قوننة الخوف

حجم الخط
0

سحر عبداللهكان يمكنني الدفاع عن بريطانيا كبلد يحترم حرية التعبير عن الرأي وحرية القول لنفسي أولا وللعالم ثانيا لو لم يحصل معي ما حصل في شهر حزيران ( يونيو) الفائت مع قناة البي بي سي المحلية، الأمر الذي دفعني لأول مرة إلى أن أعيد النظر في كل معطيات الحياة والعيش هنا في بريطانيا العظمى ومن أهمها شعارات الحرية في قبول الرأي والرأي الآخر.

ما حصل كان مخيبا لي ومثيرا للأسى ولم أستطع إلا أن أتـكىء على نسبية إنشتاين كي أرتاح قليلا، بمعنى أن بريطانيا ستدعم حرية وديموقراطية الأفراد والمجتمع بما يتماشى مع مصلحتها أولاً مع أي دولة أو كيان حتى لو كانت تلك الدولة لا ترمي فقط بحقوق الإنسان في قاع الشارع بل تسحل ذاك الإنسان نفسه.

أوجز لكم ما حصل وقد كتبته بالانكليزية بنية إرساله لجهة ما:

تبث القناة الأولى في التلفزيون البريطاني بي بي سي 1 برنامجا اسمه: ‘ السؤال الكبير ( ذا بيغ كويسشن)’، وكان أحد أسئلة حلقة البارحة، هل تصرفات إسرائيل بشكل لا أخلاقي فيما يتعلق باعتراض قافلة الحرية والتي ذهب ضحيتها من ذهب جلهم من الأتراك ودعاة حقوق إنسان ونشطاء مجتمع مدني من مختلف الجنسيات؟

؟ دخلت إلى موقع القناة والبرنامج كي أشارك وقد تحمس ولدي كنان وكتب سطرين مؤثرين أيضا عن أطفال غزة.

كتبنا ما نظن أنه عادي وووجهة نظر على الأقل، بعد عدة دقائق تصفحت الموقع ثانية كي أتأكد أن نشر تعليقي وتعليق كنان وكانت الخيبة الكبرى: إدارة الموقع تعتذر بأناقة لحذف تعليقي أنا وابني لأنهما لا يتماشيان مع قواعد القناة، فما كان مني كمقيمة ملتزمة بقوانين البلد إلا أن ذهبت وقرأت هذه الشروط والقواعد ولم أجد في نصي أي تجريح أو تهجم أو إساءة أو عنصرية ( وهي من أهم قواعد النشر). قبلت وبقناعة أن حجتهم فيما يخص ابني مقنعة كونه دون الثامنة عشرة وقد ندمت لاحقا لأني أدخلتُ ابني في جدل كهذا لكنه لم يستطع الامتناع هو نفسه عن المشاركة لغضبه وقهره مما رأى منذ أن وعى أحاديثنا عن فلسطين.

وفحوى ما نشر على صفحة البرنامج يلخص بالآتي: ماذا ستفعل إسرائيل لو أنها في مكان الفلسطينين، أي محاصرة ومدمرة، العالم يدفع ضريبة الهولوكست منذ عقود بشكل أو بآخر من سيدفع ثمن آلاف الأرواح التي زهقت من قبل إعلان قيادة دولة اسرائيل عام 1945؟ قال انشتاين: السلام يتم بالتفاهم وليس بالقوة. من يفهم هذه العبارة من الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي؟

؟ تصوروا صدى طرح مثل سؤال كهذا؟ لم يقتصر الأمرعلى حذف تعليقنا.

تم إلغاء الحلقة بعد ربع ساعة دون إعادة، وبالعادة تحفظ القناة حلقاتها مزودة بخدمة الأي بلير إن فاتك مشاهدة الحلقة لسبب او لآخر. كانت تلك الحلقة الملغاة محذوفة من الموقع أي لم يتم قطع إرسالها فقط على الهواء مباشرة بل أوقفت نهائيا قبل الوصول إلى السؤال المحرم. لم نستطع أنا وزوجي وابني إلا أن نربط إلغاء الحلقة بسؤال إسرائيل.

راسلت المحطة على الفور أعبّر عن خيبتي وأسفي كيف تم التعامل مع تعليقي وردي، فأرسلوا لي ردّا يشي بالتهديد بحذف حسابي من البرنامج، وقد استبدلوا اسمي بالفعل برقم فقط كون اسمي وكنيتي يشيان بأصلي ولوني وعللي كلها من قبيل عربية، وأدافع عن فلسطين أو أعتبرها قضية عادلة وأعتبر ما تفلعه إسرائيل غير أخلاقي.

في النهاية أجدني مدفوعة للتساؤل عن جدوى العمل المدني في أرقى الدول التي تسن قوانين وتضع شروطاً تجعل من الخوف القانون الأكثر قوة.

لقد خفت على نفسي وعلى عائلتي من جريرة الاستمرار في منافحة القناة التي يمكن ببساطة أن تستدعيني لمحكمة بحجة الإهانة أو تجاوز قواعد النشر وتسبيب خسارات ولست بالشخص النافذ القادرعلى مثل مغامرة كهذه وأنا مسؤولة عن عائلة صغيرة في بلد غريب. هكذا يتعلم الغريب أن يصمت في البلد الغريب.

كاتبة من سورية تقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية