشيالبحث في
والمرأة أسئلة أرّقت الشعراء، وهي أسئلة كبيرة لانهائية. فقد ربط الشعراء بين القصيدة والمرأة في الشعر العربي. إن نساء الشعراء كائنات أبدعتها مخيلة الشاعر، وفيها توحدت كل معاني الشعر. فللقصيدة كما للمرأة حليها وجمالها وعطرها في لغتها وصورها وبلاغتها التي تزين جسدها وتصنع جمالها ونضارتها وألقها. ولنقرأ هذا الوصف الجميل لعبد القاهر الجرجاني في سياق حديثه عن أقسام الصنعة في حد البلاغة، يقول: ‘عرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، وكواعب ما لم تحسنها فليس لها في الحسن حظ كامل’ (1). وهو تداخل جميل بين جسد القصيدة وجسد المرأة. فالقصيدة جسد أنثوي شعري جميل قوامه اللغة. إن أدونيس مثلا يستعيد تاريخ العرب استعادة شعرية في عمله الشعري ‘تاريخ يتمزق في جسد امرأة’ (2). فهو عبر جسد امرأة يعيد قراءة التاريخ وزيفه، ويكشف عن المسكوت عنه. هذهِ سيرةُ امرأةٍ عبدةٍ وابنها نُفيت، لا لشيءٍ سوى أنها كسرت قيدها، ويُحكى أنها زُوجت لنبي وأن ابنها صار من بعدها نبياً لم يجئ في تعاليمه أنها حُرّرت وهو أيضا يستعرض سيرة امرأة عبدة وابنها، كامرأة مقيدة أسيرة لا تشعر بأنوثتها كما تعاقب بالأعراف والختان والقتل في النهاية. إنها وابنها أسيران في ظلمات، بدايتها لفظة ونهاياتها لفظةوقرأ السياب تاريخ العراق ووضعه السياسي أيضا من خلال جسد امرأة جميلة لكنها محرومة من نور البصر ألقت بها ظروف العيش في امتهان الرذيلة عبر بوابة البغاء، فجاءت قصيدة المومس العمياء قراءة عميقة لتاريخ العراق بعد أن جعل جسد المرأة في شعره يشتبك بنسيج التاريخ والكتابة الشعرية.
وقد اكتسبت المرأة قدسيتها من قدسية القصيدة في شعر نزار قباني، وعبر جسدها يعيد الشاعر قراءة التاريخ والتراث ونقد الأنظمة العربية. فهي أرض وهوية وحضارة ووطن وحالة لكتابة الشعر ولغة صافية اكتسبت جمالها من جمال جسد القصيدة، يقول:
لغتي أنت وكم يسعدني أن أحب امرأة.. هي من أحلى.. ومن أرقى.. ومن أصفى اللغات. (3) ولكن نزار كان يحتار بين جسد المرأة وجسد القصيدة، فيجعل جسد المرأة من جسد القصيدة إلا أنه ينتصر في معظم الأحيان لهذه الأخيرة، يقول:
بوسعك أن تجلسي حيث شئت.. ولكن.. حذار بأن تجلسي في مكان القصيدة.. صحيح بأني أحبك جداً.. ولكنني في سرير الهوى سأنسى تفاصيل جسمك أنت.. وأختار جسم القصيدة.. (4) فالقصيدة أنثى جمعت كل عناصر الأنوثة. وكلما تحررت المرأة من القصيدة فقدت أنوثتها وصارت امرأة عادية ككل النساء، وكلما تحررت القصيدة من المرأة فقدت العديد من عناصر جمالها وتلويناتها البلاغية التي تتمتع بها حينما تلبس ثوب القصيدة. فالأنثى قصيدة والقصيدة أنثى. لكن كيف عبرت المرأة الشاعرة عن الجسد ككيان ومعرفة وثقافة. وتراهن الشاعرة وفاء العمراني على شعرية الجسد التي تتوق إلى الحكمة مخترقة الجسد الصوفي الذي هو نهاية الكمال المطلق لتنتصر للجسد الشعري اللانهائي، تقول في ديوان ‘أنين الأعالي’ (5): كلما شطح صوت الجسد أينعت أنوثة الحكمة والجسد الشعري يتموضع بين الحياة والموت عند الشاعرة عائشة البصري. فالجسد يساوي الحياة، والموت نهاية الجسد، وبين الحياة والموت يأتي كلام الجسد الذي يعبر عن أسرار القصيدة في اندماج كلي بين جسد القصيدة وجسد الشاعرة. تقول في قصيدة ‘موت’ (6): أَعْرِفُ، أنكَ تنامُ في مكانٍ ما مِنَ الجسدِ، أؤمن، أن كُلّ الحقائقِ وَهْمٌ إلا حقيقَتُكَ. ما يَغيظني منكَأَنْ تَأْخُذَ مِنِّي كُل هذا الضوءمُقابِلَ قِطْعَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ الحَياةِ.
وقد طرحت الشاعرة سؤال الجسد بصورة مغايرة للشعراء. فالموت اعتراف ضمني بالحياة وعنصر من الجسد. وإذا كان الموت حقيقة فالجسد لا يفنى لأنه ينتظر روحا في مكان ما، وهو بذلك يحمل بعدا فلسفيا دلاليا يتضح من خلال مقاومة الذات الشاعرة للزمن، مما حقق له استمراريته التي قربته من زمن القصيدة الكوني. الجديد عند الشاعرة هو تمكنها من تحقيق هذه الموازاة بين الجسد الشعري وجسد القصيدة بعد أن استجابت لندائها، وجعلت حياتها الحقيقية رهينة بما تحمله هذه القصيدة من جماليات في عالم مجهول لانهائي. تقول الشاعرة في قصيدة ‘يسبقني ظلي’ (7): هاجِسٌ يَسْكُنُنِي، يَسْحَبُني دائِماً إلى مكانٍ آخر. أعْتَقِدُ أنَّ جَسداً يَنْتَظِرُ روحي في مكانٍ مَا. وهكذا تبقى نظرة الشاعرة للجسد نظرة فلسفية. وهي نظرة قريبة من نظرة نيتشة. فالجسد هو الحياة نفسها عند نيتشة، لأنه هو الحاضن للروح التي هي تابعة له. لأن الجسد هو الصوت أما الروح فهي دائما تابعة له لكي يُبعد النظرة المستهزئة بالجسد. لأنها نظرة عاجزة عن التجاوز والخلق من أجل تقدم الإنسان نحو مستقبل أفضل يُحس فيه بإنسانيته ورقيه. (8) * باحثة من المغرب.
الهوامش:1 ـ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1978، ص: 33.2 ـ أدونيس، تاريخ يتمزق في جسد امرأة، دار الساقي، 20073 ـ نزار قباني، تنويعات نزارية على زمن العشق، ص: 89 4 ـ نزار قباني، سيبقى الحب سيدتي، منشورات نزار قباني، بيروت، 1987، ص: 51 5 ـ وفاء العمراني، ديوان أنين الأعالي، دار الآداب، بيروت، ط1، 1992، ص: 91 6 ـ عائشة البصري، خلوة الطير، ط1، 2009، ص: 317 ـ عائشة البصري، نفس المرجع، ص:36 8 ـ فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فيليكس فارس، دار القلم، بيروت، لبنان، ص. 57-58.